الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حين تعود الصلاة

16 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 16 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
قبل عدة سنوات في برلين، سألتني ابنتي روضة، وكانت تبلغ حينها اثني عشر عاماً، عن كنيسة مهدمة في وسط المدينة، أبقت ألمانيا برجها المحطم شاهداً على الحرب العالمية الثانية. كانت كنيسة القيصر فيلهلم التذكارية، التي أصابها القصف عام 1943، وأقيمت بجوارها لاحقاً كنيسة حديثة، بينما بقي الجرح القديم مفتوحاً أمام العيون.
سألتني ونحن ننظر إليها: «لماذا لم يعيدوا بناءها يا أبي؟». قلت لها: «هي شاهد على بشاعة الحروب. ألمانيا تقول لأجيالها القادمة وللعالم إن بيوت الله قد تُستباح حين يفقد الإنسان إنسانيته». عادت روضة لتسأل: «من قصف الكنيسة؟ هل كانوا مسيحيين؟». أجبتها: «نعم». وبدا على وجهها الاستغراب والحزن معاً.
بقي سؤالها معي. الأطفال لا يعرفون التعقيدات التي نصنعها لتبرير القتل، يرون بيتاً للصلاة، ويسألون كيف يهدمه إنسان يؤمن بالله. والحرب العالمية الثانية لم تكن حرباً دينية، لكن سؤال روضة تجاوز أسبابها إلى معنى أعمق: ماذا يبقى من إيمان الإنسان حين لا يأمن الآخر منه، حتى وهو يصلي؟
وقبل تلك الحرب بقرون، عاشت أوروبا حرب الثلاثين عاماً، بين 1618 و1648، وهي من أشد حروبها تدميراً. بدأت بصراع بين الكاثوليك والبروتستانت، ثم تشابكت فيها مصالح الدول وصراعات النفوذ. وتُقدَّر وفياتها بنحو خمسة إلى ثمانية ملايين إنسان، معظمهم مدنيون أودت بهم المجاعة والأوبئة، إلى جانب القتال والمجازر. خلف الأرقام قرى اختفت، وأمهات انتظرن أبناء لم يعودوا.
والتاريخ الإسلامي، القديم والحديث، ليس بريئاً من دماء المسلمين. كثيراً ما ارتفعت شعارات الدين فوق صراعات السلطة، ودفع الأبرياء الثمن. ومع القنابل والأحزمة الناسفة، وصلت الجريمة إلى صفوف المصلين: مسلمون يفجرون مساجد مسلمين لاختلاف الطائفة، وآخرون يستهدفون الكنائس والمعابد. يكفي أن ننظر إلى العراق وسوريا ولبنان ومصر وباكستان وأفغانستان، لنعرف كم مرة تحول مكان الطمأنينة إلى مشهد للفجيعة.
لكن مسجد النوري في الموصل يحمل قصة مختلفة. فهذا المسجد، الذي يعود بناؤه إلى عام 1172 في عهد نور الدين زنكي، دمرته أيادٍ تدّعي الانتماء إلى ملة أهله ومذهبهم. ومن منبره ألقى البغدادي خطبته العلنية الشهيرة عام 2014، قبل أن يفجر داعش المسجد ومئذنته الحدباء عام 2017، وهو يتراجع أمام القوات العراقية. كأن التنظيم أراد أن يختطف ذاكرة المكان، ثم يدفنها تحت ركامه.
لم تنتصر عقيدة الظلام، ولم تصبح خطبة البغدادي خاتمة حكاية المسجد. أُعيد بناؤه، وافتُتح رسمياً في سبتمبر/أيلول 2025، وعاد مكاناً للصلاة. واستُخدم ما أمكن إنقاذه من الحجارة والمواد الأصلية في الترميم، كأن ما نجا من الانفجار عاد ليشهد على هزيمة أصحابه. وللحجر هنا معنى يتجاوز البناء: تستطيع يد أن تهدمه، وتستطيع أخرى أن تعيده إلى خدمة الحياة.
وفي هذه الحكاية يحضر اسم سموّ الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، ونهج الإمارات في مواجهة التطرف بالعمل الإنساني والحضاري من خلال وزارة الخارجية، فقد موّلت الدولة إعادة إعمار المسجد ومئذنته، بالشراكة مع اليونسكو والعراق، ضمن مبادرة «إحياء روح الموصل». وامتد دعمها إلى كنيستي الطاهرة والساعة، لتعود للمدينة أصواتها وملامحها المتنوعة. هذه رسالة يفهمها الجميع: حرمة الصلاة لا تتوقف عند باب مسجد، وكرامة الإنسان لا تتغير بتغير دينه.
ربما يكون القاسم المشترك بين المتشددين ادعاء احتكار «الحقيقة المطلقة». يبدأ الأمر بإلغاء حق الآخر في الفهم، ثم يتحول إلى إقصائه ومحاربته، وإقناع الأتباع بأن الجنة لهم وحدهم. والأخطر أن يُطلب منهم تدريب مشاعرهم على الكراهية، حتى تصبح قسوة القلب علامة على صدق الإيمان. عندها يستطيع القاتل أن ينظر إلى ضحيته فلا يرى إنساناً، بل اسماً لطائفة علّموه أن يبغضها.
لهذا الفكر منابع ينبغي مواجهتها بوضوح. وأرى في فكر سيد قطب واحداً من أخطرها، بما يحمله من أحكام على المجتمعات وتصورات للعزلة عنها. وهنا أستحضر نقد عبدالله بن بجاد العتيبي، الباحث في تاريخ الإسلام السياسي، لثقافة الكراهية في كتابات قطب. والمؤلم أن يحمل أحد أشهر كتبه عنوان «في ظلال القرآن»، ثم يجد فيه دعاة القطيعة ما يغذّي رفضهم للمجتمع. ما أقسى أن يُستدعى كتاب الله، بما فيه من رحمة، ليصبح غطاءً لتضييق الحياة على عباده.
فبيوت الله تحفظ شيئاً من سيرة الناس، فيها دعوات الأمهات، ودموع المفجوعين، وفرح العائدين من سفر طويل.
وأعود إلى روضة وسؤالها أمام الكنيسة. ربما كانت الإجابة التي أبحث عنها اليوم في الموصل: هناك من أبقى حجراً مهدماً كي نتذكر بشاعة الحرب، وهناك من أعاد حجراً إلى مكانه كي نتذكر قدرتنا على الشفاء. وبين المشهدين مسؤولية واحدة: أن نحمي الإنسان الذي يدخل بيت الله، ويحمل معه خوفه ورجاءه وأسماء أحبته، ثم يرفع يديه مطمئناً إلى أنه سيعود إليهم. تلك الطمأنينة هي ما ينبغي أن نصونه جميعاً، لكي لا يرث أطفالنا حزننا، ولا يكبروا وهم يسألون لماذا يقتل المصلون، ومن منح القاتل حق التحدث باسم الله؟

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة