لم يعد الأمن الإقليمي في منطقة الخليج مسألة قابلة للأخذ والرد في ظل ظروف عدم الاستقرار التي يعيشها العالم، ومنه منطقة الخليج تحديداً؛ حيث بات الأمن مسألة مصيرية تستوجب موقفاً واضحاً وصريحاً بلا تردد، وتنسيقاً وتكاملاً عالي المستوى، من خلال إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الخليجي على أسس واقعية يتجاوز مفهوم الأمن الذاتي، من منطلق ما تم الإجماع عليه بأن «أمن دول الخليج العربي واحد لا يتجزأ، ومصيرها مشترك»، استناداً إلى النظام الأساسي لمجلس التعاون واتفاقية الدفاع المشترك التي تنص على «أن أي اعتداء على أي منها هو اعتداء عليها جميعاً، وأي خطر يتهدد إحداها إنما يتهددها جميعاً». وهذا يقتضي أن تقوم دول مجلس التعاون بتعزيز قدراتها لمواجهة أي خطر أو مصدر يهدد أمنها وسلامة أراضيها، والتصدي لأي اعتداء على أي منها باعتباره اعتداء عليها جميعاً.
هذا من حيث المبدأ، لكن الواقع يقول شيئاً مختلفاً في ظل الهجمة العاتية التي تتعرض لها دول الخليج من أكثر من جهة؛ إذ تكشف المعطيات الميدانية اليومية من خلال الاعتداءات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات على دول الخليج، وما تقوم به ميليشيا الحوثي الآن من تهديد لأمن السعودية باستهداف المطارات المدنية ومحطات الطاقة، عن فجوة استراتيجية غير مسبوقة في جدار الأمن الخليجي؛ إذ لم تنجح الحرب في تجاوز الخلافات البينية، حيث برز التباين في تقدير التهديدات، واختلفت الأولويات في تحديد التحالفات، وتراجعت فعالية العمل المشترك جراء ذلك.
لذلك جاء كلام المستشار الدبلوماسي لصاحب السموّ رئيس الدولة، الدكتور أنور بن محمد قرقاش حول أمن الخليج، بمثابة صرخة جاءت في وقتها، في ظروف بات أمن الجميع على المحك، عندما قال: «منذ بدء العدوان على دول الخليج العربي، انطلاقاً من التقدير الخاطئ للمعتدي بأنها الحلقة الأضعف في حرب سعينا إلى تجنبها، بات واضحاً أننا جميعاً مستهدفون، وأن أمننا لا يتجزأ». وأضاف: «استهداف المملكة العربية السعودية الشقيقة يقوّض أمن الإمارات ودول الخليج كافة». مؤكداً ضرورة إحياء العمل الخليجي المشترك، ولا سيما في شقيه الأمني والدفاعي، وتعزيز منظومة الأمن الجماعي، فهو «البعد الذي شهد تقصيراً فادحاً، ما شجّع الآخرين على التطاول علينا». وانتهى إلى القول «أمن الخليج مسؤولية مشتركة لا تحتمل التهاون أو التأجيل».
إنها دعوة صريحة إلى المبادرة قبل فوات الأوان للمراجعة وتصحيح خلل المنظومة الأمنية الخليجية، من خلال إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الخليجي على أساس الواقع الحالي والمخاطر الناجمة عن فراغ العمل الأمني المشترك، وذلك يقتضي توحيد الرؤى والسياسات، وصياغة عقيدة دفاعية موحدة، وتنسيق السياسات الخارجية والأمنية، وتبني مفهوم «الأمن الشامل»، وتطوير منظومات الردع والدفاع، وتعزيز القدرات الذاتية والاستثمار في توطين الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.
لا تكفي بيانات التضامن وحدها في تحديد المواقف في مثل ما تواجهه المنطقة من مخاطر وتهديدات؛ إذ لا بد من فعل يرتقي إلى مستوى الخطر، قبل فوات الأوان وهو أمر «لا يحتمل التهاون أو التأجيل».