تسنى لي خلال عطلة عيد الأضحى المبارك زيارة أكثر من مدينة في دولتنا الحبيبة، وكان من الطبيعي زيارة مراكز التسوّق التي لم تعد مكاناً للتبضّع وشراء المستلزمات، بل مكاناً ثقافياً وترفيهياً، وواحة لإظهار المشاعر الاجتماعية والوطنية النبيلة. وسرّني أن أرى تلك الأمكنة مزدحمة بأبناء وطني على وجه الخصوص وأبناء الجاليات المقيمة في دولتنا الحبيبة الإمارات العربية المتحدة، وحين نفاضل فإن المعنى الذي نقصده لن يكون إلا إيجابياً، إذ سررت لوجود الأعداد الغفيرة من الإماراتيين، ولهم ما يميزهم رجالاً ونساءً، وهو مشهد بالنسبة لكاتب له معانٍ كبيرة، خاصة ونحن ما زلنا نمر في مرحلة التعافي والعودة بسرعة إلى الحياة الطبيعية. وهذا الإحساس أول ما انتابني وأنا أشاهد المجموعات الكبيرة تقصد أماكن التسوّق، وهذا دليل واضح على أننا قطعنا مشواراً كبيراً في مرحلة التعافي.
ولو قارنّا الشعب بالفرد العادي الطبيعي الذي تعافى بسرعة من وعكة ألمّت به، لقلنا إن هذا الفرد يتميز ببنية قوية ومناعة جبارة مكّنته من التعافي السريع، وكذلك الشعب، لديه هذه البنية وتلك المناعة القويّة التي جعلته يتعافى بسرعة. لكن بنية ومناعة الشعب تختلف عن مناعة وبنية الأفراد، خاصة في (الوعكات) السياسية، فالمناعة الجماعية هي ممارسة قصوى للولاء والانتماء، والإيمان بحكمة القيادة في إدارة الأزمات، وترجمة كبرى للأفكار الكبرى أيضاً، ومنها فكرة الاتحاد التي تترسخ يوماً بعد يوم، وتظهر قوتها ونضارتها في الأزمات، وقد حدث التعافي السريع نتيجة القناعة الكبيرة بالمبادئ الأصيلة التي قامت عليها فكرة الاتحاد، وكانت الأزمة اختباراً دقيقاً لها.
ماذا يعني وجود آلاف من الأسر في مراكز التسوق، ومثلها في المنتجعات ومراكز الترفيه المحلية؟ إنها تعني بكل بساطة أن الناس اختاروا البقاء في البلاد على السفر إلى الخارج، ليس لأي سبب سلبي، وإنما للتأكيد على عمق الترابط وقوة الوشائج التي تصل بين الشعب والوطن. واختيار البقاء هذا، قناعةُ كبار وصغار، نساء ورجال، ما يدل على إجماع وطني شامل، وإن لم يكن مخططاً له مسبقاً، وإنما الفطرة تسبق الفكرة أحياناً، والتعلّق الفطري يسبق التعلّق الأيديولوجي والشعارات، فكان المشهد ترجمة حقيقية، ونتيجة امتحان مذهلة للمبدأ والفكرة والشعار.
صحيح أن الإدارة العبقرية للأزمة جعلت كل من يقيم في الإمارات آمناً مطمئناً، لكن المشهد ما بعد التعافي أكّد سلامة التوجّه والإدارة، وكأن الناس انتهزوا عطلة العيد ليثبتوا أن الإمارات العربية المتحدة قوية، واقتصادها متين، وتآزرها الاجتماعي أقوى مما كان، وسيزداد قوة في الأيام القادمة.
ولو وسّعنا المشهد أكثر فسنجد أن الأسطول الجوي الإماراتي بكل شركاته، عاد للعمل في كل الوجهات، وفي كل الاتجاهات، وعاد (الضجيج) إلى المطارات أجمل مما كان، وهذا يعني أن الإمارات فتحت أذرعها من جديد لتحتضن العالم، وتستقبله على أرضها، ونقلت سفراءها من جديد إلى العالم، ولا نعني هنا الدبلوماسيين، ولكن، كما اعتاد الإماراتي أن يكون دائماً، سفيراً لبلاده، في حلّه وترحاله، وهو مشهد يزيد الوهج توهّجاً، والنضارة إشراقاً، والصفاء ألوان أقواس قزح، وعادت الإمارات كما كانت وجهة فضلى عالمية، للعمل والسكن والاستثمار.
أما الفرحة العاطفية والأمنية والاجتماعية فقد لمستها على وجوه الناس من كل الأجناس، وهي فرحة العودة إلى الأمن والأمان. إن ما نذكره ليس عبارات بلاغية أو إنشائية، إنها ترجمة لمشاهد أكبر من العاطفة والسياسة وصولاً إلى الانتماء الحقيقي الأصيل، والإيمان بالطاقة الإيجابية والقدرة على التعافي.
لقد دمعت عيناي حين سمعت قصة أحد الأصدقاء العرب، وهي قصة حديثة جداً، قال لي إنه سافر وعائلته إلى أوروبا خلال عطلة العيد، وكانت رحلة عمل واستجمام، وشاهد جمال الطبيعية في الخارج، من غيوم تعلو الجبال وشلالات وأنهار وغابات، وكان سعيداً جداً، لكنه في اللحظة التي دخل ردهة الإمارات (اللونج) في أحد المطارات الأوروبية، وشم رائحة البخور وشاهد ملامح الطبيعة على الديكور، شعر بطمأنينة عجيبة وراحة نفسية داهمته وكادت أن تدمع عينيه، كأنه عثر على ضالته وواحته بعد طول مسير، وقال إن المشاهد الطبيعية الخلابة التي شاهدها، لم يكن أثرها كأثر دخوله عالم الإمارات، حتى وهو في مطار آخر، أما حين وصل إلى أرض الدولة، فكان إحساسه أنه عاد، وأخيراً، إلى البيت/ بما تعنيه كلمة بيت من أمن وأمان وسكينة وطمأنينة وهدوء وراحة بال. قال لي بالحرف الواحد، إن شئنا أن نقدّم تعريفاً للوطن، فإن ما شعر به لحظة دخوله الردهة، ولحظة وصوله إلى البلاد، هو تعريف الوطن، من دون بلاغة ولا لغة جمالية. ذلك الشعور الذي يصعب التعبير عنه هو الوطن. فحمدت الله على نعمه.
وبدوري، وعودة إلى أول الحديث، فإن رؤية تلك الحشود وهي سعيدة ومطمئنة وبصحة وعافية اجتماعية ووطنية، تلك الرؤية تحمل معنى الوطن، وأبعاده، من دون تنظير أو تفلسف، إنه التمسك بالمكان كأنه آخر قطعة على الكرة الأرضية، كأنه المكان الوحيد الناجي.
..وكل عام والإمارات بخير.
[email protected]
أصبح الكاتب يشعر بالملل السياسي، أو بالضجر الفكري، وهو يكتب عن الحرب الإيرانية، أو يحاول تحليل ما يحدث، وسبب ذلك ليس مراوحة الأحداث في مكانها، أو تكرار التصريحات السياسية، وبعضها استفزازي، ولكن سبب ذلك يعود إلى الغموض الاستراتيجي لكلا الطرفين، فهما يدقّان طبول الحرب وفي الوقت نفسه يلهثان وراء عقد صفقة تنهي الحرب.
وتسعى بعض الماكينات الإعلامية إلى إدخال عنصر التشويق إلى المشهد، فتصف المكالمة التي دارت بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بغير المريحة، وأن نتنياهو أنهى المكالمة وهو غاضب، بل إن الدائرة المحيطة به كانت متوترة وغاضبة. بينما الموضوع كله لا يزيد عن كونه مكالمة هاتفية أحاط كل طرف الآخر بما يمكن أن يحدث في الأيام المقبلة، لأن خطط الحرب وقراراتها لا تُناقش في مكالمة هاتفية.
نشرات الأخبار أضحت مملّة، وتجتر محتواها، والمحلّلون أصبحوا ضجرين، أو مضجرين لأنهم أدلوا بما في حوزتهم من أفكار، ولا شيء جديد، بل يكاد الطرفان، الأمريكي والإيراني، يتفقان على اللعب بأعصاب الأسواق المالية، وأسعار الذهب، والنفط الخام. لأن الخلاف الرئيسي واضح، ومحاوره واضحة، وهذه المراسلات، والمفاوضات عبر الرسائل التي تستغرق أياماً طويلة، التي تذكرنا بالحمام الزاجل، ما هي سوى تكتيكات لأفعال أكبر، ليس بالضرورة أن تكون عسكرية، فما يحدث حالياً هو جني لأرباح الصراع العسكري اقتصادياً، ويواصل الأطراف اللعبة غير عابئين بالخسائر التي تكبّدتها الدول، ولا تزال مهدّدة بها.
ويبدو أن دول مجلس التعاون الخليجي هي التي تدفع ثمن هذه الحرب، خلال المعارك وفي أوقات الهدنة، وقد تدفع ثمن التوصّل إلى صيغة لإنهاء الحرب.
على الأرجح، أن يتوصل الطرفان إلى صيغة لوقف الأعمال العسكرية، وليس لإنهاء الحرب، كي تبقى أجواء التوتر تسود المنطقة، وتبقى دولها في حاجة إلى التزوّد بالسلاح، وبناء قدراتها العسكرية، بينما المستفيد الأكبر هو مصانع الأسلحة، ومديرو الموانئ والخلجان، وشركات الأمن.
هل يمكننا القول إن دول مجلس التعاون تتعرّض لمؤامرة مزدوجة في الحرب وفي السلم؟ بعض المحللين يعتقد ذلك، ويقول إن محاولات حثيثة تمت لتوريط دول الخليج في حرب مباشرة مع إيران، ويستشهد بالمسيرات المجهولة المصدر، والتي عُرف مصدر بعضها لاحقاً، ولا يمكن وصف تلك المحاولات سوى بالشيطانية، لأنها لا تمت إلى العروبة والإسلام والوطنية بصِلة، هدفها التخريب فقط، وهناك أهداف غير معروفة حتى الآن. أما المؤامرة الاقتصادية فليست في حاجة إلى دليل، فهدفها واضح جداً، وهو ابتزاز دول المنطقة التي، حسب منطقهم، تعوم على بحيرة من الذهب الأسود. ونعتقد أن هذه الدول على علم ودراية بما يحاك ضدّها في الخفاء، ولهذا واصلت الحياة كأن شيئاً لم يكن.
ويبدو أن دولة الإمارات العربية المتحدة هي أكثر الدول استهدافاً لأسباب كثيرة، ومحاولات جرّها إلى الحرب باءت بالفشل، مع التزامها بالدفاع عن أراضيها وإنجازاتها، بكل ما تملك من وسائل، لكنها تغلّبت على كل تلك المحاولات، وتصرفت، ولا تزال، بروح المسؤولية الوطنية، ولم تُشعر مواطنيها، أو المقيمين على أرضها، بوجود أزمة، أو حرب، وهذا يعود إلى الإدارة الذكية للأزمة، واحتواء الصدمة بأسلوب متقدّم جداً، ولكنها أيضاً، كانت واضحة أمام شعبها، فتبلّغهم أولاً بأول ما يحدث، وتصف لهم مستوى الخطر.
ولا شك، بل إنه من الأمور الطبيعية، أن تتأثر بعض المجالات بالحرب، ومنها المجال الاقتصادي، لكنه لم يصل حدّ الأزمة الحقيقية، لمتانة الاقتصاد، ووضع خطط التعافي الفورية، وتطبيقها بمعايير واقعية، فاستمرت عجلة التجارة في دورانها الطبيعي، واستمرت الدولة في تقديم خدماتها كالمعتاد، بل استحدثت خدمات لمواكبة الظروف، وتسهيل حيات الشعب، من مواطنين ووافدين.
هل يشعر الإنسان العادي في هذه الظروف بالملل؟ لقد ألصقنا هذا الوصف بالمحلّلين السياسين، لكنه يمتد إلى الإنسان، فينعكس الملل السياسي على الضجر الاجتماعي، لكن النتائج تختلف، فنتيجة للمراوحة السياسية، عاد الإنسان إلى حياته الطبيعية أسرع مما توقّع، إذ لا مجال للملل الاقتصادي، ولا الضجر الاجتماعي، فعجلة الحياة لا بد أن تستمر، وربما بوتيرة أسرع بهدف التعويض، ويجب أن تتحلّى بالنوعية والمعايير العالية للوصول إلى مخرجات متفوقة.
وتبقى حالة الترقب تسود المحلل السياسي والاقتصادي والإنسان العادي، وهو فعل طبيعي جداً، أن يعمل الإنسان وعينه على الأحداث، وأن يكتب المحلّل وعينه علىى التطورات. والترقّب لا يعني التوتّر، ولا تعطيل الحياة العامة. الترقب مطلوب حتى في الأيام العادية التي تخلو من حروب. لأن الترقب يحمل التوقعات، أي السيناريوهات، وهذا الترقب ينشّط العقل الذي يدير الأزمة، فيتوهّج أكثر عن طريق الملاحقة والمتابعة. وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، لديها فِرق جاهزة قبل الحرب، مهمتها التعامل مع الأحداث الطارئة والأزمات، ولديها الحلول أيضاً، وتقوم بالتدريبات الدورية للحفاظ على الجهوزية. وهذا يفسّر الأمن والأمان في أوقات الأزمات، كما يفسر القدرة على إحباط المؤامرات، عن طريق رصدها قبل وقوعها.
[email protected]
اكتشفت الحكومة اللبنانية أن أفضل وسيلة لتحقيق الاستقرار وجلب السلام للبنان واستعادة الأراضي المحتلة هو التفاوض مع إسرائيل. وتكاد تجمع الأحزاب كلها و75% من الشعب اللبناني على هذا التوجّه. طبعاً هذه النسبة ليست رسمية وإنما استنتاجية، لأن المعارضين للتفاوض هم الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) ومعظم أبناء البيئة الحاضنة، وبعض أعضاء الأحزاب الصغيرة المدعومة من الثنائي. بينما الأحزاب الأخرى مثل الكتائب والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، فهي تدعم التفاوض بطريقة أو بأخرى، وضمن شروط ليست تعجيزية.
ولو دقّقنا النظر في تصريحات الثنائي الشيعي، نجد أنه لا يعارض التفاوض في المبدأ، ويقترح المفاوضات غير المباشرة، أو الوقف الكامل لإطلاق النار شرطاً أولياً للتفاوض. وتلتقي الحكومة اللبنانية مع الثنائي الشيعي في هذا المطلب، وتؤكد على ضرورة وقف إطلاق النار بالكامل للدخول في المرحلة الثانية الرامية إلى توقيع اتفاقية سلام مع لبنان تفضي إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية وعودة النازحين وضمان إعادة الإعمار والتوقّف عن الاعتداءات.
وفي المجمل، فإن لبنان كله، بأحزابه وشرائحه الشعبية مع إجراء المفاوضات مع إسرائيل، مباشرة أو غير مباشرة. بقي أن نقول إن الحكومة اللبنانية لا تنوي توقيع اتفاقية سلام تؤدي إلى التمثيل الدبلوماسي والتطبيع مع إسرائيل، وتترك ذلك للإجماع العربي. ونعتقد أنها تتفق مع الرؤية السعودية التي طرحت في قمة بيروت على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام. والحكومة اللبنانية حريصة على التماهي مع المملكة في موضوع اتفاقية السلام، ولبنان لن يخاطر ويذهب وحده.
إن رؤية موضوعية ومحايدة للمشهد السياسي تقول إن معظم الدول العربية لا تمانع في إبرام اتفاقيات مع إسرائيل، والمشكلة تكمن في اللغة فقط لا غير، فهناك من يتذرّع بحقوق الشعب الفلسطيني وحل الدولتين، وهناك من يتحجّج بالإجماع العربي، وأسباب أخرى، بينما يمكن القول إن الموقف النهائي هو الاعتراف بدولة اسمها إسرائيل في المنطقة، ولا بد من التعامل معها. وأرجو ألاّ يُفهم أنني أروّج لعقد اتفاقيات ومعاهدات صلح مع إسرائيل وأشجّع على التطبيع، فهذا ليس من مهامي، ودوري يقتصر على التوصيف مع شيء من التحليل.
في المقابل، فإن إيران لديها الموقف ذاتها الشبيه بالموقف اللبناني، فهي تريد ربط المسار اللبناني بها، كي لا يُقال إنها باعت «المقاومة»، وتطالب بوقف إطلاق نار شامل في إيران ولبنان معاً، تمهيداً للدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وهي تدرك أنها حين تفاوض الولايات المتحدة فإنها تفاوض إسرائيل، لأن بعض البنود وضعتها إسرائيل، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتشاور مع بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن أي اتفاق. وحين تشترط إيران عدم الاعتداء عليها مستقبلاً، فإنها تؤسس لحالة سلام مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ من سيهاجمها غير الولايات المتحدة أو إسرائيل!
من جهة أخرى، فإن إيران موافقة على تصريحات الثنائي الشيعي في لبنان، حين يتحدثان عن المفاوضات غير المباشرة وغيرها، ما يعني أنها موافقة على التمهيد لاتفاقية مع إسرائيل، وربما تشجّع على ذلك، لأن المسارين اللبناني الإسرائيلي والإيراني الأمريكي يتقاطعان في المحاور الجوهرية، أما المحاور الأخرى فهي مجرد تكتيكات.
ونعود إلى الحكومة اللبنانية الملتزمة بالمسار التفاوضي، وسنفترض أنها تمكنت من التوصّل إلى اتفاق يقضي بوقف تام للعمليات العسكرية، والانسحاب من القرى التي احتلتها، وترسيم الحدود البرية، وعودة النازحين، وهي المطالب ذاتها التي يتبناها الثنائي الشيعي، وهذا ما سيبطل الاعتراض على التفاوض وبالتالي على اتفاقية السلام.
ترى، ماذا سيكون الموقف الإيراني؟ هل سيبارك أم يشجع على قلب الطاولة؟ لا شك أنه سيشجّع، لأنه ماض في العملية ذاتها، مباشرة أو غير مباشرة.
يحق لنا أن نتساءل إن كانت المعارضة من أجل المعارضة، لأن ما يُطلق من تصريحات لا يدل على اختلاف في التوجهات، وإنما في الوسائل، ولا تتعارض في المبادئ، وإنما في التكتيك، فلماذا إذاً هذا الجدل البيزنطي الدائر، والأهداف واحدة؟
لن نتورّط في البحث عن إجابات، لكن، وكما يبدو، هناك خوف من الحاضنة الشعبية ذاتها، التي قدّمت الضحايا والجرحى والبيوت، وتعاني من النزوح والتهجير وصعوبة العيش، ويقوم أفرادها بإطلاق تصريحات عن الصمود ومواصلة القتال حتى النهاية، هذه الحاضة أو البيئة هي التي دفعت الثمن، وليس غريباً أن تطالب بأثمان. وهذه الحاضنة ليست في لبنان وحده، إنما في إيران، فهناك تشابه مصيري بين الحالتين، لكن من يدري، فحين تتخذ القيادة قرارها سيكون مصحوباً بعبارات النصر.
المساران اللبناني والإيراني مرتبطان، وإن ادعت الجهات الرسمية في لبنان أنها ستتصرف من منطلق سيادي، وستذهب وحدها للمفاوضات، لإنقاذ البلاد، وإعادة لبنان عظيماً، كما قالت سفيرة لبنان لدى أمريكا في اجتماع الوفد اللبناني المفاوض مع الرئيس الأمريكي، وهي شروط خارجية أكثر منها خيارات داخلية، فالاستقلالية في اللغة الرسمية اللبنانية تعني التحرّر من سيطرة حزب الله وهيمنته، وهي رسالة للآخر المعني بالمفاوضات، وربما رسالة لصندوق النقد الدولي، الذي تتفاوض معه الحكومة اللبنانية في إطار التعافي الاقتصادي..
[email protected]
فرضت الحرب نفسها كالضيف الثقيل، على الحكومات والمجتمعات والأفراد، ونحن نعني الحرب الإيرانية، ويجب ألا يستنكر أحد وصفي للحرب بالملعونة، لأن كل الحروب ملعونة، بصفتها تحمل الدمار والقلق والموت وتعطّل الحياة، خاصة حين تكون الحرب، لا هي تحريرية ولا هي وطنية ولا هي ثورية ولا هي مصيرية.
وسأجازف بوصف الحرب القائمة حالياً في منطقة الخليج بين أمريكا وإيران بهذا الوصف، لأسباب عديدة وهي أن الحرب، بصورتها الحالية، لن تؤدي إلى نتيجة يُعتدّ بها، وإذا كانت كذلك في قمة دمويتها ووهجها، فإنها ليست كذلك بعد وقفها والدخول في مفاوضات، فالمفاوضات تُظهر يوماً بعد يوم عبثية الحرب، كما تظهر أن أهدافها التي بدأت بها هي ليست الأهداف التي وصلت إليها وتعلنها وسائل الإعلام، ويلاحظ أنها تتراجع شيئاً فشيئاً حتى أن البعض بات مقتنعاً بأن الولايات المتحدة، قد تنسحب بين ليلة وضحاها من المعركة من دون التوصّل إلى اتفاقية أو معاهدة ما.
ولديّ قناعة بأن القصف الجهنّمي أو «إبادة» إيران، أو حصار موانئها، لن يحقق أي هدف من أهداف الحرب، خاصة إذا اعتبرنا أن الهدف الرئيسي هو التخلص من تخصيب اليورانيوم، والصواريخ الباليستية (وهذه الأخيرة لم يعد يتحدث بها أحد). أما الأهداف الأخرى والمتمثلة بإسقاط النظام والقضاء على التطرف، والتعهّد بعدم مضايقة الجيران والتدخل في شؤونهم فهي أهداف لن تتحقّق، وقد تحدثنا سابقاً عن الفكر المهدوي، وعودة إمام الزمان ليخلص البشرية من الظلم والطغيان، وهي الأسس التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية في إيران، فكيف ستستطيع الآلة العسكرية التغلّب على هذا. ومحور حديثنا ليس هذا الكلام، وإنما ما يدور حالياً في السر والجهر عن مفاوضات، والتي قد تنتهي بطريقة هزيلة لا تتناسب وأثمانها.
فهل يعقل أن يدور الحديث عن فتح مضيق هرمز كموضوع مصيري؟ رغم أنه كان مفتوحاً وكانت تمر السفن منه بحرية، على ما أعتقد. أما الشرط الثاني فهو، رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن أموال إيرانية في أمريكا. شرطان مستجدان خلقتهما الحرب، فأصبحا هدفين رئيسيين يمكن التفاوض حولهما. أما بقية النقاط فتراجعت.
ماذا يعني أن تطلب الولايات المتحدة من الدول التوجه إلى الولايات المتحدة لشراء النفط، وكما قال الرئيس ترامب «لدينا نفط كثير». هل هذا هو الحل المنطقي لإقفال مضيق هرمز؟ وهل هذا هدف أمريكي كانت تخطّط له قبل الحرب، (لبيع النفط الأمريكي!!). لن نغامر بالإجابة، ولكننا نعتقد أن هنالك أهدافاً أخرى غير المعلنة من وراء الحرب.
الإمارات العربية المتحدة، ورغم وقف إطلاق النار، تعرضت للعدوان بالصواريخ والمسيّرات، واستطاعت التعامل مع هذا العدوان بكفاءة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا الإمارات وحدها من يتعرّض للهجوم؟ وما معنى أن تتنصّل إيران من الهجوم، وتعلن عن سياستها التي تحترم الجيران. هل هذا هدف غير معلن للحرب أم أنه نتيجة صراع، وأعني بها إشعال حرب في المنطقة. وبما أن دول مجلس التعاون قد أبدت وقوفها إلى جانب الإمارات في بيان أكد أن المجلس يؤيد الإمارات في القرارات التي ستتخذها لمواجهة العدوان، ما يعني أن دول الخليج أو بعضها ستنخرط في الحرب مع إيران.
إن دول مجلس التعاون الخليجي، وإن كانت قادرة على التصدي أو المواجهة، إلا أنها لن تغامر بالدخول في صراع عسكري مع إيران، أو أي جهة أخرى، لأنها تعلم، وحكامها وحكماؤها يعلمون أن تغيير الثوابت الإيرانية لن يتم بالقوة العسكرية، فهي مسألة تعود للشعب الإيراني، لأنه المسؤول عن تقرير مصيره، فإما أن يعيش في دولة دينية أو يعيش في دولة مدنية، وإذا كان من عمل يمكن القيام به للشعب الإيراني فهو مساعدته على ذلك. فالنظام الديني الذي تجاوز عمره 45 عاماً لن يستسلم بسهولة، ولن يتغيّر بمجرّد حمل السلاح أو الدخول في حرب أهلية، لأن شظاياها ستصل إلى دول الجوار، وهذا ما لن تقبله الدول، ولن يصب في مصلحة أحد، فأقلّه، أنه سيزعزع الاستقرار في المنطقة.
إن دول مجلس التعاون أمام تحديات كبيرة حالياً، وعليها الاستعداد للسيناريوهات المحتملة، الأول توقيع اتفاقية بين إيران والولايات المتحدة، والثاني تجدد الحرب، وفي الحالتين، يُفضّل أن تكون حكيمة كعادتها، وأن تزيد من تعزيز التعاون فيما بينها، وأن تكون الحرب دافعاً لتحقيق الأمن الذاتي، سياسياً وعسكرياً. على دول المجلس التعامل بحذر مع نتائج الحرب أي مع بنود أي اتفاقية، فمن الواضح أن الولايات المتحد تغلّب مصالحها الشخصية على أي مصلحة أخرى، والأيام حُبلى..
حين أرى عشرة أشخاص في استوديو في قناة فضائية عربية، يتحدثون عن الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، أُدرك أن لا جديد في الأحداث الميدانية، وهؤلاء يتحدثون بشكل تنظيري ويضعون سيناريوهات، منها ما هو قابل للتحقق ومنها ما هو خيالي. وهذا المشهد هو صورة مصغّرة عن النقاشات المحتدمة في الشارع العربي، والأجنبي بشكل أقل.
وفي ظل الجمود في المفاوضات والعمليات العسكرية، وجدت الأطراف نفسها أمام وضع محرج، لا هي تتفاوض بشكل جدي، ولا هي تتحارب بشكل جدي، ومُلئت الساحة تصريحات من الطرفين، بعضها فارغ وبعضها دسم، وبعضها يمكن البناء عليه. ويبدو أن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب خبير في ملء الفراغات، ويستطيع أن يلعب باحتراف في هذا الميدان، ويطلق في النهار الواحد ثلاثة أو أربعة تصريحات، غالباً ما تكون قليلة الدسم، وهي توصيف سياسي أكثر منها مواقف رسمية.
لهذا قد يضحك المتابع الخبير من تصريحات ترامب أو المرشد الأعلى الإيراني، أو أي مسؤول في أحد الطرفين، فهي تصريحات إنشائية غير مدروسة، وحين تنقل من اللغة الإنجليزية أو الفارسية إلى العربية تبدو فارغة من المضامين، وهذا ما يضع المتابع العادي على حافة العبث والشعور بالسخرية، لأن العالم يغلي، أو شعوب المنطقة تغلي وقلقة من القادم، بينما المتحاربون يلوكون اللغة فتظهر تصريحات لا معنى لها.
الأمر ذاته يحدث في الساحة اللبنانية، فمع انسداد الأفق، والانتظار غير المجدي، يصدر المسؤولون اللبنانيون تصريحات تدور حول محور واحد هو وقف إطلاق النار، والاستعداد للمفاوضات، والطرف الآخر يرفض المفاوضات ويتهم الحكومة بالخيانة ويطالب بأن تكون المفاوضات غير مباشرة. وهو أمر مثير للجدل إن لم يكن الضحك، لأن جوهر المسألة واحد، إن كانت المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة عبر وسطاء، لأن الهدف هو الوصول إلى اتفاقية مع إسرائيل، والفرق الوحيد بين نوعي المفاوضات هو أن المفاوضات غير المباشرة تكون أقل إلزامية من المفاوضات المباشرة.
على كل حال، وعلى الرغم من أن إسرائيل ماضية في تدمير القرى اللبنانية الحدودية، ويقال إن بعضها سُوّي بالأرض، فإن الرئيس اللبناني يشترط وقف العمليات العسكرية قبل الذهاب إلى مفاوضات مباشرة، وهو موقف جديد نسبياً، وإسرائيل لا تزال ترفض وتصرّ على تحقيق هدفها وهو القضاء على حزب الله، وهو هدف يناقشه المحللون الإسرائيليون في القنوات التلفزيونية الإسرائيلية، ويقول البعض باستحالة تحقيق الهدف خاصة عندما يربطونه بتدمير البيئة الحاضنة، وهدم بيوتها، ويبدو أن الرئيس ترامب، حين أعلن وقف إطلاق النار في لبنان، فقد سمح للجانب الإسرائيلي بمواصلة العمل ضد حزب الله، رغم أن البيان نصّ على حق الدفاع عن النفس، وليس مواصلة تدمير القرى.
الرئيس ترامب من جهته يواصل، كما قلنا، اللعب في أجواء اللاحرب واللاسلم، فأعلن الجمعة الماضي أمام الكونغرس أنه أنهى العداوات مع إيران، بينما قواته لا تزال تحاصر الموانئ الإيرانية، وأسطوله البحري يتجول في الخليج والبحر المتوسط، وفي الواقع هو قرار لا علاقة له بالواقع الميداني، وهو قرار سياسي قانوني حتى لا يضطر الكونغرس إلى تجديد العمليات القتالية، وبذلك، لعب الورقة بشكل صحيح، فهو قلّل الاحتقان الداخلي من جهة، والتف على الكونغرس من جهة ثانية، وأبقى على قواته مستنفرة في مضيق هرمز، ما يعني أن الوضع باق على حاله في انتظار قيام إيران بتقديم مقترحات جديدة للحل يوافق عليها الجانب الأمريكي.
ويبدو أن هذه الحالة التي لا لون لها ولا طعم، ستستمر وقد تدوم لفترة طويلة، لكن تداعيات الواقع الإقليمي ستنعكس على الفريقين، لأن دولاً متضررة بشكل كبير جراء إقفال مضيق هرمز، والارتفاع الجنوني لأسعار الطاقة، النفط والغاز، إضافة إلى السلع الأخرى، إلى جانب وقف مشاريع تنموية، وقد تأثرت قطاعات العقارات والمصارف والاستثمارات بشكل متباين، ولاسيّما القطاع الخاص. وفي الواقع الكل يعاني من الأزمة الحالية، بما فيها الدول التي لم تشارك في القتال، والدول التي شاركت بشكل نسبي، فالحرب لا ترحم أحداً.
يبقى الجانب النفسي الفردي والمجتمعي الذي لن يظهر ربما قبل انتهاء الحرب، لكنه قائم وموجود، فهناك إرهاق عقلي ونفسي، وهناك حالات اكتئاب، وحالات خوف ورعب. وهذا الجانب يخص الأطفال في المقام الأول، فمن السهل هذه الأيام سماع طفلٍ يتحدث في السياسة، وفي الحرب والصواريخ بشكل ببغائي، وبعضهم يحاول أن يفهم، والبعض يعبر عن غضبه فيلعن الجهة التي قادته إلى هذا الواقع (غير الطفولي) وقد يدعو عليها بالموت والدمار.
وأعتقد أن الجهات المعنية ستقوم بتوفير المحتوى والإمكانيات العلاجية والوقائية لتحسين أمزجة الأطفال، وطمأنتهم، وإعادة الفرح إلى قلوبهم، مع علمنا، نحن في دولة الإمارات، أن الدولة لم تُشعر المواطنين ولا المقيمين بأنهم في حالة حرب، وفي معظم الأيام، الحياة عادية وأكثر.
[email protected]
تطرقنا في مقالة الأسبوع الماضي إلى تحديات يواجهها وقف إطلاق النار في إيران ولبنان، فنحن لا يمكننا الجزم بأن وقف إطلاق النار سيستمر، أو سيفسد، لأن الأطراف المتحاربة لا تكشف مخططاتها ونواياها، وهذا يشمل الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران، أما لبنان، ككيان رسمي، فهو واضح، لأن لا أوراق لديه سوى مطالب تتعلق بوقف إطلاق النار، وتوقيع اتفاقية مع إسرائيل تؤدي إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من القرى الجنوبية، التي احتلها أو يحتلها، وعودة النازحين، على الرغم من أن نموذج غزة تم تطبيقه في بعض القرى، التي شهدت تدميراً منهجياً وتغييراً في ملامح الجغرافيا والبلدات، ولا نعلم كيف ستتعامل الحكومة اللبنانية مع الوضع الجديد. أما «حزب الله»، فيرفض المفاوضات المباشرة، كما يرفض تقديم تنازلات لإسرائيل، ويضع شرط الانسحاب من الأراضي اللبنانية كشرط للموافقة في الدخول في العملية السلمية.
إن المتابع للحرب بين الولايات المتحدة وإيران، لن يندهش إذا ما هدّدت أمريكا ومارست الضغوط على إيران، لكنه سيندهش لا محالة من الموقف الإيراني الذي يهدد ويصول ويجول ويطالب (العدو) بتنفيذ شروطه أولاً، (وإذا لم ينفذها بالوسائل السلمية فإن الكلمة ستكون للميدان)، وهي لغة، كما نرى، انتحارية، فيها الكثير من المغامرة، وأحياناً الرعونة، هكذا سيفهمها المحلل التقليدي، لكن لو تعمّقنا أكثر في هذا (الصمود) وهذه اللغة التي تحمل معنويات عالية، لا بدّ أن نعيدها إلى معتقد ديني في المقام الأول، وأزعم أنه لا تفسير للعناد سوى ما سأشير إليه، بخاصة البعد الديني، وبدقة أكثر ظهور المهدي، أو الخطاب المهدوي، وهو خطاب تعبوي في الفكر السياسي الإيراني له علاقة بمفهوم الانتظار وظهور المهدي، لتبرير الصمود أمام الضغوط الدولية، حيث ينظر الخطاب المهدوي إلى المقاومة كجزء من مسار تاريخي مقدّس.
ومن ناحية أخرى، يوظّف النظام الإيراني هذا البعد الديني فيقول إن أيّ تنازل في المفاوضات يُعدّ خيانة لمسار المقاومة المرتبط بالوعد الإلهي، وهذا الخطاب يجعل القيادة الإيرانية أكثر تصلباً في المفاوضات، بحيث تنظر إلى وقف إطلاق النار ليس كخطوة نحو السلام إنما كأداء تكتيكي، والأخطر من ذلك، فإن إيران، قد ترى أن القبول بالشروط، الأمريكية أو الإسرائيلية، يناقض فكرة التمهيد لظهور المهدي، وتعتقد أن الصمود هو الطريق المثالي لتحقيق النصر النهائي.
وفي هذا السياق، نخشى أن يكون استخدام الخطاب المهدوي لتبرير تأجيل أيّ تسوية سياسية، باعتبار أن الصراع جزء من معركة كبرى لا تُحسم إلا بالظهور الموعود.
وقد يكون هذا المفهوم/ الخطاب/ العقيدة المهدوية هو التحدي الأكبر للهدنة، فهل نفهم من هذا الطرح، لو صدق، أن إيران ليست معنية بالتوصل إلى معاهدة سلام؟ وهل نفهم أن مرور أكثر من ثلاثين عاماً من المفاوضات من دون تحقيق نتيجة تُذكر، له علاقة بالخطاب المهدوي؟ والسؤال الأكبر من كل ذلك، هل تدرك الولايات المتحدة خطورة هذا الخطاب، وبدأت تحتويه، وتغيّر من لهجتها؟ ألهذا تخطّط للانكفاء، أو التراجع عن أهدافها؟
في الواقع، نطرح هكذا أسئلة لأن وكالة «تاس» الروسية، نقلت عن وزارة الدفاع الأمريكية بتاريخ 22 إبريل (نيسان)، أن الولايات المتحدة تتجه إلى إعادة صياغة دورها الأمني العالمي، بحيث يتحمل الحلفاء مسؤولية أكبر في مواجهة التهديدات داخل مناطقهم. جاء ذلك في وثائق أساسية مرفقة بمسودة ميزانية وزارة الدفاع للسنة المالية 2027، حيث أوضحت الوزارة أن واشنطن ستعمل على «نموذج جديد للمسؤولية المشتركة» مع حلفائها، يقوم على مبدأ أن تتصدر الدول الحليفة جهود الدفاع الإقليمي، بدعم أمريكي أقل من السابق.
وبحسب الوثائق، فإن هذا التحول ينسجم مع نهج «أمريكا أولاً»، إذ تعطي الولايات المتحدة الأولوية للدفاع عن أراضيها وردع التهديدات المتصاعدة من الصين، خصوصاً ما يتعلق بالقدرات العسكرية في المحيطين، الهندي والهادئ. بحيث تهدف الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة إلى تقليص الانخراط في النزاعات الخارجية. ولا ندري إن كان ما نقله تلفزيون «آر تي»، بشأن توجيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رسالة إلى القادة الإيرانيين يطالب فيها بالإفراج عن ثماني نساء محتجزات في إيران، له علاقة بالليونة التي تحدّثنا عنها، أم هي حركة من الحركات الترامبية المعروفة التي قد تتلوها أحداث عظيمة.
إن ما كشفت عنه وزارة الدفاع الأمريكية له صلة وطيدة بتحديات الهدنة، خاصة بالنسبة لإسرائيل، التي لا نعلم إن كانت مشمولة بالسياسة الجديدة (أمريكا أولاً)، وقد تأخذها إسرائيل على محمل الجد، وتنتهز الوقت المتبقي، فتشن حرباً على إيران ولبنان، لتحقيق مكاسب تستخدمها على طاولة المفاوضات.
ولا ندري حقاً، إن كانت القيادة الإيرانية السياسية تفكر وفق القناعة المهدوية، لأن ما نعرفه، فإن التفكير السياسي يختلف عن الديني، لكن هذا، كما يبدو، لن يحدث في إيران، وكذلك الأمر لدى حزب الله في لبنان، الذي قد لا تعنيه مساعي الحكومة ويستمر في الحرب، ربما تمهيداً لظهور المهدي.
[email protected]