يخفي تخبّط واشنطن على المستوى الدولي أزمة عميقة داخل المجتمع الأمريكي، حيث يمكننا ملاحظة زيادة الصراع حول مشروع المجتمع بين تيارين مختلفين تزداد حدة الاستقطاب بينهما إلى درجة بدأت تهدّد السلم الأهلي في أقوى دولة في العالم، فهناك من جهة أنصار القوميين البيض الذين يرفضون التعدّد الثقافي والعرقي ويدافعون عن مرجعية أمريكية ذات أصول ثقافية أوروبية وبيضاء، ونجد من جهة أخرى دعاة الليبرالية المنفتحة على التنوّع الفكري والثقافي وقبول الآخر المختلف، ويرون أن أمريكا تأسّست على قبول المهاجرين القادمين من كل بقاع العالم دون تمييز بين الأفراد على أساس اللون والعرق أو الانتماء الديني. ويطرح الصراع بشأن طبيعة المجتمع أسئلة وجودية حول الهوية الحضارية للأمة الأمريكية، ويتجلى هذا الصراع بشكل واضح من خلال سياسة الهجرة التي يتبناها الرئيس ترامب، الأمر الذي يجعل المواجهة تتصاعد بين القوميين البيض الذين يتميّزون بنزوع واضح نحو الاستبداد وبين المدافعين عن المثل الديمقراطية وعن التعدد العرقي.
ومن الواضح أن السياسة المتشدّدة التي تطبقها الإدارة الأمريكية بشأن ملف الهجرة والقمع الذي تمارسه ضد المهاجرين، يمثلان إلى حد كبير نقطة الذروة في التوترات العرقية في أمريكا في سياق معركة أيديولوجية ذات تأثير أوسع تمس الهوية والقيم المؤسِّسة للديمقراطية الأمريكية. وقبل أن نستعرض بعض تجليات الصراع الهوياتي في الولايات المتحدة، نتوقف قليلاً عند مفهوم الهوية التي يقول عنها جان فرانسوا دورتيه، إنه شهد توظيفاً قوياً منذ التسعينات من القرن الماضي ليشير إلى ظواهر مثل الصراعات الإثنية والوضعيات والأدوار الاجتماعية على غرار الهوية الذكورية وثقافة المجموعة من قبيل الهوية القومية والدينية أو اضطرابات الهوية الشخصية، لنكون بذلك أمام 3 مستويات لتجلي الهوية: الهوية الجماعية، الهوية الاجتماعية، والهوية الشخصية، وتعتبر الهوية الجماعية هي المؤطرة لهويات الأقليات والقوميات.
يرى برتراند بادي في سياق متصل أن مفهوم الهوية السياسية يلعب دوراً كبيراً في الحياة السياسية على الرغم من الالتباسات التي يحملها، إنه يستجيب في واقع الأمر إلى مسعى يتعلق بترسيخ سلوكيات الأفراد في شكل من أشكال التناسق والانسجام والاستمرارية، فأن تكون مواطناً أمريكياً، على سبيل المثال، فذلك يحمل دلالة إيحائية بوجود أوجه تشابه أساسية مع كل الأمريكيين رغم اختلاف الطبقات والوضعيات والتربية إلخ، ليس فقط مع المعاصرين، ولكن أيضاً مع أجيال الماضي والمستقبل. ويحضر مفهوم الهوية هنا ليس فقط من أجل تأكيد شيء ما ثابت ويمثل قاسماً مشتركا بين الأفراد، ولكن أيضاً بهدف إبعاد كل الاختلافات ووضعها في زاوية خلفية.
ويشير المتابعون للشأن الأمريكي إلى أن المواجهة ذات الطابع الهوياتي بين القوميين البيض وبين الليبراليين، هو في حقيقة الأمر خلاف يتصل بمسألة تعريف الأمة، حيث يرى الطرف الأول أنها قائمة على العرق والثقافة الأصلية الأنجلوساكسونية للمهاجرين البيض من أوروبا، بينما يرى الطرف الثاني أنها قائمة على القيم الكونية، وعلى المؤسسات والانفتاح المؤمن بالمواطنة واحترام الدستور.
ونعتقد في هذا الإطار أن سياسات ترامب في مجال الهجرة تزيد من حدة التوتر الهوياتي في المجتمع الأمريكي وتعزّز حجج القوميين البيض، وتدعم رواياتهم المتعلقة بالتهديد الوجودي، وتجعل خطابهم أكثر قبولاً لدى السكان البيض، وتفضي هذه السياسات أيضاً إلى إعادة النظر في حقوق المواطنة المكتسبة وتبدو الجنسية الأمريكية وكأنها منحة سخية من الدولة، وليست حقاً يكفله الدستور الأمريكي، كما تعزّز هذه السياسات التصادم بين ما هو محلي وما هو عالمي بشكل يجعل الليبراليين يدعمون تصوراً مدنياً منفتحاً للهوية، بينما يدافع القوميون عن الخصوصية العرقية والدينية، ويمارسون، انطلاقاً من ذلك، تمييزاً خارجاً عن القانون تجاه الأقليات المنحدرة من أصول لاتينية وإفريقية ومسلمة وحتى آسيوية بشكل يدفع هذه الأقليات إلى الارتماء في أحضان الليبراليين الذين يدعمون أحياناً هويات جندرية تتعارض مع قيمهم الدينية.
نخلص بناءً على ما تقدم، إلى أن النقاش الهوياتي في أمريكا بدأ يخرج عن طابعه الفكري والسياسي، وبات يأخذ صبغة الاستقطاب العرقي الذي يجعل عدداً من المواطنين الأمريكيين يشعرون بتهديد وشيك لوجودهم، وهو ما قد يؤثر سلباً في الاستقرار والسلم في المجتمع.
[email protected]
بلور المفكر الأمريكي جوزيف ناي مصطلح «القوة الناعمة» في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وبلاده تنفرد، لأول مرة في تاريخها، بقيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويعود المصطلح الآن إلى الواجهة والولايات المتحدة، تشهد تآكلاً غير مسبوق لمعظم عناصر القوة لديها، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن، فستكون القوة العلمية والتكنولوجية هي الأخرى جزءاً من الماضي.
لقد استندت القوة الأمريكية الناعمة في السابق على مجموعة من الأدوات المادية والرمزية، قال عنها بتراند بادي: «إنها الوضعية التي تسمح بالحصول التلقائي ومن دون إكراه على انضمام الآخرين إلى مشاريعك وأطروحاتك من خلال التأثير في اختياراتهم وتوجيه طموحاتهم وتطلعاتهم»، ويبرِز هنا الدور المحوري للثقافة والقيم واستراتيجيات التواصل تلك الصورة التي تقدمها صاحبة القوة الناعمة عن نفسها، وذلك فضلاً عن كل مجالات القيادة التي تضطلع بها مثل هذه القوة من أجل التأثير في رسم الخطوط العامة لأجندات السياسة الدولية.
وتدفعنا التطورات التي يشهدها العالم إلى التساؤل بجدية عن مستوى التقهقر الذي وصلت إليه القوة الأمريكية الناعمة، بعد أن تخلى كل الحلفاء الغربيين عن واشنطن، في سابقة هي الأولى من نوعها، وتركوها تواجه لوحدها تبعات خياراتها. يشير أحد الكُتّاب الفرنسيين إلى أنه، ومنذ سنوات عديدة، يسعى المحلّلون والإعلاميون إلى محاولة فهم استراتيجية الرئيس ترامب، وجرى تجنيد كل الخِبرات الممكنة من أجل تقديم تفسير عقلاني لتصريحات وقرارات الزعيم الأمريكي.
يتحدث صاحب مفهوم «القوة الناعمة»:« القوة الناعمة، مفهوم يعتمد على التأثير لا على الابتزاز، خاصة على التأثير الثقافي، وهو تأثير كانت تستفيد منه أمريكا بهدف فرض هيمنة سلسة وناعمة على العالم».
وقد كانت أكثر قرارات ترامب إلمضادة لقوة أمريكا الناعمة، هي إقدامه على إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي عملت على محاربة الأنظمة غير الليبرالية من خلال الترويج لصورة جذابة «للعالم الحر» لكسب قلوب الناس في مواجهة «الأنظمة الشمولية»، لتظل بذلك العلاقات القائمة على القوة الخشنة هي المعيار الوحيد الذي يحكم العلاقات بين الأمم. وعليه فإن أفول القوة الناعمة لأمريكا بدأ يتسبب في تراجع قدرة واشنطن على جعل الآخرين ينجذبون إليها، وفي تقلص قدرتها على الردع، الأمر الذي يؤثر بشكل حاسم في زعامتها للعالم، بسبب شعار «أمريكا أولاً»، لتجد واشنطن نفسها في عزلة شبه كاملة عن كل أصدقائها.
وهناك مؤشرات أخرى تُفصح عن مستوى تآكل القوة الناعمة لواشنطن، من بينها تراجع الديمقراطية الأمريكية وتزايد الشكوك بشأن حيادية مؤسسات الدولة في المنافسات الانتخابية، إضافة إلى انتشار العنف المجتمعي وتراجع قيم التسامح بين المجموعات العرقية والدينية، وقد كان لتدخل أصهار وأقرباء ترامب وأصدقائه في الشأن الدولي أثر بالغ السوء على سمعة أمريكا، حيث رفضت العديد من الدول تدخل شخصيات أمريكية مثل إيلون ماسك في شؤونها الداخلية.
إن أكبر خطر بات يحاصر قوة أمريكا الناعمة ويجعلها تبدو في وضعية هشة للغاية، يكمن في رهان الإدارة الأمريكية على القوة الخشنة في تعاملها مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، على الرغم من أنها تعرف جيداً أن القوة المادية لا تكفي لتحقيق كل الأهداف. وقد بينت التجارب السابقة أنه ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تستطع واشنطن أن تنتصر في أي حرب من حروبها سواء في شرق آسيا أو في الشرق الأوسط.
[email protected]
الحسين الزاوي
يُجمع المراقبون على أن العالم يعيش مرحلة مفصلية في تاريخه المعاصر، سيكون لها ما بعدها وستحدّد وجهة الأحداث في الشرق الأوسط، ومسار العلاقات الإقليمية والدولية خلال العقود المقبلة، إذ إن الحرب الحالية في الشرق الأوسط تطرح أسئلة جيوسياسية عميقة تتجاوز القراءات السريعة التي يستدعيها منطق الراهن والتطورات المتسارعة، التي كثيراً ما تفرض على المتابعين استخلاص نتائج أو بلورة قراءات لا تأخذ في الحسبان تعقيدات الواقع الذي يخضع لتفاعلات داخلية وخارجية لا تتحكم فيها القوى العالمية الكبرى فقط، ولكن يلعب فيها الفاعلون الاجتماعيون دوراً حاسماً يتجاوز منطق العلاقات الدولية، وفقاً لما يؤكده برتراند بادي.
يرى الباحث لويز دو بومبلون، أن استخدام المسيّرات والصواريخ الدقيقة واللجوء إلى التصفيات الموجهة في سياق عمليات قطع الرؤوس في إيران، تخفي وراء ما يبدو أنه فاعلية تكتيكية واضحة، وهماً استراتيجياً، لأن النظام في إيران يمثّل هرمية مؤسساتية مكوّنة بشكل مقصود من أجل بقاء النظام السياسي بمعزل عن قيادته، وبالتالي لا يجب الخلط في رأيه بين الضرر الذي يتم إلحاقه بالخصم وبين التحوّلات التي يخضع لها النظام نفسه، لأن ذلك يؤدي إلى استبدال الرؤية الاستراتيجية لمسار الأحداث بالدقة التكنولوجية.
ويضيف الباحث أن الاستراتيجية القائمة على قطع رؤوس قيادات الخصوم ليست ابتكاراً خاصاً بعصر المسيّرات، إنها ممارسة تعبُر التاريخ العسكري منذ زمن طويل، وقد وجدت صياغتها النظرية الأكثر انضباطاً مع كارل فون كلاوزفيتز ورؤيته المتعلقة بمركز الثقل التي تدعو إلى ضرب النقطة المحورية التي تتركز حولها قدرة المقاومة لدى العدو، والحال أنه في سياق التقليد العسكري الغربي خلال القرن العشرين كثيراً ما كان يتمّ اختصار مركز الثقل بنوع من الاختزال العملياتي، في شخصية القائد. وهذا الاختزال الذي يحمل طابع الشخصنة يغفل حقائق من بينها أن الأنظمة المُغلقة لا تستند إلى سلطة الفرد، ولكن على جهاز بيروقراطي وأيديولوجي يتميّز باستقلالية فائقة.
هناك إذاً حاجة ماسة إلى التوظيف الدقيق للرؤية الاستراتيجية، إذ إن المقاربة الاستراتيجية، بحسب فريدريك إنسل، تنخرط بالضرورة في سياق عقلاني: يمكنها أن تبدو في بعض الأحيان خاطئة جبانة أو متردِّدة، وربما متهوّرة، ولكنها ليست منزوية في ركن سحري من الفكر أو في غطرسة عاطفية. ومع ذلك فإنه لا يجب تضخيم هذه المقاربة، من منطلق أن الأشياء كلها ليست مؤهلة لكي تحمل بعداً استراتيجياً، نعم كل استراتيجية تسعى إلى تحقيق هدف معيّن، ولكن كثيراً ما نجد بعض المعلّقين يخلطون بين الاستراتيجية والهدف.
وبالتالي فإنه ومع تضخم المعنى اللغوي للاستراتيجية، كما يقول أوبير فيدرين، فإن اللفظ صار يشير إلى كل مجموعة من النشاطات المنسّقة بغرض تحقيق هدف محدّد في أي مجال من المجالات، وهذا قد يبدو بديهياً، ولكن ليس كل من يريد أن يكون استراتيجياً يمكنه أن يكون مؤهلاً للعب مثل هذا الدور.
وإذا كان العمل العسكري الأمريكي المرتبط بالضربات الجوية الدقيقة يخضع لمنطق محاربة الإرهاب الذي يعود إلى بداية الألفية الجديدة والهادف إلى تحييد الدائرة العملياتية للتنظيمات المعادية بغرض تمهيد مسرح العمليات وحماية القوات التي يمكن إرسالها إلى أرض المعركة، يهدف في الغالب إلى بث الاضطراب والفوضى في صفوف العدو، فإن المقاربة الإسرائيلية تعتمد على تسريع التدهور والانحطاط في بنية الخصم لمنعه من التطور وإبقائه في حالة هشاشة دائمة تجعله قابلاً للانهيار في أي لحظة.
تركّز كل المقاربات التي أتينا على ذكرها على الدول، وكأنها الفاعل الوحيد في المعادلة، بينما تستحضر الرؤية الاستراتيجية الشاملة، الدور الأساسي الذي يمكن أن تلعبه المجتمعات في ديناميكيات التحول، فالمجتمعات أضحت تؤثر في السياسة الدولية عبر آليات من أبرزها: الرأي العام العالمي، والحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية، وشبكات التضامن العابرة للحدود. وعليه فإنه وبصرف النظر عن مآلات الحرب الحالية ستظل الدقة التكنولوجية غير كافية وحدَها لمنع مزيد من التدهور في الشرق الأوسط، ولن تسهم بشكل فعّال في إنقاذ الاقتصاد العالمي من شبح الركود، وسيكون للرأي العام العالمي كلمته القوية بشأن المغامرات السياسية التي تهدّد أمن واستقرار العالم.
[email protected]
الحسين الزاوي
تمثل آسيا بشكل عام ومنطقتا جنوب شرق آسيا والمحيطان الهندي والهادي بشكل خاص، أولوية كبرى بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية لأسباب لا تحتاج إلى تذكير، من منطلق أن استمرار الزعامة الأمريكية للعالم، يستند على ديمومة التحالفات مع أكبر عدد ممكن من دول المنطقة، وعلى تطوير مستمر للقدرات العسكرية والتكنولوجية من أجل محاصرة الصين التي تشكل أبرز تحدٍ وجودي لواشنطن. وتحرص إدارة ترامب على توظيف كل قدراتها للتأثير في مسار الأحداث في آسيا، وكثيراً ما يدفعها هذا الحرص إلى الاعتماد على حسابات ظرفية خاطئة، وإلى اتخاذ قرارات متسرِّعة لا تسيء فقط للخصم الصيني بل تجعل الحلفاء المقربين لها، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، يشعرون بأن الشريك الأمريكي يمكن أن ينقلب عليهم في أي لحظة.
يشير فريدريك إنسيل في قاموسه الجيوسياسي إلى أن آسيا ستظل تمثل أبرز قارة في المعمورة، ليس فقط بالنظر إلى مساحتها الشاسعة، لا سيما إذا أضفنا لها منطقة سيبيريا الروسية، ولكن أيضاً من منطلق كثافتها السكانية المرتفعة والتي ستبقى هي الأعلى في العالم خلال العقود المقبلة على الرغم من النمو السكاني السريع الذي تعرفه القارة الإفريقية، كما أن آسيا تتميز بتنوعها اللغوي ولاسيما الديني، ويوجد بها القسم الأكبر من العقائد غير التوحيدية في العالم، إضافة إلى أنها تمثل مهد كل الديانات التوحيدية الكبرى. وفضلاً عن كل ما تقدم، وهو ما يفسر من ثم الرهان الأمريكي على آسيا، فإن هذه القارة تمتلك القسم الأكبر من الاحتياطيات العالمية من الثروات الطبيعية مثل النفط والمعادن النادرة.
ويمكن القول إن أبرز المفارقات التي سجلها المراقبون بشأن السياسة الخارجية لترامب في آسيا خلال ولايته الرئاسية الثانية، تتمثل في الغموض الذي يكتنف استراتيجية إدارته، إذ إن ترامب بدأ هجومه على حلفائه قبل أن ينتقل إلى خصومه الكبار، وغلب على الكثير من سياساته التسرّع وأحياناً العشوائية من خلال إعلان قرارات مفاجئة ثم التراجع عنها لاحقاً، الأمر الذي دفع البعض إلى القول إنه يعتمد الشدة ضد الضعفاء و«اللين» في مواجهة الأقوياء، واتضح للجميع اعتماده على مبدأ القوة في العلاقات الدولية بوصفه المعيار الأساسي للدفاع عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، في سياق داخلي أمريكي يهدف إلى إعادة الاعتبار لأخلاق القوة وبناء عقيدة عسكرية هجومية، كان من أهم تجلياتها إعادة توصيف المؤسسة العسكرية وتسميتها بوزارة الحرب عوضاً عن وزارة الدفاع.
كما أن ترامب يتعامل مع الصين انطلاقاً من تكتيكات آنية ومتغيّرة وليس اعتماداً على استراتيجية ثابتة وواضحة المعالم، لأن ما يهمّه في المقام الأول هو محاصرة بكين ومنعها من تحقيق أهدافها البعيدة المدى التي من أبرزها التحوّل إلى القوة العظمى الأولى في العالم مع مطلع سنة 2049 التي ستمثل الذكرى المئوية الأولى لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، وتعمل إدارته على إطلاق تصريحات متناقضة بشأن سيادة الصين على تايوان بهدف دفع الصين إلى اتخاذ قرارات غير دقيقة، قد تبطئ وتيرة تقدمها المتسارع. ويبرز هذا التركيز الكبير لواشنطن على المنطقة من خلال زيارة وزير الحرب الأمريكي مرتين في الفترة الممتدة بين مارس/ آذار ومايو/آيار 2025 إلى دول في المحيطين الهندي والهادي، مؤكداً بالمناسبة أن إدارة بلاده ملتزمة بتحقيق السلام في المحيطين بالقوة، لكونهما يشكّلان أهم أولويات واشنطن.
وقد وجّه، في السياق نفسه، وزير الخارجية الصيني انطلاقاً من مؤتمر ميونيخ للأمن، رسالة واضحة لإدارة ترامب أعاد من خلالها تحذير واشنطن من تجاوز الخطوط الحمراء في تايوان قائلاً إن أي محاولة أمريكية للتآمر بهدف فصل تايوان عن الصين ستؤدي على الأرجح إلى مواجهة، ودعاها إلى اعتماد طريق التعاون مع بلاده، عوض العمل على تقويض سيادة الصين ودفع تايوان إلى الانفصال.
أما بالنسبة للهند فإنه، ورغم قرار ترامب القاضي بخفض الرسوم الجمركية عن الصادرات الهندية، وهو أمر استقبلته نيوديلهي بترحيب واضح، إلا أن حكومة مودي لا تثق كثيراً في التزامات واشنطن وتتعامل بحذر بالغ مع مزاج ترامب المتقلب، ومن ثم فإن الهند عبّرت خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي الذي استضافته، عن طموحاتها في تجاوز كل من أمريكا والصين على حد سواء، لأنها تريد أن تقود دول الجنوب الكبير إلى تطوير ذكاء اصطناعي مفتوح أمام كل الدول يكون أكثر احتراماً للخصوصية ولبيانات المستخدمين.
نخلص عطفاً على ما تقدم، إلى أن خيارات ترامب في آسيا لم تعد سهلة التنفيذ في المرحلة الراهنة، فقد أضاعت واشنطن جزءاً كبيراً من رصيد الثقة الذي كانت تمتلكه لدى حلفائها في المنطقة، ودفعت الصين إلى تبني سياسة أكثر حزماً تجاه المصالح الأمريكية، وجعلت الهند ترسّخ حيادها بشأن المواجهة المحتدمة بين القوتين الكبيرتين، حفاظاً على مصالحها الاستراتيجية البعيدة المدى، وعلى علاقاتها التاريخية مع موسكو.
[email protected]
اعتقد كارل ماركس أن التحدي الأكبر الذي يواجه الفكر البشري هو العمل على تغيير العالم، لتحقيق منظومات سياسية واقتصادية واجتماعية أكثر عدلاً، وقال عبارته الشهيرة التي شغلت المفكرين لعقود من الزمن: «لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المهم هو العمل على تغييره»، وقد حاولت العبارة أن تُعلي من شأن الممارسة والفعل العملي وعدم الاقتصار على التفسير النظري من خلال السعي إلى تحليل الواقع أو تأمله كما دأبت الفلسفة الكلاسيكية على فعله، لأنه كان يعتقد أن المهمة الأساسية للفكر تكمن في تعديل الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يجعل الأفراد والمجموعات السكانية تواجه تحديات كبرى على المستوى المعيشي. ونلاحظ في المرحلة الراهنة أن العلاقة بين التفسير والتغيير تجاوزت مستوى أفضلية عنصر على آخر، حيث إن التغييرات التي حدثت كثيراً ما كانت تتجسّد دون استكمال أهمّ شروط الفهم والتفسير.
في سياق العلاقات الدولية الراهنة، هناك أطراف تعجّلت العمل على إحداث تغييرات على مستوى موازين القوى إمّا لتحقيق مصالح أو تحسباً لفقدان مكاسب، وهناك أطراف أخرى فطنت إلى أن التغيير ليس هدفاً في حد ذاته وأن أي محاولة لتعديل الواقع يجب أن تستند، على تفسير دقيق وفهم عميق لطبيعة المرحلة، وعلى إحصاء متأنٍ لمجمل الأخطار والمكاسب المترتبة عن القرارات التي يمكن اتخاذها قبل إحداث أي تغيير. وكانت إدارة ترامب مندفعة نحو التغيير بينما كان خصومها وحلفاؤها التقليديون أكثر حرصاً على تقديم قراءات رصينة لطبيعة ما يُعرض عليها من تحوّلات.
ويشير المشهد المتعلق بالعلاقات الدولية، إلى أن هذه العلاقات لا يمكن أن تبتعد عن المبادئ المرتبطة بتعددية الأطراف، وأن أي طرف يعتقد أنه سيكون قادراً على فرض تصوراته على الآخرين، سيحصد الفشل وخيبات الأمل، لأن التحكم في التكنولوجيا العالمية لا يعني بالضرورة فرض الوصاية على الشعوب. ويذهب أوبير فيدرين، في هذا السياق، إلى أنه وكرد فعل على سياسات ترامب في ولايته الأولى، عمِل الفاعلون الدوليون لاسيما الأوروبيون، على الدفاع عن معيار العلاقات القائمة على تعددية الأطراف والأقطاب.
ويترجم هذا التقدير والاحترام الذي يحظى به هذا الشكل من العلاقات الدولية، مقدار الرفض الذي يشعر به العالم اتجاه السلوكيات والممارسات الفوضوية لترامب على المستوى الدولي، والتي لا تعبّر عن توجّه حقيقي للانعزال عن بقية العالم، ولكن عن رغبة في جعل هذا العالم يخضع لهيمنة واشنطن، خوفاً من تحوّل الصين إلى القوة العظمى الأولى في العالم، وذلك على الرغم من أن الولايات المتحدة كانت هي أول من وضع أسس النظام المتعدّد الأطراف غداة نهاية الحرب العالمية الثانية.
وعليه فإن فهم العالم وتفسيره يجعلنا نلاحظ أن الأوضاع لن تتجه أبداً نحو الأحادية القطبية على الرغم من المحاولات اليائسة لإدارة ترامب، ليس لأنها محاولات تواجه القوة الخارقة للتنين الصيني، ولكن لأن الجنوب الشامل الذي كان يقف على هامش مشهد السياسة الدولية سنة 1945، أضحى الآن من أبرز الفاعلين وأكثرهم قدرة على الموازنة بين فهم العالم ومحاولة تغييره.
ويمكننا القول أيضاً، إن النجاح الاقتصادي والدبلوماسي الذي حققته دول جنوب وجنوب- شرق آسيا، يكمن في تمسكها بخيار العلاقات المتعددة الأطراف الذي تسميه الدبلوماسية الهندية بخيار الانحياز المتعدد، لأن الصين تثير المخاوف بسبب وزنها الاقتصادي وسياساتها الإقليمية المهيمنة، أما إدارة ترامب فتقود هجوماً عنيفاً على النظام التجاري المتعدد، الأمر الذي بدأ يتسبب في أضرار كبيرة للاقتصاد العالمي. وتجد دول المنطقة نفسها مضطرة للموازنة بين علاقاتها مع بكين باعتبارها شريكاً اقتصادياً مهماً، وواشنطن بوصفها حليفاً أمنياً للكثير من دول جنوب شرق آسيا.
ومن الواضح أن إصرار الإدارة الأمريكية على «المرور بالقوة» على حساب الخصوم والحلفاء، جعل مواقف الخصوم أكثر تماسكاً، ودفع الحلفاء في أوروبا إلى إعادة قراءة وتفسير المشهد الدولي بطريقة حاذقة، قادت الاتحاد الأوروبي إلى إبرام اتفاقية لتأسيس منطقة للتبادل الحر مع الهند، كما شجّع بريطانيا على التخلي عن موقفها المتحفظ بشأن تبني سياسة دفاعية أوروبية مستقلة عن واشنطن.
[email protected]
يحيلنا الحديث عن أوروبا إلى الكثير من المعاني والدلالات، لأن المفهوم لا يرتبط فقط بمرجعية جغرافية وتاريخية، بل بتصورات عديدة تشكّل جزءاً من معجمية الحضارة المعاصرة، إذ إن الكثير من المصطلحات التي يجري تداولها في الدول والمجتمعات المعاصرة، نشأت في شكلها الجنيني في أوروبا، وعندما كنا نقسّم في السياسة العالم إلى شرق وغرب، فإننا كنا ننطلق من الجغرافيا الأوروبية، لأن الصين بوصفها عنصراً محدِّداً للشرق الذي نعرفه حالياً، لم تصبح فاعلاً مؤثراً في موازين القوى في العالم، إلا مع مطلع الألفية الثالثة. والآن، وبعد انصرام أكثر من ثلاثة قرون من الهيمنة الأوروبية، بدأنا نشهد ميلاد نظام دولي جديد يتشكل في أقصى الغرب اعتماداً على القوة الأمريكية المهيمنة، وفي أقصى الشرق بفضل القوة الصاعدة للصين.
وتمثل التطورات الراهنة نقطة انعطاف حاسمة بالنسبة للخيارات والأدوار الجيوسياسية لأوروبا، فإمّا أن تتخلص من تبعيتها لواشنطن وتصبح فاعلاً محورياً في المشهد الدولي، وإمّا أن تتخاذل وتستكين وتتحوّل إلى ساحة لصراع النفوذ بين أمريكا والصين. هناك من يعتقد في كل الأحوال، أن عواصم أوروبية، وفي مقدمتها تلك التي هدّد ترامب بفرض رسوم جمركية عليها بسبب رفضها لسياسته الهادفة إلى الاستيلاء على غرينلاند، تسعى إلى إزالة الغبار عن نفسها وإلى استعادة المبادرة السياسية على المستوى الدولي، خاصة أن العواصم المهدّدة بالعقوبات تملك في معظمها إرثاً حضارياً وثقافياً وجيوسياسياً كبيراً لا يمكن لا لبكين ولا لواشنطن تجاهله، كما أن الشعوب الأوروبية تبدي في هذا السياق مقاومة غير مسبوقة في مواجهة غطرسة الإدارة الأمريكية.
وعندما نتحدث عن أوروبا، كما يذهب إلى ذلك أوبير فيدرين، فإننا لا نشير إلى شعب واحد أو إلى «دولة قارة» مثل الصين وأمريكا، بل نتحدث عن شعوب مختلفة أنهكتها حروب تاريخية مدمّرة، لأن المدافعين عن «الدولة الأوروبية الفيدرالية»، لا يشكّلون إلا أقلية مقارنة بالعدد الكبير من السكان، ومن المفارقات أن أصحاب هذا التوجه متّهمون بدعمهم للهيمنة الأمريكية على القارة.
ويقول باسكال أوسور في السياق نفسه، في تحليله للوضع الأوروبي: إن القارة باتت تعيش حالة من التخبط الجيوسياسي يجعلها تنتقل من موقع مركزي إلى موقع هامشي وتواجه هجمات متتالية من الشرق والجنوب وحتى من الغرب في هذه المرحلة المفصلية، وصارت مقتنعة أن زمن الاستكانة وانعدام المسؤولية والنزعة المسالمة، قد ولىّ إلى غير رجعة.
من الواضح أن الولايات المتحدة هي المسؤول الأول خلال سنة 2025 عن التسارع الحلزوني لهذا التحوّل الذي بدأت تتضح ملامحه الأولى مع بداية الألفية الجديدة، والذي عرف ديناميكية غير مسبوقة خلال العقد الأخير، ولم تكن الحرب الروسية في أوكرانيا سوى أحد تجلياته البسيطة، فقد تخلى ترامب عن دور قيادة العالم الليبرالي، الذي اضطلعت به بلاده خلال ثمانية عقود، بسبب اقتناعه أن النظام الدولي القديم لا يمكن إنقاذه، وأنه أصبح مكلفاً بالنسبة للولايات المتحدة. وقد قام ترامب، بناءً على ما تقدم، بالانضمام إلى المشكّكين في النظام الدولي القديم. ويعمل حالياً، إلى جانب المؤمنين بقانون القوة، على تحطيم التوازنات الحساسة التي كانت تميِّز العالم متعدد الأقطاب، والمؤمن بالقانون الدولي وبالقيم الكونية التي كانت تتبناها وتدافع عنها أوروبا منذ عصري النهضة والتنوير.
لقد تبخرت الأوهام الأوروبية، بشأن التحالف التاريخي مع واشنطن، منذ إعلان إدارة ترامب الاستراتيجية الوطنية للأمن الأمريكي. إعلان أفصح من دون لبس عن العقيدة الأمنية الأمريكية الجديدة، التي توضّح من خلالها واشنطن بشكل فج يحمل طابع الابتزاز الاقتصادي، أن على حلفاء بلاده في أوروبا وآسيا أن يدفعوا الأموال إذا أرادوا الحصول على الحماية الأمريكية.
يمكننا أن نقول اعتماداً على معطيات التاريخ والجغرافيتين السياسية والاقتصادية: إن عالم البارحة قد انتهى فعلياً، بيد أن عالم الغد مازال في طور التشكّل، وقد تخطئ واشنطن في رأي الكثير من المراقبين، عندما تعتقد أنه بإمكانها أن تفرض على أوروبا قواعد لعبة لا يمكن لشعوبها التسليم بها.
[email protected]