الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ثلاثة أسئلة عراقية بعد الخروج الأمريكي

18 أكتوبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 18 أكتوبر 2026 00:05 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في أعقاب انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وخروج القوات الأمريكية من العراق في نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، تدخل البلاد مرحلة جديدة تعيد طرح الأسئلة بشأن سيادتها وأمنها وعلاقاتها الإقليمية، ويحمل تنفيذ قرار الانسحاب ثقل تاريخ بدأ بالغزو وتفكيك الدولة، مروراً بسنوات العنف الطائفي وصعود تنظيم «داعش»، ثم بعودة التدخل العسكري تحت عنوان محاربته، ولهذا، يستدعي الخروج ذاكرة عراقية مثقلة بالخسائر، ويعيد فتح النقاش حول ما آلت إليه البلاد بعد أكثر من عقدين من التدخل الأمريكي، أما قيمته بالنسبة إلى المستقبل، فستتحدد بقدرة العراقيين على استثمار هذه اللحظة لتوسيع استقلال قرارهم، وبناء مؤسسات تستطيع تحمل المسؤوليات الأمنية والسياسية التي تضعها المرحلة أمامهم.
ومن الطبيعي أن يُستقبل انتهاء مهمة التحالف بوصفه خطوة في مسار استعادة السيادة، خصوصاً في بلد ظل الوجود العسكري الأجنبي فيه مصدراً للانقسام، وذريعة تستخدمها قوى متنافسة لتبرير خياراتها، لكن السيادة تصبح أكثر تعقيداً حين تنتقل من الخطاب إلى الممارسة، فهي تظهر في قدرة الحكومة على إنفاذ قراراتها، وحماية حدود البلاد، ومنع استخدام أراضيها في صراعات لا يقررها العراقيون، وفي خضوع أصحاب السلطة أنفسهم للقانون، ومن هذه الزاوية، تفتح مرحلة ما بعد الخروج الأمريكي ثلاثة أسئلة عراقية تتعلق بالقرار الأمني، والعلاقة بين بغداد وأربيل، وموقع البلاد في محيطها الإقليمي.
يرتبط السؤال الأول بالجهة التي تمتلك قرار استخدام القوة في العراق، وإذا كان الدستور يحصر هذا القرار في مؤسسات الدولة، غير أن الواقع الذي تشكّل خلال السنوات الماضية جعل المسافة واسعة بين الصلاحيات الرسمية والقدرة الفعلية على ممارستها، فبعض الجماعات المسلحة تجمع بين حضورها داخل أجهزة الدولة، ونفوذها السياسي والاقتصادي، واحتفاظها بعلاقات وقيادات تمنحها مجالاً للتحرك خارج قرار الحكومة، وهذا التداخل يجعل تنظيم السلاح مسألة تتصل ببنية السلطة كلها، وبالطريقة التي توزّع بها الموارد والمناصب والحماية.
قد يسحب الخروج الأمريكي من هذه الجماعات أحد المبررات التي استندت إليها للاحتفاظ بسلاحها واستقلال قرارها، لكنه لا يلغي المصالح التي نشأت حول هذا السلاح، ولا يحسم الخلاف بشأن دور الفصائل وعلاقتها بالدولة والجوار، فالقوة المسلحة، حين تقترن بمكاسب سياسية واقتصادية، تصبح جزءاً من ترتيب داخلي يصعب تغييره بمجرد تبدّل الظروف التي ساعدت على نشأته، ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي أمام بغداد هو قدرتها على تحويل انتهاء المهمة الأجنبية إلى بداية لمسار يعيد تنظيم العلاقة بين المؤسسات الرسمية ومراكز القوة المتعددة.
أما السؤال الثاني، فيتعلق بقدرة بغداد وأربيل على بناء أمن مشترك يستند إلى ثقة سياسية قابلة للاستمرار، فقد أدّى الحضور الأمريكي دوراً أساسياً في موازين العلاقة بين الطرفين، ومع تراجعه، تصبح الحاجة أكبر إلى ترتيبات عراقية واضحة، خصوصاً في المناطق التي تتداخل فيها المسؤوليات الأمنية وتتقاطع فيها النزاعات على الأرض والصلاحيات والموارد.
هناك العديد من القضايا الحساسة موضع الخلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، مثل قضايا الموازنة والرواتب والنفط والصلاحيات، وهي قضايا تمس حياة الناس مباشرة، وتؤثر في تصوراتهم عن الشراكة داخل الدولة، وحين تتحول هذه الملفات إلى أدوات ضغط متبادل، سيكون طبيعياً أن تتراجع الثقة وتزداد الحاجة إلى ضمانات خارجية، ومن هنا، فإن المرحلة الجديدة تتطلب قواعد أكثر استقراراً لإدارة الخلاف، بما يحمي الحقوق ويحدّ من ربطها بالتجاذبات السياسية المتغيرة.
ويتصل السؤال الثالث بموقع العراق في إقليم تتزاحم فيه الحروب والمصالح ومشروعات النفوذ، فهل سيكون قادراً على إدارة علاقاته الخارجية وفق أولويات وطنية، وعلى حماية أراضيه من أن تصبح امتداداً لمواجهات الآخرين؟.تلتقي الأسئلة الثلاثة عند طبيعة الدولة العراقية، وقدرتها على أن تصبح مرجعية مشتركة لمجتمع أنهكته الحروب والانقسامات، فالخروج الأمريكي يلقي بالمزيد من الأعباء والمسؤوليات على عاتق السلطات العراقية، ويقلّص إمكان إحالة الإخفاقات إلى وجود القوات الأجنبية وحده.
لقد دفع العراقيون أثماناً باهظة لتفكك دولتهم، ومن حقهم أن تفتح هذه المرحلة أفقاً يتجاوز تبدّل الحضور العسكري وموازين النفوذ، ويتطلب ذلك استعداد القوى الحاكمة لمراجعة امتيازاتها وطريقة ممارستها للسلطة، وقبولها بأن استقلال البلاد يرتبط بحق مواطنيها في مراقبة من يديرها ومحاسبته، عندئذ يكتسب الخروج الأمريكي معناه الأعمق، بوصفه فرصة لبناء دولة تستطيع حماية مجتمعها، وصيانة علاقاتها، واتخاذ قراراتها من موقع المسؤولية أمام العراقيين.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة