يتسع نطاق الاقتصاد الإبداعي والمعرفي في الإمارات مع توجه الشركات إلى تطوير نماذج أعمال تتجاوز القطاعات التقليدية، حيث تجمع بين الاستثمار العقاري والمنصات الرقمية والتكنولوجيا والتعلم، في تحول يعكس تنامي أهمية المعرفة والابتكار والتجارب المتخصصة في خلق القيمة الاقتصادية.
وتبرز دبي في هذا المشهد بوصفها مركزاً لاستقطاب الأعمال والاستثمارات، وبيئة تجمع بين العقارات والتجارة والتكنولوجيا والصناعات الإبداعية، بما يتيح للشركات تطوير أنشطة جديدة والاستفادة من المواءمة بين القطاعات الاقتصادية.
ويظهر هذا التوجه في مبادرات تتراوح بين دمج الإبداع والمعرفة في نماذج الاستثمار العقاري، وإطلاق منصات إقليمية للتجارة الإلكترونية الاجتماعية والتعلم المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
ويعكس هذا التحول توجهاً أوسع نحو تنويع مصادر الإيرادات، وبناء أعمال قائمة على الأصول المعرفية والتجارب والمهارات، بدلاً من الاقتصار على المنتجات والخدمات التقليدية، مع إبقاء القدرة على تحقيق عوائد تجارية مستدامة معياراً أساسياً لنجاح هذه النماذج.
وتستهدف دولة الإمارات، رفع مساهمة الصناعات الإبداعية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031، وفق الاستراتيجية الوطنية التي تستهدف مضاعفة عدد المنشآت العاملة في القطاع واستقطاب المواهب والاستثمارات.
وفي دبي، تتجه الجهود إلى تعزيز مكانة الإمارة مركزاً عالمياً للاقتصاد الإبداعي، عبر زيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي وتوسيع قاعدة الشركات والمبدعين، فيما تستهدف مبادرات جديدة رفع مساهمة القطاع إلى 5.4% من اقتصاد الإمارة، إلى جانب استقطاب أكثر من 6 آلاف مبدع دولي ودعم أكثر من 6 آلاف موهبة محلية.
وتمثل هذه المستهدفات، مؤشراً لتنامي دور الإبداع والمعرفة في تنويع الاقتصاد وتعزيز جاذبية دبي للاستثمار خلال السنوات المقبلة.
مسارات جديدة
فينو جول
وتتجه شركات إلى الاستفادة من التكنولوجيا والتعلم الرقمي لتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية، من خلال منصات تجمع بين التجارة الإلكترونية وتنمية المهارات والمنتجات الاستهلاكية.
وفي هذا الإطار، أطلقت «إغنيت» الماليزية ذراعها الإقليمية «إغنيت مينا» من دبي، لتكون مركز عملياتها الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مستهدفة بناء منظومة تجمع بين ريادة الأعمال والتعلم المدعوم بالذكاء الاصطناعي وعلامات تجارية كبرى وأسلوب الحياة. وذلك بالتعاون، مع «brAInify» - منصة التعلم وتنمية المهارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وقال فينو جول، مدير «إغنيت مينا»، إن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أصبحت من البيئات الاقتصادية التي تتسم بالحيوية والتطلع إلى المستقبل، مشيراً إلى أن منظومة الابتكار في دبي، إلى جانب تنامي الاهتمام بالصحة والعافية والتعلم الرقمي وريادة الأعمال في دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة الأوسع، توفر سياقاً ملائماً لإطلاق المنصة.
وأوضح جول: إن دبي تعد بمثابة الجوهرة النادرة، وهي بلا أدنى شك، بوابة نجاح أي فكرة جديدة واستثمار إبداعي في مختلف القطاعات الاقتصادية، والانطلاق به إلى العالمية.
وأضاف: إن الهدف الرئيسي، يتمثل في تزويد الأفراد والشركاء المستقلين بمنتجات استهلاكية وأدوات أعمال مدعومة بالتكنولوجيا، موضحاً: «نحن لا ندخل سوقاً جديدة فحسب، بل نبني منظومة مستدامة لريادة الأعمال وتوسيع المشاركة الاقتصادية وتحقيق النمو المستدام في أنحاء المنطقة».
وأوضح جول، أن دبي رسخت مكانتها ملتقى للتجارة العالمية، مشيراً إلى أن الشركة تستهدف العمل وفق معايير الحوكمة والشفافية، بما يضمن أن توفر أنشطة التجارة الإلكترونية قيمة اجتماعية واقتصادية مستدامة في الأسواق التي تدخلها.
ويمثل الجمع بين التجارة والتعلم، أحد محاور النموذج الذي تتبناه الشركة، إذ لا تقتصر المنصة على تسهيل الوصول إلى المنتجات، بل تسعى أيضاً إلى تطوير المهارات اللازمة للمشاركة في الاقتصاد الرقمي، بما يربط بين النشاط التجاري وبناء القدرات البشرية.
وتستفيد دبي من هذا التقاطع بفضل دورها مركزاً للأعمال والتجارة والاستثمار، وقدرتها على استقطاب شركات تعمل في قطاعات متعددة، فضلاً عن وجود بيئة مؤسسية وتنظيمية تدعم الأنشطة التجارية والتعليمية والإبداعية ضمن الأطر المعمول بها.
ومع ذلك، فإن اتساع الاقتصاد الإبداعي والمعرفي لا يقاس بمجرد إطلاق منصات أو إضافة أنشطة جديدة إلى المحافظ الاستثمارية، بل بقدرة هذه المبادرات على تحويل الابتكار إلى إيرادات مستدامة، وخلق فرص عمل ومهارات جديدة، وتطوير منتجات وخدمات قادرة على المنافسة.
إعادة تعريف
وعلى مسار موازٍ في القطاع العقاري، تتجه بعض الشركات إلى إعادة صياغة مفهوم القيمة، عبر الانتقال من تطوير المباني والمساحات إلى بناء وجهات متكاملة تستند إلى التجارب الإبداعية الحية، وتستهدف تعزيز ارتباط الجمهور بالمكان ورفع جاذبيته على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، كشفت شركة «باثيون»، ومقرها في ميدلزبرة بالمملكة المتحدة، عن أحدث توجهاتها؛ «باثيون هوب» بوصفه خطوة لتوسيع أنشطتها من خلال منصة طويلة الأجل تقوم على ثلاثة قطاعات مستقلة: العقارات والإبداع والمعرفة، مع الاحتفاظ بالعقار باعتباره إحدى ركائز أعمالها الأساسية.
وقال كالبش كيناريولا، رئيس مجلس إدارة «بايثون» العقارية: إن مواصلة التطور ومواكبة الفرص الجديدة، تمثلان ضرورة للشركات، موضحاً أن التوجه الجديد «لا يمثل مجرد امتداد لأعمالنا العقارية، بل يجسد الفصل التالي في مسيرة الشركة»، من خلال بناء قطاعات واضحة، لكل منها جمهوره المستهدف وخبراته ونموذجه التجاري الخاص.
وأضاف كيناريولا: إن دخولنا للقطاع الإبداعي والرقمي، يستند إلى النظر إليهما باعتبارهما فرصتين تجاريتين مستقلتين، وليس مجرد أنشطة مساندة للاستثمار العقاري. وتلتقي القطاعات الثلاثة، وفق هذا التصور، من خلال التجارب والمجتمعات التي تسهم في تشكيلها، إذ لا تقتصر قيمة العقار على المباني ذاتها، بل تمتد إلى كيفية استخدام الناس للمساحات وتفاعلهم مع محيطها.
وأشار، إلى أنه يمكن أن تعزز جاذبية الوجهات من خلال الفعاليات والبرامج والمشاركة الحية للمستثمرين، لكنه شدد على أن هذا التكامل ينبغي أن يكون حقيقياً، لا مجرد أداة تسويقية للمشاريع العقارية، مؤكداً أن كل نشاط يجب أن يكون قادراً على خلق قيمة مستقلة.
ويعكس هذا التوجه تحولاً في النظرة إلى الأصول العقارية، خصوصاً في الأسواق الحضرية التي تتنافس فيها الوجهات على جذب السكان والزوار والشركات. فإلى جانب الموقع والمساحة والمواصفات الفنية، تكتسب التجارب الإبداعية والأنشطة الترفيهية والمجتمعات المتخصصة دوراً في تحديد هوية الوجهة وقدرتها على استقطاب المستخدمين.
وبين هذين المسارين، تتعزز أهمية الاقتصاد الإبداعي والمعرفي باعتباره مجالاً لتطوير نماذج أعمال جديدة وتنويع مصادر النمو، فيما توفر دبي بيئة تجمع بين رأس المال والأفكار والتكنولوجيا والأنشطة الثقافية، وتتيح للشركات اختبار فرص جديدة وبناء حضور إقليمي ودولي.
وتتلاقى هذه القطاعات من خلال التجارب والمجتمعات التي تسهم في تشكيلها. فالعقار لا يقتصر على المباني، بل يشمل أيضاً الطريقة التي يعيش بها الناس في المساحات والمجتمعات المحيطة بها. ويمكن للاقتصاد الإبداعي أن يعزز هذه التجربة عبر تطوير الوجهات، وتنظيم الفعاليات والبرامج، وترسيخ المشاركة الثقافية الهادفة.