الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التعايش مع الحرب!

12 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 12 أكتوبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
السؤال الذي قد لا يخطر على بال الإنسان هو: هل يمكن التعايش مع الحرب؟
هل يمكن التعايش مع أصوات الرصاص والقتل والجنازات وتدمير البيوت وتعطيل المدارس وتهديد المستشفيات والبيئة والصحة، كأن نسأل: هل يمكن للإنسان أن يعيش متوتراً قلقاً بلا نوم ولا راحة ولا استرخاء؟ هل يمكن التعايش مع الاستقرار والنزوح والخوف واللا أمان؟
ستكون الإجابة الطبيعية أنه من الصعب جداً التعايش مع الحرب والدماء والفقد، لكن بعض الدراسات الاجتماعية والنفسية تقول إن الإنسان لا يتعايش مع الحرب بالمعنى الصحي أو الطبيعي، بل يتكيّف غصباً عنه، إذ مع مرور الزمن يعتاد أصوات القصف، وانقطاع الخدمات، والخوف اليومي، ويستمر الناس في العمل وتربية الأطفال والبحث عن لحظات فرح، ويصفون هذه القدرة بأنها نفسية تساعد على البقاء، وغالباً ما يحمل هذا التعايش ثمناً باهظاً غير منظور في أحايين كثيرة مثل: تطبيع الخوف حتى يصبح جزءاً من الحياة، والإرهاق النفسي المزمن والقلق المستمر، ويحدث تغيير في القيم، إضافة إلى شعور مستمر بعدم اليقين بشأن المستقبل.
ورغم كل هذا، يستطيع الإنسان وضع خطوات في حياته ليواجه حالة الخوف والذعر والقلق، فعلى سبيل المثال، لجأ الناس الذين اضطروا للتعايش مع الحرب، ليس بقبول الحرب وإنما بحماية أنفسهم وحياتهم قدر الإمكان، وقد لجأ هؤلاء إلى الحفاظ على الروتين اليومي، والاستمرار في العمل أو الدراسة إن أمكن، وتخصيص وقت للقراءة أو ممارسة الهوايات، ومتابعة الأخبار ضمن خطة مدروسة، ومتابعة المستجدات من مصادر موثوقة وفي أوقات محددة، وتجنب الغرق المستمر في الأخبار والصور الصادمة.
وفي الجانب الاجتماعي يُنصح بتقوية الروابط الاجتماعية، كالتواصل مع العائلة والأصدقاء، وطلب المساعدة عند الحاجة وعدم مواجهة الخوف وحيدين، كما يجب تنظيم الأمور المالية والمعيشية، واتخاذ الاحتياطات الواقعية من دون خوف أو هلع. ويُنصح أيضاً بالتمسك بالقيم الشخصية والدينية أو الإنسانية، ومواصلة التفكير في المشاريع حتى لو كانت صغيرة، وتذكير النفس بأن الحرب مرحلة وليست هوية دائمة للحياة. ومن ناحية أخرى، لا بد من الاعتناء بالصحة النفسية، والتعبير عن المشاعر بالحديث أو الكتابة، وعدم اعتبار الخوف أو الحزن ضعفاً.
ولو أردنا النظر إلى المسألة من منظور نفسي فلسفي لا بد من الاقتناع بأن التعايش مع الحرب ليس أن يتوقف الإنسان عن الخوف، بل يرفض أن يجعل الخوف مركز حياته، كأن يعيش بحذر، ولا يتخلى عن إنسانيته ولا عن قدرته على الحب والأمل والإبداع.
وهناك أمثلة بارزة لمجتمعات ودول اضطرت إلى تطوير أشكال من التعايش مع الحروب أو التهديدات الأمنية المستمرة، ففي لبنان مثلاً، وخلال الحرب الأهلية (1975-1990)، استمرت المدارس والجامعات والصحف والأسواق في العمل بدرجات متفاوتة رغم القتال. ونشأت ثقافة يومية للتكيف مع الانقسام والخطر، وأصبح الانتقال بين مناطق النفوذ جزءاً من الحياة اليومية.
وفي أوكرانيا، تقول بعض التقارير إنه منذ اندلاع الحرب واتساع نطاقها في عام 2022، استمرت قطاعات كبيرة من المجتمع في العمل، وانتقلت بعض المؤسسات إلى أنماط تشغيل مرنة، بينما تكيف المواطنون مع الإنذارات والغارات المتكررة.
أما خلال الحرب في البوسنة والهرسك في التسعينيات، فبرزت أشكال مدهشة من المقاومة المدنية والثقافية، بحيث استمرت الأنشطة الفنية والتعليمية حتى أثناء حصار سراييفو. وفي العراق، الذي عانى عقوداً من الحروب والعقوبات والاضطرابات الأمنية، طورت شرائح واسعة من المجتمع استراتيجيات للتكيف مع عدم الاستقرار، مع استمرار الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي سوريا، ومنذ عام 2011، نشأت في بعض المناطق أنماط حياة تتكيف مع واقع الحرب الطويلة، بما في ذلك التعليم البديل، والعمل عن بعد، وشبكات التضامن المحلي.
وفي أفغانستان، عاشت أجيال كاملة في ظل النزاعات المسلحة، وأصبح التكيف مع التغيرات الأمنية المتكررة جزءاً من الخبرة الاجتماعية اليومية لكثير من السكان.
والدول المذكورة عايشت الحرب سنوات طويلة، وانتهت لكن مفاعيلها لا يزال صداها يتردد. لقد قرأت ما سبق في تقارير، ومن المؤسف أنها لم تذكر التعايش مع الحرب في فلسطين، أو على الأقل في الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ على الرغم من وجود الاحتلال فإن الفلسطينيين يديرون حياتهم بشكل إبداعي في المجالات المؤسسية والزراعية والفنية والاجتماعية، ويبدو أنهم يصممون حياتهم وفق هذا الواقع الصعب.
وبالعودة إلى أنماط التعايش نجد أكثر من نموذج، منها نموذج الصمود المؤسسي، أي استمرار الدولة في تقديم الخدمات، ونموذج التضامن المجتمعي، والتطبيع مع الخطر، وذلك حين يصبح الخطر جزءاً من الحياة اليومية إلى درجة اعتياده. ويعتقد الدارسون أن النموذج اللبناني يجمع النماذج الثلاثة معاً: الصمود والتضامن والتطبيع مع حالة عدم اليقين. وهذا ما جعل بعض الأدباء اللبنانيين يكتبون عن الحرب لا بوصفها حدثاً استثنائياً، بل بوصفها شرطاً من شروط الحياة التي يحاول الإنسان أن يحافظ داخلها على المعنى والكرامة.
وفي كل الحالات، يجب على الإنسان ألا يستسلم لحالة الحرب، ولا يقنع نفسه بأنها أسلوب حياة، بل عليه أن يحاربها بكل أشكال المواجهة، كي لا تصبح الحرب عادة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة