عند الحديث عن قوة الدول يتبادر الى الذهن القوات المسلحة. هذا منطقي، حيث إنه في كل الأوقات كانت وسائل الصراع تعتمد على القوة العسكرية. ويبدو أن ذلك يرجع إلى أن القوة العسكرية هي الصورة الأوضح للقوة، وكذا أن التاريخ يتضمن الكثير من الأمثلة على الدول التي استطاعت تحقيق مكانتها بفضل قواها العسكرية، والقدرة على الردع والحرب.
لكن، هل الجيش وحده يصنع قوة الدولة؟ التاريخ نفسه يقول غير ذلك. الجيوش تحتاج إلى اقتصاد يموّلها، وصناعة توفر احتياجاتها، ومؤسسات تديرها، وأشخاص يمتلكون المعرفة والخبرة. والدولة التي تدخل حرباً طويلة لا تختبر سلاحها فقط، وإنما تختبر قدرتها على الإنتاج، والتموين، والتحمّل، والاستمرار. لذلك لم تكن القوة العسكرية في أي وقت منفصلة تماماً عن بقية عناصر قوة الدولة.
ما تغيّر في السنوات الأخيرة هو أن هذه الحقيقة أصبحت أكثر وضوحاً. العالم لم يعُد يتحرك في مسارات منفصلة كما كان من قبل. أزمة في الطاقة يمكن أن تتحول إلى أزمة اقتصادية، وتعطل في سلاسل الإمداد قد يؤثر في الصناعة، وتكنولوجيا متقدمة قد تمنح دولة ميزة على منافسيها.
من هنا اتسعت صورة القوة. ولم يعُد الحديث عن الجيش والاقتصاد فقط، بل عن الصناعة، والإنسان، والمعرفة، والتكنولوجيا، والمؤسسات، والدبلوماسية، والقدرة على التأثير، إضافة إلى الموارد والموقع الجغرافي. لكن المهم ليس عدد هذه العناصر، ولا أيها يأتي أولاً في القائمة.
قد تملك دولة ثروة كبيرة ولا تملك القدرة على تحويلها إلى اقتصاد منتج. وقد تمتلك دولة معرفة جيدة لكنها لا تجد البيئة التي تحولها إلى صناعة، أو تكنولوجيا. وقد تتوافر لديها إمكانات كثيرة، لكن ضعف الإدارة يجعل الاستفادة منها أقل مما ينبغي. لذلك، فالقوة لا تبدأ وتنتهي عند حجم ما تملكه الدولة.
لا تحتاج الدولة إلى أن تكون الأفضل في كل شيء، فهذا غير ممكن. لكنها تحتاج إلى ألّا يكون ضعفها في مجال واحد سبباً في إضعاف بقية المجالات. وهذه مسألة أصبحت أكثر أهمية مع تعقد المنافسة بين الدول. الاعتماد الكبير على الغير في قطاع حيوي، قد يبدو أمراً عادياً في الأوقات المستقرة، لكنه قد يصبح نقطة ضعف في لحظة أزمة.
لهذا أصبح الحديث عن الصمود جزءاً من الحديث عن القوة. الدولة القوية ليست التي تستطيع أن تتحرك عندما تكون الظروف في مصلحتها فقط، وإنما التي تستطيع أن تستمر عندما تتغيّر الظروف.
الجيش نفسه تغيّر، لم تعُد قوته تقاس بالسلاح الذي يحمله فقط، وإنما بما يقف خلف السلاح. الطائرة تحتاج إلى صناعة، وصيانة، وتكنولوجيا، والمنظومات العسكرية الحديثة تحتاج إلى بيانات، واتصالات، وأقمار صناعية، والقدرة على خوض مواجهة طويلة تحتاج إلى اقتصاد يستطيع تحمّل تكلفتها.
ولذلك، نرى المنافسة بين الدول الكبرى تنتقل إلى مجالات لم تكن تُعامل سابقاً بالطريقة نفسها. أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والطاقة، وسلاسل الإمداد أصبحت جزءاً من المنافسة الاستراتيجية. ليس لأنها حلت محل حاملات الطائرات، وإنما لأنها أصبحت مرتبطة بالقدرة على امتلاكها، وتشغيلها، والاستمرار في استخدامها. لذلك، فإن الحديث عن تغيّر مفهوم القوة يجب ألا يقودنا إلى فكرة أن القوة التقليدية انتهت. هذا غير صحيح. الردع لا يزال قائماً، والجيوش لا تزال في صلب حسابات الدول، وما زالت الدول تنفق مليارات الدولارات لتطوير قدراتها العسكرية. كما أنه لا ينبغي أن يجعلنا نتجاهل العناصر الأخرى التي أصبحت جزءاً أساسياً من القوة.
القوة الصلبة باقية، لكنها لم تعُد تقف وحدها، وربما هذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها. فالمسألة ليست أن نقرر أي عناصر القوة أهم، وإنما أن نفهم أن قيمة كل عنصر تتضاعف عندما يجد ما يسنده. القوة العسكرية تكون أكثر فاعلية عندما تستند إلى اقتصاد وصناعة وتكنولوجيا، وإنسان قادر على تطويرها. والاقتصاد يصبح أكثر قوة عندما يكون وراءه إنتاج ومعرفة ومؤسسات جيدة. وحتى التأثير الخارجي، يحتاج إلى إنجاز وتجربة حقيقية يستطيع الآخرون رؤيتها وفهمها.
ولهذا، قد لا تكون الدولة الأقوى هي التي تملك أكبر جيش، أو أكبر اقتصاد، أو أحدث تكنولوجيا. ربما تكون الدولة الأقوى هي التي تملك هذه الأدوات، وتعرف كيف تجعل ما لديها يعمل معاً، وكيف تستخدم كل أداة في الوقت الذي تكون فيه أكثر فاعلية. القوة ليست في امتلاك الأدوات فقط، القوة في القدرة على استخدامها. ولعل هذا هو التغير الحقيقي في مفهوم القوة. لم تختفِ القوة القديمة، ولم تأتِ قوة جديدة لتحل محلها. الذي تغيّر هو عدد الأدوات التي أصبحت الدولة تحتاج إليها، وطريقة استخدامها.
وهنا يظهر الاختبار الحقيقي، عندما تتغيّر الظروف، وتضيق الخيارات، هل تستطيع الدولة أن تحمي مصالحها وتواصل طريقها؟ عندها فقط نعرف حجم القوة التي تملكها فعلاً. وهذا هو الاختبار الحقيقي للدول في القرن الحادي والعشرين.
