تتسارع وتيرة المخاوف من قرب اندلاع حرب كبرى بين روسيا وحلف الناتو، وفي هذا الصدد قال نائب وزير الخارجية الروسي: «إن الحديث يزداد في العواصم الأوروبية عن الخطر الوشيك لحرب طاحنة مع روسيا، وما يترتب على ذلك من عواقب كارثية محتملة».
ومنذ وقوع الحرب في أوكرانيا، بدأت مرحلة جديدة في العلاقة بين روسيا والغرب، فقد اتجه الجانبان نحو التباعد والانغلاق، بعد مرحلة شهدت انفتاحاً وتقارباً؛ حيث تم ضم روسيا إلى مجموعة السبع، وكان يُنظر إليها كشريك اقتصادي للغرب، وبناء على ذلك، تمت إقامة مشاريع اقتصادية كبرى بينها وبين دول أوروبا، لا سيما في مجال الطاقة، حيث تم مد خطوط أنابيب لنقل الغاز الروسي عبر بحر البلطيق والبحر الأسود، ووفق بيانات المفوضية الأوروبية، فقد وفرت روسيا في عام 2021، نحو 45 % من إجمالي واردات الغاز الطبيعي ونحو 40 % من إجمالي الغاز المستهلك في دول الاتحاد الأوروبي.
وقد بلغ حجم الإمدادات الروسية لتلك الدول وقتها نحو 155 مليار متر مكعب. ولم تلبث تلك الأرقام المرتفعة أن تناقصت بعد إجراءات التباعد، وفرض العقوبات المتبادلة، حتى أصبحت روسيا تمثل حالياً نحو 15%، من إجمالي واردات الغاز إلى الاتحاد الأوروبي، لتحتل المركز الثالث كأكبر مورد للغاز الأوروبي، بعد الولايات المتحدة والنرويج.
وتعمل دول الاتحاد الأوروبي على محاصرة روسيا، بعد فرض عقوبات أمريكية وأوروبية، ومنع تصدير نفطها المستخرج من شبه جزيرة يامال المحاذية للقطب الشمالي، عبر بحر البلطيق الذي تتشاركه مع تلك الدول. وقد شهدت هذه المنطقة، بالفعل، حوادث عدّة بين قوات الناتو والقوات الروسية، وأحد العوامل الرئيسية وراء الحوادث في هذه المنطقة هي العقوبات الاقتصادية المفروضة على صادرات النفط الروسية. وتشمل هذه العقوبات، التي فرضها الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول السبع وأستراليا معاً، غرامات على شركات التأمين لتأمينها شحنات تتجاوز الحد السعري المحدد للنفط الروسي.
ورداً على ذلك، بدأت روسيا بتصدير النفط عبر أسطول غير رسمي من ناقلات النفط التي تبحر من دون علم، أو تمارس ما يُعرف بـ«التنقل بين أعلام الدول». ومؤخراً، احتجزت السلطات الفنلندية ناقلة النفط «إيجل إس» للاشتباه في إتلافها كابلات بحرية تربط فنلندا بإستونيا، وقامت دول أخرى فــي الحلف باحتجاز ناقلات مماثلة استناداً إلى مشاكل تتعلق بتسجيل العلم، أو التأمين. وقد وصفت روسيا هذه الأعمال بالقرصنة، وقامت بتوفير حماية عسكرية للسفن عبر مرافقة بحرية ودعم جوي. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية عن إجراء تدريبات، الشهر الماضي، على استخدام القــوات النووية «في ظل التهديد بالعدوان»، بمشاركة قوات الصواريخ الاستراتيجية، والطيـــــران بعيـــــد المـــدى، والبحرية. وقالت الوزارة في بيان لها: «من المخطط تنفيذ إجراءات لوضع القوات النووية في حالة الجاهزية لتنفيذ مهامها، إضافة إلى إجراء عمليات إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة في ميادين الاختبار داخل أراضي روسيا».
وكان وزير خارجية ليتوانيا كيستوتيس بودريس قد دعا حلف الناتو إلى مهاجمة كالينينغراد، وهذه المنطقة منفصلة عن الأرض الروسية، ومحاطة بدول أعضاء في حلف الناتو، ما يجعلها محوراً حساساً في المعادلات الأمنية الأوروبية، وكانت في الماضي جزءاً من ألمانيا، وقد أعطاها الحلفاء للاتحاد السوفييتي في إطار ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وتقوم دول البلطيق ليتوانيا، واستونيا، ولاتفيا، إضافة إلى بولندا، بتعزيز وجودها العسكري في بحر البلطيق، بالتنسيق مع حلف الناتو، في إطار ما يتم وصفه بـ«الردع الدفاعي» تحت ذريعة «التهديدات الروسية»، وبينما تنفي روسيا مراراً أي نوايا عدوانية لديها لمهاجمة أعضاء الحلف الأطلسي. لكن استعداداتها العسكرية تشير إلى أن الحرب مع حلف الناتو قد تقع في أي لحظة. لكن هذه الدول، في معظمها، لا تملك المقدرة على تعويض ما خسرته من مال وسلاح خلال الحرب الأوكرانية، وفي الوقت عينه، تتوقع دول الحلف أن تقوم روسيا بالهجوم عليها بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا، وفي هذا الخصوص فقد أفادت المخابرات العسكرية الهولندية بأن روسيا قد تكون مستعدة لبدء صراع إقليمي مع حلف الناتو في غضون عام من انتهاء العمليات القتالية في أوكرانيا، بهدف إحداث انقسام سياسي داخل الحلف. وقال مدير جهاز المخابرات الداخلية الهولندي: «تشكل روسيا التهديد الأكبر والأكثر مباشرة للسلام والاستقرار في أوروبا، وبالتالي لأمننا القومي ومصالحنا».
ومن دون شك، فإن الحرب من المرجح أن تقع بين روسيا وحلف الناتو، خاصة إذا انهارت أوكرانيا، وانفتحت أبواب أوروبا أمام الجيش الروسي، وعند ذلك ستجد دول الاتحاد الأوروبي نفسها مضطرة لحشد الجيوش لمواجهة الخطر الروسي الذي أصبح على أبوابها، فمن المؤكد أن روسيا لن تتوقف حتى تقيم ترتيبات أمنية مناسبة لها في أوروبا، وقد تعيد الحزام الأمني الذي أقامه الاتحاد السوفييتي السابق حول أراضيه في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وطبعاً، لن يتم ذلك إلا بعد حدوث محرقة كبرى في أوروبا.
