نشر موقع معني بالشأن العراقي مقالاً بعنوان «هانت عليك نفسك»، كتبته امرأة اختارت لنفسها اسم «بغداد» بلا اسم أخير.
خيّم الحزن على مقالة «بغداد» وهي تخاطب العراقيين قائلة: «كلنا منهكون من متاعب الحياة، ولكن لا تهن عليك نفسك، فإن هانت حقرها الناس ولبست ثوب الذلة، ولا تمد يدك فحياء وجهك سيختفي، ولا تمت يدك، فبصماتك جميلة للوطن ومحبيك، وهم بحاجة لك».
نظرة الكاتبة «بغداد» للشباب العراقي سوداوية، إذ تقول: «في العراق ترى الشباب شيوخاً من الهموم والإحباط»، وأرض بلا شباب هي أرض بلا تغيير.
وتعتب «بغداد» على الحسينيات، فأولئك المجندات للحديث من قبل مرجعية أو حزب لا يمكنهن الحديث عن الواقع، أي تناقض أكبر من ذلك. وتقول: «ها هي الحسينيات تضج باليافعات، وترى الأخوات المؤمنات يستخدمن كافة فنون رفع المعنويات، ولكن يصطدمن بواقع مرير»، وعندها تموت أحلامهن.
وماذا عن اليافعين في العراق؟ تقول الكاتبة: «الفتيان اليافعون أكثر ضياعاً، ولي ملاحظة أن مستوى كلام الشباب مبكٍ، فهو لا يملك أدنى حد من الكلمات اللائقة في تعابيره! فكيف سيكونون آباءً لأُسر؟!»
وفي نهاية المقال تتضرع «بغداد» إلى الله قائلة:
«نسأل الله التوفيق، ونسأله ألا نرى الذلة ترهق وجوه العراقيين، فيضمحل الإخلاص في نواياهم».
ولعل أكثر ما يمنح كلمات «بغداد» معناها اليوم أنها لم تكن ترثي جيلاً فقط، بل كانت تلمّح إلى أصل الداء: حين يضعف شعور الإنسان بكرامته، يضعف معه شعور الدولة بسيادتها. فالإحباط الذي وصفته في نفوس الشباب هو الوجه الاجتماعي لعجز أكبر يظهر في مؤسسات الدولة وقدرتها على فرض القانون. وما نراه اليوم من استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على الجوار ليس حادثاً منفصلاً، بل نتيجة طبيعية لدولة تراجعت هيبتها حتى بات المواطن يشكو من ضياعه، والجوار يشكو من انفلات حدودها.
دول الخليج سلّمت العراق مذكرات احتجاج بعد إطلاق صواريخ ومسيرات من أراضيه باتجاه دول الخليج العربي، مما يؤكد أن العراق فاقد للسيادة على أراضيه. واعتذار الحكومة وحده لا يكفي إن لم يتم محاكمة الإرهابيين.
على العراق الكشف عن أسماء وصور الإرهابيين ومن أمرهم بإطلاق الصواريخ، ثم تقديمهم لمحاكمة علنية، كما حدث في محاكمة صدام حسين وقيادات حزب البعث، حين أثبتت الدولة قدرتها على فرض القانون عندما تملك القرار.
السيادة لا تعرف منطقة رمادية، إما أن يكون العراق قادراً على فرض سيادته على كامل أراضيه، وإما أن يعترف بأنه فاقد لها، وحينها يكون قد أذعن للفصائل الإرهابية التي تأتمر بأمر طهران وتنطلق من أرضه.
بحجم الشجن في صوت ياس خضر نقول:
لا تجونا بعذر.. كافي
لا نعود ولا نسامح
في عام 2018، وفي سفارة الدولة في برلين، عُرض فيلم وثائقي قديم بالأبيض والأسود ضمن فعاليات «عام زايد». كان المشهد بسيطاً في ظاهره، عميقاً في دلالته: رجل إماراتي يسير حافي القدمين فوق رمال الصحراء، يمسك لجام بعيره، وقد وضع نعاله تحت إبطه.
صورة صامتة، لكنها تقول الكثير. اقترب مني أحد الضيوف الألمان، وقد بدا عليه الفضول، وسأل مبتسماً: «لماذا لا يلبس نعاله؟ يبدو كأنه يستمتع بالمشي على الرمال الناعمة». أجبته بهدوء: «ليست رمالاً ناعمة، بل ملتهبة. ولم يكن ذلك من باب المتعة، بل من ضيق العيش. كان يحتفظ بنعاله حتى لا تبلى».
اتسعت حدقتا عينيه، وصمت لثوانٍ كأن الصورة اكتملت فجأة في ذهنه. ثم قال جملة قصيرة، لكنها بقيت عالقة في الذاكرة: «هذه صورة تجسد كفاحكم... حدّثوا أبناءكم عنها كثيراً».
تلك الجملة لم تكن تعليقاً عابراً، بل كانت تذكيراً بمسؤولية لا تسقط بالتقادم، فاليوم، تقع على كل إماراتي في الخمسين من عمره أو أكثر مهمة أخلاقية ووطنية: أن يشرح للأجيال الجديدة كيف كانت البدايات، وكيف شُيّد هذا الوطن خطوة خطوة، وسط شح الموارد وقسوة الظروف.
شباب الإمارات اليوم هم أغلبية المجتمع، وهم أمله ومستقبله وبهجته، لكنهم لم يعيشوا مرحلة ما قبل الاتحاد، ولا التحول الكبير الذي أعقبه. الحاضر الذي يعيشونه، بما يحمله من رفاه واستقرار وفرص، قد يبدو لهم وكأنه وُجد هكذا منذ البداية، بعيداً كل البعد عن صور الآباء والأجداد التي تحكي عن مدارس قليلة، ومستشفيات محدودة، وطرق ترابية، وإمكانات متواضعة، وحياة تعتمد على الصبر والاحتمال.
ولذلك، لا تخلو رسائل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأصحاب السمو الحكام من العودة إلى الماضي: إلى البدايات الصعبة، وإلى بساطة العيش، وإلى التحديات التي واجهها الآباء المؤسسون. ليست هذه الإشارات حنيناً إلى زمن مضى، بل بوصلة أخلاقية تذكّرنا بأن قيمة ما نملكه اليوم لا تُفهم إلا إذا عرفنا ثمنه.
حين نحكي لأبنائنا عن الرجل الذي سار حافياً في الصحراء، لا نروي قصة فقر، بل نزرع معنى. معنى أن هذا الوطن لم يُبنَ بالصدفة، بل بالإرادة والصبر والحكمة، وأن واجبنا اليوم هو أن نحفظ الذاكرة حيّة، حتى تبقى نعم الله علينا مصحوبة بالوعي، والإنجاز مرتبطاً بالتواضع، والمستقبل متصالحاً فخوراً بجذوره.
عندما عدنا إلى الدولة بعد حصولنا على البكالوريوس من الجامعات الأمريكية، كنا نحمل في أذهاننا صورة مثالية عن البداية المهنية. كنا نظن أن الشهادة وحدها كفيلة بفتح الأبواب، وأن اللغة الإنجليزية بلكنتها الأمريكية ستمنحنا تميزاً تلقائياً. لكن الواقع في «اتصالات» كان غير ذلك. تم توزيعنا على أقسام مختلفة بالشركة التي ابتعثتنا، دون مجاملات أو افتراضات مسبقة، وكأن الرسالة الأولى كانت واضحة: العمل هو المعيار والبداية من الدرجة الأولى في السلم.
في التسعينات، كانت اللغة الإنجليزية الجيدة مدعاة للإعجاب، وربما سبباً لفرص أوسع. لكن في «اتصالات»، لم يكن لذلك وزن إضافي. لم تكن هناك «ريشة فوق رأس» خريجي الجامعات الأجنبية، ولا استثناءات.
بدأت عملي في قسم المبيعات، على كاونتر الطلبات، على بُعد أمتار من الباب. لا مكتب، لا كرسي، بل معاملات يومية لمشتركين يقفون بأوراقهم: طلب هاتف منزلي، أدقق على نسخ جوازات، ملكيات بيوت، وآلة نسخ ضخمة خلفي، وختم أزرق لا تكتمل المعاملة إلا بعدما يدوي صوته على الورق.
لم يكن لهذا العمل صلة مباشرة بما درسته أربع سنوات في الإدارة في الولايات المتحدة، ومع ذلك شعرت بالإنجاز. مع كل ختم، كنت أؤدي دوراً واضحاً، ملموساً، يخدم الناس ويُنجز معاملاتهم. كنت «حارس البوابة» بالمعنى البسيط: أُتمّ الإجراءات، أتحقق من الاكتمال، وأُسهم في سير العمل. تلك اللحظة علمتني أن القيمة لا تأتي من مسمى الوظيفة، بل من أثرها.
عندما نزور دول الجوار، نرى شبابها في المتاجر والفنادق والمطاعم، يتعاملون مع الجمهور بثقة واعتزاز. لا يختبئون خلف مكاتب، ولا ينتظرون ألقاباً إدارية. مشهد مفرح، لأنه يعكس ثقافة ترى في العمل خدمة، لا مرتبة اجتماعية. وهنا يبرز السؤال: كيف نعزز هذه الثقافة بين المواطنين في الإمارات؟
ما زالت النظرة الدونية لبعض المهن قائمة لدى البعض، وقد يصل الأمر إلى الخجل من ذكر المسمى الوظيفي. تغيير هذه الثقافة يبدأ بالاعتراف بأن كل عمل—حكومياً كان أو خاصاً—هو خدمة للوطن. لا توجد وظيفة «لا تليق»، بل توجد فرصة للعمل والمشاركة والبناء. الذي لا يليق بالمواطن حقاً هو البطالة، أو انتظار دورٍ متخيل لا يخدمه ولا يخدم بلده.
العمل شرف، أينما كان، وبأي مسمى. ومن يبدأ من كاونتر اليوم، قد يقود مؤسسة غداً، إذا امتلك القناعة والانضباط واحترام قيمة الجهد.
علي عبدالله الأحمد
عشرون عاماً من القيادة، لكنها في وجداننا أكثر من زمن، هي مسيرة تشكّلت فيها أحلامنا، وتربّت فيها عزيمتنا، وتعلّمنا خلالها كيف يكون الوطن فكرةً لا تشيخ، وطموحاً لا يتوقف.
سيدي صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاك الله، أحببنا الطموح من حبنا لك.
لم يكن ذلك شعاراً، بل إحساس يومي نما معنا، لأنك جعلت من أحلامنا واقعاً نعيشه، ومن طموحاتنا طريقاً واضح المعالم. كانت رؤيتك أبعد مما كنا نتخيل، لكنها لم تكن بعيدة عنّا، كنت تقودنا بخطى واثقة، وتُشعرنا أن المستقبل ليس غامضاً، بل مشروع عمل.
علّمتنا أن التفاؤل ليس ترفاً، بل سِمة شعب.
فصرنا لا نهاب المصاعب، ولا نخشى التحديات، بل نهوى مواجهتها. أدركنا معك أن الصعب لا يُرهقنا، بل يصقل مواهبنا، ويعزّز ثقتنا بأنفسنا، ويكشف معدننا الحقيقي. كل تحدٍّ كان درساً، وكل عقبة كانت بداية.
جاء العالم إلينا، لا مصادفةً، بل لأنك زرعت الثقة وبنيت المصداقية.
أصبح اسم الإمارات مرادفاً للنهضة، وللإنجاز الذي يُرى ويُقاس ويُحتذى. وحين سُئلت يوماً: هل تخشى التحديات؟ كان جوابك درساً في الوعي والذاكرة: نحن ندرك معنى التحدي، الحصول على ماء للشرب كان تحدياً في بلدنا. عندها فهمنا أن من يعرف جذور الصعوبة، لا يخاف فروعها.
علّمتنا كلما بلغنا قمة أن ننظر إلى قمة أعلى، وألهمتنا أن المستحيل منطق العاجز، فآمنا أن كل شيء ممكن. صارت أحلامنا أكبر، ولم نعد نخاف كِبَرها، لأننا رأينا فيك أحلامنا تتحقق، ورأينا في تجربتك برهاناً على أن الطموح هو ما يجعل المستحيل ممكناً.
جعلت من حاضرنا مستقبلاً يتمناه الآخرون، وزرعت فينا قناعة لا تتزحزح: وهي أن الأمل لا يخذل إلا من يفرّط فيه، وأن العزيمة إذا حضرت غابت الأعذار، وأن التحديات ليست عوائق بل منصّات انطلاق، وأن الصعاب تصنع الفرص.
خلقت فينا عقيدة تقول إن المجد لا يُوهب، بل يُدفع ثمنه تعباً وصبراً، وأن التاريخ لا يُكتب بالتمنّي، بل بالفعل.
لكن كيف يراك العالم؟
يُنظر إليك باعتبارك أحد القلائل الذين جعلوا المستقبل سياسة عامة.
لم تتعامل مع الغد كاحتمال، بل كمشروع له أدوات، ومؤشرات، ومؤسسات.
مفاهيم مثل الجاهزية للمستقبل، استباق التحديات، وتحويل المخاطر إلى فرص، أصبحت جزءاً من القاموس العالمي في الحوكمة، وكثير منها خرج من تجربة دبي والإمارات.
ما يلفت الآخرين هو اللغة الإنسانية في خطابك، فالإنسان هو الهدف، وسعادته ليست شعاراً بل سياسة. من التعليم، إلى الصحة، إلى جودة الحياة، أصبحت رفاهية الإنسان عنصراً مركزياً في التخطيط الحكومي الذي تنتهجه.
غيرت مفهوم الدولة، من سلطة تنظّم الحياة، إلى شريك يصنع جودة الحياة، وأثبت للعالم أن الدول العربية بإمكانها أن تكون مصدرَ حلول لا مصدر أزمات، ومركز تلاقٍ لا ساحة حرب، وجسراً بين الحضارات لا مكان صراع.
أنت من نادى بأن الحلم، حين تقوده رؤية، ويُسنده عمل، يمكن أن يصبح وطناً.
وأن القيادة الحقيقية لا تغيّر الخرائط فقط، بل تغيّر طريقة تفكير البشر.
القيادة لديك ليست أوامر تُصدر من المكاتب، بل حضور ميداني يسبق القرار ويتبعه. تقول دائماً إن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً، ومسؤولية تُقاس بالنتائج لا بالنوايا.
في نهجك لا قيمة للتوجيه دون متابعة، ولا مكان للمنصب إن غاب الأثر.
المحاسبة عندك ليست عقاباً، بل عدالة تضمن كرامة العمل وحقوق الناس.
لهذا تعلّمنا أن القيادة الحقيقية هي أن تكون في الميدان، ترى، تسأل، تُصحّح، وتُنجز.
فبالمتابعة تولد الثقة، وبالمحاسبة تُصان الأمانة، وتبقى الدولة في مسار التقدّم.
آمنت بأن العرب ليسوا صفحة من الماضي، بل طاقة حضارية متجددة. وفي تاريخهم الإسلامي شاهد على قدرة العقل العربي على الإبداع حين تتوافر له الثقة والفرصة، وحين يُستعاد الإيمان بالذات. لم تنظر إلى الحضارة الإسلامية بوصفها مجداً يُستحضر للحنين، بل بوصفها مسؤولية تُستأنف بالفعل والعمل.
من هذا الإيمان وُلدت جائزة نوابغ العرب، لا كمبادرة تكريمية فحسب، بل كرسالة واضحة للعالم، وهي أن في هذه الأمة عقولاً قادرة على الإسهام في الطب، والهندسة، والعلوم، والاقتصاد، وصناعة المستقبل. هي دعوة لإعادة الاعتبار للإنسان العربي، وتحريره من عقدة الاستهلاك إلى فضاء الإنتاج.
أنت لا تراهن على الماضي، بل تستثمر فيه ليصنع الغد. أنت على قناعة أن العرب حين يُمنحون الثقة، ويُقاسون بالإنجاز، يعودون كما كانوا: شركاء في صناعة الحضارة، لا متفرجين عليها.
هذه ليست كلمات ثناء..
هذا صوت من شعبك، يقول لك: منك تعلّمنا كيف نكون.
علي عبدالله الأحمد*
السابعة من كل صباح، في طريقي إلى عملي، أمرّ ب«واحة الكرامة». تلك الألواح الأسمنتية المائلة، المتكئة على بعضها البعض،
لا تشبه أي نصب تذكاري آخر. ليست صامتة كما تبدو، بل كأنها تتنفس، وكأنها تحفظ أسراراً أثقل من الحجر. يتكرر المشهد يومياُ، وفي كل مرة أشعر بأن هذا النصب يهمس في أذني. وبعد ثلاث سنوات من مروري اليومي، لم يعد الأمر مجرد طريق معتاد، بل صار حواراً صامتاً، ورسائل غير مكتوبة، تصلني كلما مررت بجوار «واحة الكرامة».
هناك، يتجسد معنى أن يكون الإنسان أكثر من جسد، وأكثر من حياة عابرة. ليس هناك أسمى من أن يؤدي الإنسان قسماً بأن يهب روحه فداءً لوطنه، وأن يلبي بلا تردد ما يؤمر به من قادته، حتى إن كان يعلم أن النهاية قد تكون حياته نفسها. هذا ليس خطاباً، ولا شعاراً، بل حقيقة عاشها رجال، ومضوا وهم على يقين أن ما يقدمونه أثمن من أعمارهم.
شهداء الإمارات لم يذهبوا إلى اليمن بحثاً عن مجد شخصي، ولا طمعاً في أرض، ولا رغبة في صراع. ذهبوا لأن نداء الوطن حين يأتي لا يُجادَل، ولأن الواجب حين يُستدعى لا يُؤجَّل. تلك الأرواح الطاهرة التي عرجت إلى بارئها آمنت بأن نداء الوطن واجب مقدس، وأن القَسم الذي يُؤدى لا يُكسر. هم شهداء في منزلة لا تضاهيها منزلة، لأنهم اختاروا أن يكونوا جسراً تعبر عليه القيم، لا أسماء تُكتب فقط على ألواح.
استشهدوا وهم يؤدون واجبهم للدفاع عن عقيدة آمنوا بها، وعن مبدأ آمنوا أنه لا يسقط بالتقادم: نصرة المظلوم، ورفع الظلم، والدفاع عن الشرعية. استشهدوا على أرض لم تكن أرضهم، وليس لها حدود مباشرة مع دولتهم، لكنهم أدركوا أن القيم لا تعرف الجغرافيا، وأن الظلم إذا تُرك في مكان، تمدد إلى كل مكان. كان اليمن بالنسبة لهم اختباراً للضمير، لا ساحة حرب فقط.
الإمارات لم ترَ في اليمن يوماً ساحة نفوذ، بل ساحة مسؤولية. وحين اختلط تراب اليمن بدماء أبناء الإمارات، سقطت كل الأسئلة الصغيرة، وكل المزايدات الرخيصة. لم تعد هناك حاجة للتبرير، ولا للشرح، ولا للدفاع بالكلمات، فالدم حين يُسفك من أجل إنقاذ الآخر، يصبح أبلغ من أي خطاب سياسي. دماء أبناء الإمارات كانت رسالة واضحة: نحن هنا لأن الواجب ينادينا، لا لأن المصلحة الضيقة تقودنا.
لمن نسي أو تناسى، فإن القنوات الإعلامية التي تنشط وتروّج وتزيف بأن للإمارات أطماعاً في اليمن هي ذاتها من احتضنتها الإمارات لأكثر من عشرين عاماً، آمنين على أنفسهم وأهليهم، حينما كانت الفتاوى تحرّم برامجها وتجرّم قياداتها ونجومها بل وتهدر دماءهم أحياناً.
وعلى بعد أمتار قليلة من «واحة الكرامة»، يوجد قبر المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الأب والمعلم والقائد، تلك المسافة القصيرة بين النصب وقبر الوالد المؤسس ليست مصادفة جغرافية، بل تحمل معنى عميقاً ورمزية صادقة، هنا تتلاقى النية الصادقة بالفعل، والوصية بالتنفيذ، والكلمة بالدم. من هنا تعلموا أن الوفاء ليس شعاراً يُرفع، بل سلوك يُورث، وأن الذكر الخالد لا يُصنع بالكلام، بل بالمواقف..
وَإِنِ امْرُؤٌ أَسْدَى إِلَيْكَ أَمَانَةً
فَوَفِّ بِهَا إِنْ مِتَّ سُمِّيتَ وَافِيَا
لقد أدوا الأمانة كاملة، ولم ينقصوا منها شيئاً. وفوا بالقسم، ووفوا بالوطن، ووفوا بالقّيم التي نشأوا عليها. رحلوا، لكنهم تركوا خلفهم معنى أبلغ من الغياب، معنى يقول إن الإمارات ليست بحاجة لأن تبرر موقفها، لأن أبناءها قدموا البرهان الأغلى.
كل صباح أُدرك أن هذا الطريق ليس مجرد طريق إلى العمل، بل طريق إلى الذاكرة. أدرك أن تلك الألواح الأسمنتية ليست جدراناً، بل صفحات من كتاب الوفاء. وعلى الرغم من محاولات الزج باسم الإمارات لخدمة الأجندات السياسية، ستظل «واحة الكرامة» شاهدة على رجال جاؤوا لا ليأخذوا، بل ليعطوا، وعلى شهداء كتبوا بدمهم سطراً لا يُمحى في تاريخ الإمارات والمنطقة. هنا وقفنا لأن الواجب نادانا، وهنا وفينا، والأمانة يحملها الأوفياء.
* سفير سابق في ألمانيا وفرنسا
علي عبدالله الأحمد
كنت أجلس على شاطئ السعديات، هذا الأسبوع، ذلك المكان الذي اختزل جمال البحر والسكينة في لوحة واحدة. الشمس دافئة، والجو معتدل، وعلى مقربة مني كانت هناك عائلة أوروبية جاءت إلى الدولة هرباً من برد الشتاء القارس في أوروبا. طفلان يلعبان بالرمال، والأم تستمتع بالهدوء، بينما كان الأب جالساً على كرسي الشاطئ يقرأ كتاباً جذبني عنوانه: The Geography of Thought.
مررت بهدوء، وعدت أنظر إلى الكتاب من زاوية عابرة، فرأيت العنوان بشكل أوضح: «جغرافيا الفكر». لم يكن العنوان مألوفاً لديّ، لكن شيئاً ما دفعني لأبحث عنه فوراً في هاتفي. وهنا لفت نظري أمر آخر، معظم الأوروبيين على الشاطئ لا يمسكون بهواتفهم، كأن البحر أهم من كل الرسائل التي يمكن أن يرسلها العالم. أما نحن، فنتفقد الأخبار والرسائل، ونلتقط الصور، ونبحث عن فكرة جديدة، وأنا واحد منهم.
فتحت محرك البحث في هاتفي، وبدأت قراءة وصف ملخّص للكتاب. كانت الفكرة الأساسية تؤكد أن الناس لا يفكرون بالطريقة نفسها، ولا يرون العالم بالزاوية ذاتها. ليس لأنهم مختلفون في اللغات، بل لأن ثقافتهم تشكل عقولهم التي يرون من خلالها العالم.
الفكرة الأولى التي يطرحها الكتاب واضحة وبسيطة:
في الشرق يسأل الإنسان: ما العلاقة بين كل هذه الأحداث؟
بينما في الغرب يسأل: ما سبب المشكلة؟ وكيف نحلّها مباشرة؟
العقل الشرقي (دول شرق آسيا كاليابان)، كما يصفه المؤلف، يقبل فكرة أن هناك رأيين متعاكسين، ويمكن أن يكونا صحيحين، في الوقت نفسه. بينما يميل العقل الغربي إلى الحقيقة الأحادية: إن كان هذا صحيحاً، فالرأي الآخر بالضرورة أن يكون خطأ.
لو أضفنا العقل العربي لغرض المقارنة مع الآسيوي والغربي، فأين نجد انفسنا؟
للوهلة الأولى يبدو لي أننا لا نقف في نفس مربع الغرب، أو الشرق. وربما نحمل نموذجاً ثالثاً. نموذجاً يعطي الإنسان قيمة أكبر، من خلال مواقفه، تتجاوز الأخبار المكتوبة، والفيديوهات المنتجة، وهو بذلك أقرب إلى الفكر الآسيوي الذي يرى أن الثقة بين الأطراف تسبق إبرام العقود.
إذا افترضنا صحة ذلك، فقد يعني ذلك أن في ثقافتنا هناك مفهوم متجذّر: الثقة والسمعة أهمّ من المكتوب والمرئي. الاتفاقيات تحل النزاعات القانونية، نعم. لكن الثقة تحلّ النزاعات قبل أن تبدأ. هذه ليست حالة اجتماعية عابرة، بل هي صفة متراكمة عبر سنين من التجربة. والصورة التي يرسمها الناس عنك ليست شيئاً تُخبرهم به، بل هم من يصنعونها من خلال ما يرونه، من عملك وسلوكك. صورتك الحقيقية ليست ما تقوله أنت لهم، بل ما يفهمه الآخرون عنك.
لكن، هنا سؤال آخر يتكرر اليوم: لماذا لا تنجح بعض رسائلنا الإعلامية عند مخاطبة الجمهور الخارجي؟ ومثال على ذلك، عدم قدرة بعض رسائلنا على التأثير في ما يخص الحرب في السودان؟ ليس لأنها ليست صحيحة، بل لأننا أحياناً نخاطب العقل الغربي بمنطق العقل العربي. نحن نتحدث عن الثقة والسمعة، بينما العقل الغربي يصغي للورق والمؤسسات. ولذلك، فإن الخطاب الإعلامي، قبل أن يبدأ، يجب أن يسأل أولاً من هو الجمهور؟
إذا حدّدنا الجمهور، نحدّد اللغة، والرسالة، والمنطق، وبعدها تأتي الأدوات، والمنصات، والانتشار. اليوم، المشكلة ليست في الوصول إلى الجمهور الخارجي، فكل الأدوات الرقمية متاحة للجميع، وإنما في مدى الأثر الذي تتركه الرسالة في المتلقي، وعندما نرى حملات إعلامية مموّلة هدفها تشويه الحقائق عن الإمارات، ندرك أن المعركة ليست حول الحقائق، بل حول إدراك الجمهور لها، وحول من ينجح في بناء الثقة لدى المشاهد بمصداقية رسالته.
المصداقية هي كلمة السر، وهي الحجة التي بنت عليها الإمارات صورتها في العالم، على الصدق قبل الكلمات، وعلى الفعل قبل الشعارات.
الإمارات ليست الأكبر من حيث عدد السكان والمساحة، مقارنة بجواره، لكنه يجذب الاستثمارات الأجنبية أكثر من دول تفوقه، حجماً واقتصاداً. المال لا يجاملك، والاقتصاد لا يبنى بتقارير منفصلة عن الواقع. العالم يستثمر في الإمارات لأنه يرى حاضرها، ويثق بمستقبلها، بمؤسساتها، بقيادتها. وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى شرح طويل. إنها ببساطة هي المصداقية.
في نهاية الأمر، تعلمت من تلك الجلسة على شاطئ السعديات، وكتاب جغرافيا الفكر درساً بسيطاً، هو أن الاختلاف بين العقل الشرقي والعقل الغربي ليس في اللغة، أو العادات، بل في زاوية النظر. والمصداقية التي بنت عليها الإمارات صورتها في العالم هي المرتكز الحقيقي لسمعتها، وهي التي تجعل العالم يأتي إليها، ويثق بمستقبلها، ويستثمر فيها، مدركاً أن الإمارات أرض الأفعال، وليست الشعارات. وهنا أتذكّر ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، قبل سنوات عدّة:
«أغلى ما نمتلك في بلادنا على مَرّ الأيام، ولازم نورّثه لأجيالنا، ونظهره قدّام العالم، هي مصداقيتنا».