تميزت علاقات الولايات المتحدة بجوارها الإقليمي في قارّتي أمريكا الشمالية والجنوبية، بالتوتر وعدم الاستقرار، طيلة عقود من الزمن، بسبب السياسات التي اتبعتها واشنطن من أجل إخضاع كل جوارها لهيمنتها من خلال شركاتها التي كانت تتصرف في معظم عواصم الأمريكتين كأنها تمارس نشاطها في مناطق تخضع للسلطة المباشرة للبيت الأبيض، ولم تكن تتورّع عن استخدام كل الوسائل، المشروعة وغير المشروعة، لإبقاء كل دول المنطقة تحت سيطرتها. وقد كانت علاقتها بجارتها الشمالية كندا، تمثل استثناء لهذه القاعدة، لأسباب تتعلق بالحلف الذي كان يجمع الولايات المتحدة بالدول الناطقة بالإنجليزية المرتبطة بالعرش البريطاني، وهو استثناء بدأ بالزوال مع الهجوم، السياسي والاقتصادي، الذي شنته إدارة الرئيس ترامب على أوتاوا.
وتشير الأحداث التاريخية في القرن الماضي، إلى أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية كانت تقف خلف معظم الانقلابات العسكرية التي حدثت في دول أمريكا الجنوبية التي كانت تتجرأ حكوماتها على شق عصا الطاعة في وجه واشنطن، وقد تكون كوبا هي الدولة الوحيدة التي ظلت صامدة في وجه كل المحاولات التي سعت إلى إسقاط نظام الحكم فيها، أما فنزويلا التي ظلت تقاوم منذ تولي هوغو شافيز السلطة، فقد كان مصير خليفته نيكولاس مادورو، هو الاختطاف من قصره الرئاسي في كركاس أمام مرأى ومسمع العالم، في حادثة ذكّرت المتابعين بعملية اختطاف سابقة تعرّض لها الرئيس البنمي الجنرال مانويل نورييغا في بداية شهر يناير/ كانون الثاني سنة 1990 في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب.
ومن المتوقع في السياق نفسه، أن يزداد الضغط الأمريكي على البرازيل خلال هذا الشهر من أجل التأثير في الانتخابات العامة التي أجريت الجولة الأولى منها في 4 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وستُجرى الجولة الثانية في 25 من الشهر نفسه، حيث تجلّى التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية لبرازيليا من خلال دعم واشنطن المباشر، في الحملة الانتخابية لمرشح اليمين فلافيو بولسونارو نجل الرئيس السابق، الذي يواجه الرئيس المنتهية ولايته لولا دا سيلفا، وتأمل واشنطن أيضاً أن يكتسح نواب اليمين مقاعد البرلمان لتتمكن بذلك من تغيير المعادلة في القارة الجنوبية بشكل كلي لمصلحتها، بالاعتماد على الأرجنتين وكولومبيا والبرازيل، بخاصة أن البرازيل تلعب دوراً سياسياً واقتصادياً مؤثراً، وبالتالي، فإن فوز اليمين من شأنه أن يشكل تحولاً جيوسياسياً حاسماً على مستوى التوازنات الدولية القائمة بين أمريكا والصين.
أما علاقات المكسيك بالولايات المتحدة فتمثل أكثر تجليات الجوار الأمريكي تعسّفاً، فقد توسعت الجغرافيا الأمريكية على حساب الأراضي المكسيكية، وظل الخلاف الحدودي بين البلدين يمثل جرحاً وطنياً غائراً بالنسبة للمواطن المكسيكي، وتفاقم الشعور المعادي لأمريكا داخل المجتمع المكسيكي بعد أن قامت الإدارة الأمريكية ببناء جدار حديدي بمواصفات تكنولوجية متطورة على طول الحدود بين البلدين، وقد أسماه المكسيكيون بجدار العار، وشبّهوه بحائط برلين، وبالجدار الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية.
ويعتقد المراقبون أن الجوار الأمريكي يشهد الآن تغيّرات جيوسياسية غير مسبوقة، لأن التحديات على الحدود الجنوبية قد تكون معروفة، وربما أضحت مألوفة، لكن الجوار الشمالي الذي ظل آمناً ومستقراً لعقود طويلة، يعيش الآن على وقع تحولات لا ترضي واشنطن، لأن كندا الشقيقة الصغرى باتت تتبنى خطاً سياسياً مستقلاً للدفاع عن مصالحها، فقد أظهرت أوتاوا مقاومة غير متوقعة في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية الأمريكية، وعوض أن تخضع لإملاءات واشنطن، شرعت في تنويع شراكاتها مع أوروبا وآسيا، لذلك، فقد اشتد غضب الرئيس ترامب عندما فتح الاتحاد الأوروبي أمام كندا إمكانية أن تصبح أول عضو منتسب داخل الاتحاد الأوروبي.
وتعكس تصريحات رئيس وزراء كندا مارك كارني الأخيرة، لإحدى الصحف الأمريكية، مقدار التراجع الذي وصلت إليه العلاقات بين البلدين الجارين، بخاصة إشارته إلى أن حكومته تستعد لأسوأ الاحتمالات، بما في ذلك إمكانية قيام واشنطن بعمل عسكري ضد بلاده.
ومن الواضح أن الآثار السلبية لسياسات ترامب في جوارها الإقليمي ستظل حاضرة حتى بعد مغادرته للمكتب البيضاوي، ويبدو أن واشنطن تبني حساباتها على وقائع ظرفية، فهي تعتقد أن كندا لن يكون أمامها في نهاية المطاف خيار آخر غير الرضوخ لشروط المفاوضين الأمريكيين، بينما يرى الجانب الكندي أنه سيخسر الكثير في البداية على المدى القصير، لكنه سيعوّض لاحقاً كل تلك الخسائر، بعد أن ترسخ أوتاوا شراكاتها، لتفتح أمام صادراتها أسواقاً استهلاكية ضخمة.
أما المكسيك، فحتى وإن كان موقفها التفاوضي يبدو هشاً على المستويين، الأمني والتجاري إلا أنها تبحث عن مخارج تضمن لها الحفاظ على سيادتها، واستقلالية قراراتها، ونستطيع أن نسجل الملاحظة نفسها بشأن البرازيل التي ترفض خلط التجارة بالخطاب الأيديولوجي، بخاصة بعد أن أفسد ترامب الطابع المؤسّسي للعلاقات مع الجيران، ويحاول أن يجعل منها شبكة من الارتباطات القائمة على الولاء الأيديولوجي.
