لا يجب التقليل من شأن الطائرات المسيّرة بسبب أحجامها الصغيرة وكلفتها المنخفضة، فقد أثبتت التجارب مؤخراً أنها قد تدفع الدول لاستخدام أنظمة أسلحة مكلفة وعالية التكنولوجيا، وزيادة مستويات الإنذار والحماية في المنشآت المهمة. كما يمكن للمسيّرة أن تنجح جزئياً في تحقيق غايتها حتى بدون إصابة هدفها، إذا تمكنت من رفع حالة الاستعداد أو إثارة القلق أو فرض كلفة إضافية على الطرف المستهدف.
وتزداد خطورة هذا السلاح في ظل التنافس بين إيران وخصومها، واتساع دور الجماعات المسلحة المرتبطة بها في معادلات الردع الإقليمي.
فالسؤال الأهم ليس كم مسيّرة يمكن اعتراضها، وإنما كيف يمكن منعها من تحقيق الغرض الذي أُطلقت من أجله؟
لا يعني ذلك أن دول الخليج تفتقر إلى القدرات الدفاعية، فهي تمتلك منظومات متقدمة ومتعددة الطبقات، استثمرت في بنائها على مدى سنوات. لكن طبيعة التهديد تغيرت، وأصبح ما يمثل التحدي اليوم هو كيفية زيادة قدرات هذه المنظومات على مواجهة أعداد كبيرة من المسيّرات الرخيصة والتي قد تظهر على شكل موجات أو هجمات متزامنة من دون أن تتحول عملية المواجهة إلى استنزاف.
من هنا لايبدو أن الحاجة تكمن في بناء دفاعات جديدة بقدر ما تكمن في تطوير المنظومات القائمة وتكامل عمل الرادارات وأجهزة الاستشعار ومراكز القيادة والسيطرة،
كما أن هناك حاجة لتنويع خيارات الاعتراض بطريقة تسمح باستخدام طرق أقل كلفة، من خلال الاعتماد على تقنيات حديثة مثل المسيرات الاعتراضية، والتشويش الإلكتروني بالإضافة إلى استخدام الليزر عالي الطاقة، وكذلك أنظمة الميكروويف عالية القدرة والتي توفر فرصة لمواجهة مجموعات من المسيّرات في وقتٍ واحد. ومع ذلك فإن استخدام هذه التقنيات يعتمد على ملاءمتها للظروف المناخية في الخليج.
ولا يقتصر التصدي للمسيّرات على اعتراضها، بل يتطلب توافر معلومات استخباراتية تحدد مخازنها ومواقع تجهيزها ومصادر إطلاقها، بما يساعد على تحييدها والحد من الهجمات قبل وقوعها، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها. وهنا تبرز أهمية التعاون الخليجي، فتبادل المعلومات والخبرات، وتعزيز الإنذار المبكر، والتنسيق، كلها أمور تساعد على رفع كفاءة الدفاعات القائمة وتقليل كلفة تشغيلها. فالمطلوب ليس زيادة الترسانة العسكرية، وإنما جعل القدرات الموجودة أكثر فاعلية وأقل عرضة للتهديد.
وثمة جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في توطين الصناعات المرتبطة بهذا المجال، من خلال التوسع في تصنيع المسيّرات وتطوير وسائل رصدها والتصدي لها، إلى جانب بناء الخبرات المحلية في البرمجيات، وتحليل البيانات، والصيانة، والتشغيل. وأن تمتلك دول الخليج قاعدة صناعية وتقنية تقلل الاعتماد على الخارج، وتمنحها مرونة أكبر في تطوير وتحديث قدراتها.
مهما بلغت كفاءة المنظومات الدفاعية، فإن حماية الأجواء وحدها لن تكون كافية، فمسيّرة لا تنجح في إصابة الهدف يمكن أن تفرض تدابير وإجراءات وقائية أو شكوكاً بشأن سلامة وأمن هذه المنشآت.
لبقاء الاقتصاد آمناً يجب أن تستمر محطات الطاقة والمطارات والموانئ في العمل مع وجود خطط عمل لإدارة المواقف الطارئة وتقليل الخسائر واستعادة الوضع الطبيعي، فنجاح الهجوم قد لا يكون بالضرورة قائماً على التدمير، بل قد يعتمد أحياناً على ما يعطله ومستوى الإرباك وعدم الأمان الذي يخلقه.
وفي المقابل، لا يمكن فصل الجانب الدفاعي عن الموقف السياسي. فحماية المصالح الخليجية تتطلب موقفاً واضحاً من الاعتداءات، وإجراءات تحد من تكرارها، إلى جانب تحرك دبلوماسي يحول دون اتساع المواجهة متى أمكن ذلك.
في النهاية، لا توجد منظومة دفاعية تضمن منع كل هجوم، لكن هناك فرقاً بين دولة تتعطل أعمالها كلما تعرضت منشأة فيها للتهديد، ودولة تستطيع احتواء الخطر وتقليل الأضرار ومواصلة خدماتها. وهذا هو الاختبار الحقيقي لجاهزية دول الخليج، ليس عدد المنظومات التي تمتلكها، بل قدرتها على حماية منشآتها واقتصاداتها من دون استنزاف مواردها أو تعطيل مصالحها.
فالمسيّرة الرخيصة لا تكمن خطورتها في ثمنها، بل فيما تستطيع تعطيله، وفي الكلفة التي تفرضها على من يتصدى لها. وإذا نجحت دول الخليج في تعزيز دفاعاتها القائمة، وتنويع وسائل الاعتراض، ورفع قدرة منشآتها على مواصلة العمل، فإنها تكون قد أضعفت أهم ورقة يراهن عليها مطلقو هذا السلاح (تحويل فارق الكلفة إلى وسيلة للضغط والاستنزاف).
