عندما غزا الذكاء الاصطناعي الواقع المعاصر، وأضحى سيد الموقف في تسيير معظم جوانب الحياة، لم يعتقد البعض أن يكون له مكاناً في مهنة المحاماة، حيث الكلمة مسؤولية، والأمانة شرف وقدسية، والقول صدقية لا تقبل المراوغة بحال.
لكن للقاعدة دائماً استثناءات، فقد أصبح عدد من المحامين يعتمدون على «الشات جي بي تي» في كتابة المذكرات وصياغة العقود، وليس في ذلك ضير، إن لم يكن الاعتماد عليه كاملاً، وجرى تحري الدقة في كل ما يأتي به، فيما لا يجوز الركون بشكل تام إليه في الصيغ القانونية، تجنباً للوقوع في مخالفات، والتعرض لمطبات قانونية.
الحديث هنا ليس نظرياً، وإنما يرتبط بسوابق قضائية، ووفقاً للمستشار القانوني د. يوسف الشريف، لم تعد مخاطر الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي مجرد فرضيات، بل تحولت إلى واقع سجلته أروقة المحاكم في شرق العالم وغربه، ومن ذلك ما قضت به محاكم مركز أبوظبي المالي العالمي ومركز قطر للمال في منطقة الخليج العربي، وكذلك محاكم أمريكا وبريطانيا في الواقعة الشهيرة بفضيحة «القضايا الوهمية»، حيث استخدم محامين ومستشارين قانونيين برنامج مثل «شات جي بي تي» لإعداد المذكرات القانونية، فقام البرنامج باختراع سوابق قضائية بأسماء وأرقام وهمية تماماً، ما أدى إلى فرض غرامات مالية باهظة، إضافة إلى ما ينال من السمعة المهنية.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي واقعاً مفروغاً منه، فلابد من عدم إلغاء العقل البشري، تحديداً في المهن ذات الخصوصية، كالمحاماة التي يجب أن يكون الذهن فيها متقداً، والقريحة البشرية صاحبة الكلمة والرؤية والتوجه.
سوابق خطِرة
قال المستشار القانوني د. يوسف الشريف: دخل الذكاء الاصطناعي مكاتب المحاماة من أوسع أبوابها، واعداً بثورة غير مسبوقة في صياغة العقود، وتحليل القضايا، واختصار الساعات من البحث القانوني، لكن، خلف هذا البريق التكنولوجي يكمن حقل ألغام قانوني وأخلاقي، لما شهدته المنظومة القضائية العالمية مؤخراً من سوابق خطِرة، حيث أصدرت محاكم دولية أحكاماً، وإجراءات تأديبية، ضد محامين اعتمدوا بشكل أعمى على تكنولوجيا اصطنعت أحكاماً وقضايا لا وجود لها في الواقع (ما يُعرف علمياً بالهلوسة الرقمية)، وكان ذلك نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي كقائد دون رقابة، وليس كمجرد معاون لإنجاز العمل، وتوفير الوقت مع ضرورة ضمان الدقة.
ولفت إلى ضرورة التحقق البشري الصارم، دون أي تهاون في مراجعة الدفوع والمذكرات القانونية المقدمة بلغات، وأدوات الذكاء الاصطناعي، تفادياً للوقوع تحت طائلة المسؤوليات التقصيرية والمهنية، باعتبار أن طبيعة المجال القانوني، والصياغات، تتطلب في الأساس الدقة البالغة في الصياغة، وفي الاستدلال بالأحكام والسوابق، ويجب أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مساعداً متميزاً، وليس قائداً كارثياً، ومن ثم يتعين أن يكون استخدامه تحت التبعية الكاملة للمراجعة البشرية، لأنه يفتقر إلى «الملكة القانونية»، و«الحس الإنساني بالعدالة».
فرض جزاءات
شدد د. الشريف على أن الذكاء الاصطناعي يقوم بتقدير احتمالات الكلمات بناء على خوارزميات، وليس بناء على فهم روح القانون، وأنه لا يمتلك القدرة على قراءة الخصم، وإقناع القاضي، بما يجب أن يقتصر دوره على البحث الأولي، وتلخيص الوثائق الضخمة، وتنظيم البيانات، واستخراج الأنماط، وصياغة المسودات الأولية للعقود، ثم تليها المراجعة القانونية الدقيقة التي تعتمد على خبرة القانوني. وبدورنا نقترح على مكاتب المحاماة والشركات وضع سياسات صارمة في الحدود التي يُسمح فيها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وفرض جزاءات تأديبية على تجاوزها، وكذلك العمل تأهيل المحامين والقانونيين ليس فقط على كيفية استخدام التكنولوجيا، بل على كيفية كشف أخطائها، وفهم آليات عملها، حيث سيبقى الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن أن يكون بديلاً عن العقل القانوني البشري.
مخاطر غير مسبوقة
يشهد القطاع القانوني تحولاً جذرياً مع التوسع في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في صلب مهنة المحاماة، حيث لم تعد تقتصر على الأرشفة، بل امتدت لتشمل البحث القانوني المعمق، وتحليل العقود، وصياغة المذكرات، وصولاً إلى تحليل الأنماط القضائية والتنبؤ بمآلات النزاعات، وهو ما أكده المستشار القانوني سعيد الطاهر، لافتاً إلى أنه بغم مساهمة هذه التقنيات في رفع كفاءة العمل، وتقليل التكاليف، إلا أنها فتحت الباب أمام مخاطر مهنية غير مسبوقة. وقال إن «الهلوسة القانونية» ظاهرة قيام الأنظمة بتوليد أحكام أو سوابق قضائية وهمية، أو نسب مبادئ قانونية لأحكام لا تتضمنها، وتكمن الخطورة في أن المحامي يظل الحصن الأخير، والمسؤول الأول أخلاقياً وقانونياً عن كل ما يُقدم للقضاء، ولا يمكنه الاعتداد ب «الخطأ التقني» للتنصل من تبعات إخلاله بواجب التدقيق. وشدد على السابقة القضائية اللافتة في المنطقة، التي تتعلق بإصدار محاكم سوق أبوظبي العالمي حكماً يتصدى بصرامة لسوء استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث تبين للمحكمة أن مذكرة دفاع مقدمة تضمنت مئات الفقرات، وحوالي 233 صفحة مع المرفقات، وعشرات الاستشهادات القانونية «المفبركة» التي أنتجتها الآلة ولم يراجعها البشر، قائلاً: أحكام غير موجودة، وأرقام قضايا خاطئة، ما اضطر فريق الخصم لإضاعة وقت طويل في البحث عن أحكام وهمية لا وجود لها، لذلك طلبوا من المحكمة توقيع جزاءات، وتعويضهم عن المصاريف التي تكبدوها بسبب هذا السلوك.
إخلال جسيم
لا تفرض المرحلة المقبلة على المحامين تعلم «كيفية استخدام» الذكاء الاصطناعي فحسب، بل كيفية ضبطه مهنياً، والتوازن بين التطور التقني ونزاهة العدالة، يتطلب وضع مواثيق أخلاقية واضحة داخل المكاتب القانونية، لضمان أن تبقى الخبرة البشرية هي المرجعية والفيصل، منعاً لتحول أدوات الذكاء إلى أفخاخ قانونية، تطيح بمصالح المتقاضين وسمعة المهنة.
وأكد المحامي علي مصبح، أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني أصبح واقعاً متزايداً، سواء في إعداد المذكرات أو الصياغات القانونية أو الأبحاث، إلا أن الخطورة لا تكمن في التقنية نفسها، بل في الاعتماد عليها دون مراجعة قانونية متخصصة ودقيقة. وقال: الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته، ليس محامياً أو قاضياً، ولا يملك فهماً قانونياً حقيقياً للوقائع، أو فلسفة النصوص التشريعية، وإنما يعتمد على معالجة معلومات قد تكون ناقصة، أو غير دقيقة، أو محدثة.
ومن أخطر الظواهر التي بدأت تظهر عملياً، قيام بعض البرامج بإنشاء مواد قانونية غير موجودة أصلاً، أو نسبة نصوص وأحكام قضائية بشكل غير صحيح، وفي المجال القانوني، لا يُعد الخطأ مجرد معلومة غير دقيقة، بل قد يؤدي إلى تضليل القضاء، أو الإضرار بحقوق المتقاضين، أو حتى مساءلة المحامي مهنياً وتأديبياً إذا استند إلى نصوص أو أحكام غير صحيحة.
ويرى مصبح أنه لا خلاف على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة مفيدة في الترتيب اللغوي، وتسريع البحث الأولي، إلا أن المرجع الحقيقي يبقى دائماً التشريعات الرسمية، والأحكام القضائية الثابتة، والاجتهاد القانوني المهني، وفي زمن الثورة الرقمية، تبقى مسؤولية المحامي المهنية فوق أي تقنية.
تحديات جوهرية
قالت المحامية د. نادية عبد الرزاق، إن المجال القانوني شهد تحولاً متسارعاً في أنماط العمل مع تزايد الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل استخدام «شات جي بي تي» في إعداد اللوائح والمذكرات القانونية، وهو تطور يحمل جوانب إيجابية وأخرى سلبية، فمن الناحية الإيجابية، يسهم في تسريع إنجاز الأعمال القانونية، خاصة في إعداد مسودات اللوائح والمذكرات، وتلخيص الأحكام والعقود، ومقارنة النصوص القانونية، واقتراح دفوع أو نقاط قانونية كما يساعد على تحسين جودة الصياغة القانونية، وتنظيم الأفكار. غير أن هذا التطور لا يخلو من تحديات جوهرية، أبرزها مخاطر الاعتماد غير المنضبط على مخرجات الذكاء الاصطناعي، فربما يقدم معلومات غير دقيقة، أو يستند إلى نصوص قانونية قديمة ملغاة، ما قد يؤدي إلى أخطاء مهنية جسيمة، إذا اعتمد عليه المحامي دون مراجعة دقيقة، فضلاً عن الإخلال بسرية المعلومات، وحماية بيانات الموكلين، كما أن الصياغة القانونية ليست مجرد تجميع نصوص، بل تعتمد على الفهم العميق لوقائع الدعوى، والخبرة العملية، لذلك نرى أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يظل أداة مساعدة تحت إشراف المحامي، وليس بديلاً عن خبرته المهنية.
إيجابيات وسلبيات
أشار المحامي عيسى شطاف إلى أن استخدام المحامين ل «شات جي بي تي» في كتابة المذكرات القانونية، أو تلخيص القضايا، أو البحث المبدئي، أصبح واقعاً منتشراً عالمياً، لكن المسألة ليست في الاستخدام نفسه، بل في كيفية الاستخدام وحدوده المهنية والقانونية.
ورأى أنه من الأفضل النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مساعداً قانونياً تقنياً وليس محامياً بديلاً، بحيث يجوز الاستفادة منه في التنظيم، والصياغة الأولية، والبحث المبدئي، فيما تبقى المسؤولية المهنية والأخلاقية كاملة على المحامي نفسه، وكل ما يخرج من النظام يجب مراجعته، وتدقيقه قانونياً قبل تقديمه للمحكمة. وقال: في المجال القضائي عموماً، كثير من الجهات بدأت تتقبل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي كمساند للعمل، بشرط عدم الإخلال بسرية المعلومات، وعدم التضليل أو تقديم معلومات غير صحيحة، وبقاء القرار والتحليل النهائي بيد الإنسان المختص.
وفي الإمارات العربية المتحدة خصوصاً، الاتجاه العام نحو التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي متسارع، لكن الممارسة القانونية ما زالت تتطلب مسؤولية مهنية عالية، لذلك الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي دون مراجعة قد يعرّض المحامي للمساءلة المهنية.
معلومات مغلوطة
قال د. عبيد المختن، إنه مهما وصل الذكاء الاصطناعي من علم وتطور، فهناك فرق بين محامي يتعامل مع الورق بشكل عام، ويتعايش معه، ويبحثه من ناحيه نفسية، واجتماعية، وبنظرة شاملة، عن تطبيق تقني، وبشكل عام أنصح المحامين بعدم استخدام «شات جى بى تى» تحت أي ظرف، خاصة بالنسبة للقضايا، لان كل قضية تختلف عن الأخرى. وأضاف أنه إذا لجأ المحامي لاستخدامه فيجب ألاّ يكون ذلك في كتابة المذكرات، لأنه لن يعطي المعلومة الصحيحة التي تتطلبها القضية من تلك، وأحياناً يعطى معلومات مغلوطة وغير موثقة، ولمن يستخدمه من شباب المحامين أقول أنتم لا تضرون أنفسكم فقط، بل الموكلين أيضاً، ضرراً أنتم في غنى عنه.
متخصص قانوني
قال المستشار القانوني علاء الدين عبدالله، إن البرامج التقنية سهلت السبل للوصول إلى المعلومة، فيما يجب أن يكون التعامل معها عن طريق متخصص قانوني ذي خبرة، وأن يكتفي فقط بالبحث عن المتون، والمواد القانونية والسوابق القضائية فقط، مع ضرورة التدقيق على مخرجات عملية البحث، كون أن هذه المخرجات تعتمد في الأساس على المدخلات التي غالباً ما يدخلها غير القانونيين، ولا تسمح لهم خبراتهم بالتدقيق على هذه المخرجات.