تطوي الحرب على قطاع غزة عامها الثالث، حاملة في طياتها حسرة مشهد إنساني يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر. ثلاثة أعوام مرت والقطاع المحاصر يرزح تحت ثقل تداعيات ميدانية وسياسية غير مسبوقة، تحوّل معها المأوى إلى مجرد خيام بالية، تُنصب على الشواطئ وفي العراء، وتتحول فيه تفاصيل الحياة اليومية للنازحين إلى معركة مستمرة من أجل البقاء، وسط بيانات تشير إلى تضرر أكثر من 82% من المباني وخسائر بشرية تجاوزت الحدود المتعارف عليها في الأزمات المعاصرة، بأكثر من 74 ألف ضحية وعشرات آلاف المصابين.
لا تكمن القضية اليوم في مجرد جرد أعداد الضحايا وتوثيق حجم الدمار، بل في التساؤل الملّح حول مآلات الأمور وإلى أين تتجه البوصلة، وما يزيد المشهد خطورة، هو الإصرار المعلن من قبل مسؤولين إسرائيليين على فرض واقع ديمغرافي وسياسي جديد، فالتصريحات المتكررة لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس حول خطط «تهجير سكان القطاع»، واعتبار أنه «لا حل واقعياً لغزة من دون هذه الهجرة»، تكشف عن منهجية تهدف إلى تفريغ الأرض من أصحابها.
هذا الخطاب المتشدد، الذي تلتقي فيه تصريحات كاتس مع توجهات وزراء آخرين يدعون إلى إعادة الاستيطان والتهجير القسري، يضع المنطقة أمام استعصاء سياسي وميداني معقد. فالترتيبات الإقليمية والدولية لوقف المقتلة في غزة، تصطدم بواقع مأزوم يفقد فيه السكان قدرتهم على التكيف مع استمرار الضغط الإسرائيلي، وتوسع الأزمات المعيشية والصحية، وتوقف العملية التعليمية، وغياب أي أفق اقتصادي أو أمني شامل.
واقع القطاع يبيّن أن الخيار العسكري وتلويحات التهجير لن تنتج سوى دوامة مغلقة من الفقد والنزوح، كما أن هذه الخيارات تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي بأكمله، وفي المقابل، فإن المراهنة على الحلول المؤقتة، أو الاكتفاء بإدارة الأزمة عبر معابر مسدودة وتدفق جزئي للمساعدات رغم أهميتها الكبيرة، لا يشكل حلاً نهائياً لواقع متفجر، ولا يمنح ملايين السكان الإجابة الشافية عن مستقبل أبنائهم وعودة الحياة إلى طبيعتها.
تتجه التقديرات إلى أن الاستمرار في هذه الحالة من «لا حرب ولا سلم»، بالتوازي مع الإصرار على أطروحات التهجير والتفجير الديمغرافي، يدفع المنطقة نحو مزيد من الغموض والتصعيد، فالأزمة لم تعد حصراً على جغرافية غزة الضيقة، بل باتت تلقي بظلالها على أمن واستقرار الإقليم ككل، لذا فإن المرحلة الحالية تتطلب الضغط على إسرائيل للتخلي عن الرؤى الصفرية والحلول القسرية، والبحث عن مخرج يبدأ من ضمان حماية السكان، وفتح آفاق جادة لإعادة الإعمار.
ما جرى خلال السنوات الثلاث الماضية، يثبت أن استمرار الوضع على ما هو عليه أمر غير قابل للاستدامة. فالاستقرار الحقيقي لن يتحقق عبر إفراغ الأرض أو تكريس المعاناة، بل عبر مقاربة تضع حداً لهذه الخسارات المتراكمة، وتمنح القطاع المنهك فرصاً حقيقية لالتقاط الأنفاس، وبناء مستقبل أكثر أماناً لمن تبقى منهم.
