الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إنقاذ الخليج من الخليجيين!

11 أكتوبر 2026 00:13 صباحًا | آخر تحديث: 11 أكتوبر 00:14 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
ليست أخطر لحظات الخلاف حين تختلف الحكومات، بل حين يتعامل الناس مع خلاف الحكومات كأنه خصومة بينهم.. عندها تتجاوز المسألة حدود السياسة والمصالح، وتدخل البيوت ومجالس الأصدقاء وشاشات الهواتف، فيصبح كل تعليق اختباراً للولاء، وكل خطأ فرصة للشماتة، وكل دفاع عن الوطن مبرراً للهجوم على وطن آخر.
التباينات بين دول الخليج ليست جديدة، وليس مطلوباً من العواصم أن تتفق على كل شيء.. فلكل دولة حساباتها ومصالحها وأولوياتها، ومن الطبيعي أن تختلف التقديرات.. لكن شيئاً تغيّر في طريقة ظهور الخلافات: لم تعد محصورة في السياسة ودوائرها المعروفة، بل صارت حاضرة في فضاء عام ترفع فيه المنصات الرقمية الصوت الأكثر حدة، وتمنح الاستفزاز انتشاراً أسرع من الحجة.
وأعتقد، بل أكاد أجزم، أن أغلب أبناء الخليج لا يرتاحون إلى هذا التحول. لا أستند هنا إلى استطلاع يجيز لي وضع رقم على هذا الشعور، بل إلى ما يظهر في أحاديث الناس وتعليقاتهم: كثيرون لا يريدون أن تتحول العلاقة بين شعوب الخليج إلى مناكفة يومية وتسجيل للنقاط، ولا أن يصبح الدفاع عن الدولة التي ينتمون إليها مرادفاً للإساءة إلى دولة شقيقة.. ويعرف الخليجيون أن ما يجمعهم أوسع من خلاف عابر، وأن ما يصيب أي بلد في المنطقة لا يقف دائماً عند حدوده.. وفي هذه الخلافات الخليجية الخليجية لا يوجد رابح، فالكل خاسر.
من أكثر مظاهر هذا التحول إرباكاً أن بعض الأصوات لم تعد تكتفي بالدفاع عن موقف بلدها، بل تفعل ذلك عبر الإساءة إلى البلد الآخر، أو التشكيك في نياته، أو الانتقاص من مجتمعه وقيادته ورموزه، كأن الولاء لا يكتمل إلا بخصومة.. هذا سلوك لم يكن مألوفاً بهذا الوضوح في الماضي.. فقد اختلف الخليجيون وتباينت السياسات، لكن الإساءة المتبادلة لم تكن تبدو جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.
المنصات الرقمية لا تقدم صورة كاملة عن المجتمعات، فقد تمنح أقلية صاخبة حجماً أكبر مما تستحق، وتجعل تكرار العبارة المسيئة يبدو كأنه رأي عام.. لكن أثرها ليس عابراً.. فالكلام حين يتكرر يصنع اعتياداً، والاعتياد يخفض عتبة الإساءة.. وحين تصبح الإساءة إلى القيادات والرموز الخليجية مشهداً مألوفاً، من دون موقف واضح يفرق بين النقد السياسي المشروع والتحريض والإهانة، يترسخ لدى الناس أن كل شيء مباح ما دام موجهاً إلى الطرف الآخر.
قد يقول البعض إن هذه الظاهرة ليست خليجية، وإن مجتمعات أخرى تمارس الغضب السياسي والقومي. وقد شهدت مناطق عديدة نزاعات بين جيران وشركاء، امتدت إلى المنصات في صورة حملات قومية ومقاطعات وسجالات حادة.. قد يكون هذا صحيحاً، لكن وجود أمثلة مشابهة لا يجعل ما يحدث حولنا طبيعياً أو مقبولاً، بل يذكرنا بأن الخلاف حين يتحول إلى معركة شعبية يصبح أصعب احتواءً، وأطول عمراً من أسبابه السياسية الأولى.
الأقرب إلينا تاريخياً ما جرى في الأزمة الخليجية عام 2017، حين قُطعت العلاقات مع قطر وأُغلقت الحدود والمجالات أمامها.. لم تقتصر الأزمة على الإجراءات الرسمية، فقد تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة للصراع، وانطلقت حملات وحسابات آلية، وتضخم خطاب معادٍ لطرفي الخلاف.. لكنها قدمت درساً واضحاً: حين تدخل الخلافات السياسية إلى المنصات والشارع، لا تبقى تحت سيطرة أصحاب القرار، وقد تتحول إلى روايات عن الخيانة والتهديد والعداء يصعب محوها بعد انتهاء الأزمة.
في الخليج، كما في أي مكان في العالم، مناقشة القضايا والدفاع عن المصالح الوطنية واجب.. لكن هناك فرقاً بين أن تنتقد قراراً وأن تجعل شعباً بأكمله هدفاً للإهانة، وبين أن تدافع عن موقف بلدك وأن تتمنى الضرر لبلد آخر.. وحين تختلط هذه الحدود، لا يعود النقاش نقاشاً في المصالح، بل يصبح تعبئة للعداء.
لا ينبغي إغفال أن التحديات الخارجية لا تنتظر حتى ينتهي الخليجيون من خلافاتهم.. أمن المنطقة والاقتصاد وطرق التجارة والاستقرار ملفات تتطلب تعاوناً، حتى عندما تختلف الحكومات في أولوياتها أو قراءاتها.. لذلك تبدو الشماتة حين يتعرض بلد خليجي لضغط أو خطر تصرفاً لا يليق بأخلاقنا وطباعنا، فضلاً عن أنه ليس في مصلحة أي طرف.. فما يصيب جاراً اليوم قد يفتح باباً يصعب إغلاقه غداً.
إنقاذ الخليج من الخليجيين يعني إنقاذه من خطاب يصنعه بعض أبنائه، ومن منافسة تجعل الإساءة إلى الآخر برهاناً على حب الوطن.. وعلى المؤسسات أن توضح موقفها حين تُستهدف الكرامة الوطنية أو تُحرَّض الشعوب بعضها على بعض، وعلى الإعلاميين والمؤثرين والمواطنين أن يدركوا أن الكلمة التي تجمع التفاعل وتصبح «ترند» قد تترك جرحاً أعمق مما يتصورون.. وعلى كل واحد منا أن يسأل نفسه قبل أن يكتب: هل أدافع عن بلدي، أم أضيف إساءة جديدة إلى علاقة نحتاج إليها جميعاً؟
لقد كان الخليجيون يرون في بعضهم سنداً وأمناً، لا لأنهم متطابقون، بل لأن بينهم تاريخاً وجغرافيا ومصالح ونسباً ودماً تتجاوز خلاف اليوم.. ولا يكفي أن نستعيد هذه العبارة في المناسبات، علينا أن نحمي معناها في طريقة حديثنا عن بعضنا، وفي رفضنا التشفي والتحريض، وفي إصرارنا على أن يبقى الخلاف سياسياً ما أمكن، لا خصومة بين الشعوب.
أخيراً، يستطيع الخليج أن يختلف، وهذا طبيعي، لكنه لا يستطيع أن يستهين بما يفعله الاختلاف حين يتحول إلى كراهية.. وأخطر ما قد أراه اليوم ليس أن يختلف الخليجيون، بل أن يعتادوا الإساءة إلى بعضهم حتى لا تعود تزعجهم!
* كاتب صحفي
X: @MEalhammadi

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة