صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
حسام ميرو
إعلامي
أحدث مقالات حسام ميرو
7 يونيو 2026
العرب والنظام الدولي.. غياب أم عجز بنيوي؟

يشهد العالم في اللحظة الراهنة تحولات عميقة تعيد تشكيل بنية النظام الدولي الذي استقر نسبياً منذ نهاية الحرب الباردة. فالتوازنات القديمة لم تعد قائمة، والهيمنة الغربية لم تعد مطلقة كما كانت، فيما تتقدم قوى دولية جديدة لتفرض حضورها في معادلات القوة والنفوذ. من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط، ومن الأزمات الاقتصادية العالمية إلى تصاعد النزعات القومية، يبدو العالم وكأنه يدخل مرحلة سيولة استراتيجية مفتوحة على احتمالات متعددة، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في خضم هذه التحولات هو: أين يقف العرب من كل ذلك؟

نظراً إلى الواقع العربي المعقد، وإلى ما شهده من تحولات عميقة منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، ولاحقاً تفتّت عدد من الدول العربية بفعل ما سمي «الربيع العربي»، يبدو من الصعب مفاهيمياً الحديث عن العرب بصيغة الجمع، لكن أيضاً يصعب الاستغناء كلياً عن هذه الصيغة، خصوصاً أن الفاعلين الدوليين الكبار ينظرون إلى العرب بصيغة الجماعة القومية/ الجغرافية، وضمناً باعتبارهم منظومة ثقافية، فيها مشتركات لا تزال قائمة، وعلى الرغم من هذه الحالة اللايقينية للمفهوم، إلا أنه لا يمكن القول إن العرب اليوم خارج النظام الدولي، فهم منخرطون في مؤسساته، ومتفاعلون مع دينامياته السياسية والاقتصادية، لكن هناك تراجع كبير في صورة العالم العربي، في ظل عدم وجود تصور واضح لكيفية التأثير في صياغة قواعد هذا النظام، بل ووجود تناقضات عربية-عربية، تجعل التفاعل مع النظام الدولي يسير في اتجاهات متباينة.

منذ مطلع الألفية، كان هناك استسهال دولي مستمر واستهانة في شكل تعاطي القوى الفاعلة دولياً وإقليمياً في العالم العربي، حيث أسهمت قوى عالمية وإقليمية في تحويل العالم العربي إلى أكبر ساحة صراع دولية، نظراً لما يتمتع به من موقع جغرافي حيوي، وغنى بالموارد، بالإضافة إلى ما يتمتع به من ضعف، يجعله قابلاً للاختراق والتوظيف، وبدل أن تترجم الميزات الجيوسياسية والموارد الغنية إلى عامل قوة وفاعلية، تحوّلت في المجمل إلى النقيض، أي إلى سبب رئيسي في إعادة الصراع العالمي إلى المنطقة، ودفعها مرة أخرى، لتكون تحت هيمنة القوى الخارجية.

هذه الحالة، التي ظهرت بحدة في الأعوام الأخيرة، لها جملة من الأسباب البنيوية العميقة، ربما في طليعتها غياب التوافق على تصور محدد لمنظومة الأمن والاستقرار، وهو تصور كانت ملامحه موجودة بقوة في مبادرة السلام العربية، التي قدمتها السعودية في القمة العربية في بيروت عام 2002، وقد كانت فرصة مهمة لهندسة مصالح الدول العربية والإقليمية، لكن هذا التصور الذي شُتت بدفع من قوى عديدة، في مقدمتها إسرائيل، يدفع الجميع اليوم ثمن هدمه، بما في ذلك إسرائيل نفسها.

في الشقّ السياسي العام، انكفأت معظم الدول الوطنية في العالم العربي إلى قضاياها الداخلية، وبغض النظر عن المبررات، التي قد تكون مفهومة في بعض الأحيان، خصوصاً فيما يتعلق بالاستقرار والتنمية، إلا أن هذا الميل، لم يتكافأ من حيث النتيجة، مع حالة الضعف العامة التي أصابت العالم العربي، في الوقت الذي شهدت فيه مؤشرات التنمية في عدد من البلدان تراجعاً كبيراً، خصوصاً مع تراجع التبادل التجاري البيني بين الدول العربية، على وقع الحروب والاضطرابات التي امتدت لسنوات طويلة في عدد من البلدان العربية.

في الجانب الاقتصادي، لم تستغل عوامل القوة الموجودة لبناء كتلة اقتصادية، تكون رافعة للتأثير السياسي في النظام الدولي، وبقيت المعادلة التي تحكم العلاقة بين الموارد والتأثير ناقصة، في الوقت الذي مضت فيه دول الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال لا الحصر، إلى تحويل القرار السياسي إلى قيمة اقتصادية، مضافة إلى العوامل الاقتصادية القائمة.

وفي الجانب الفكري، ثمة أكثر من معضلة، ربما أهمها وجود عدم تكافؤ بين ضرورتين لا تنفي إحداهما الأخرى، أي الاستقلال والانخراط، خصوصاً عندما تتحول الأولى إلى انعزال، وتفتقد الثانية الدور المطلوب على المدى البعيد، ويضاف إلى هذه المعضلة واحدة أخرى، لا تقلّ أهمية، وهي وجود طابع مزدوج في العلاقة مع النظام الدولي، فمن جهة، هناك خطاب نقدي واسع يندّد بازدواجية المعايير الدولية وغياب العدالة، ومن جهة أخرى، هناك اعتماد فعلي على هذا النظام في مجالات الأمن والاقتصاد والسياسة.

في المحصلة، لا يبدو موقع العرب في النظام الدولي قابلاً للاختزال في ثنائية الغياب أو الحضور، بقدر ما يعكس حالة مركّبة من حضورٍ واسع في الجغرافيا السياسية، مقابل فاعلية محدودة في التأثير على قواعد هذا النظام واتجاهاته، ومع أن التحولات الجارية في بنية النظام الدولي تفتح -موضوعياً- بعض الهوامش لإعادة التموضع وإعادة تعريف الأدوار، فإن الاستفادة من هذه اللحظة تبقى مرهونة بقدرة الدول العربية على تطوير أشكال أعلى من التنسيق، وتجاوز منطق الانكفاء، وبناء حد أدنى من الرؤية المشتركة للمصالح والتحديات.

[email protected]

29 مايو 2026
أمريكا.. بين الشك واليقين العالمي

تواجه أمريكا، وربما للمرة الأولى منذ صعودها كقوة إمبراطورية على المسرح العالمي، بعد الحرب العالمية الثانية، حالة غير مسبوقة، كشفت عنها الأشهر الأخيرة، في حربها مع إيران. لا تتعلق هذه الحالة بمدى تفوقها، العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، وإنما بمدى الثقة العالمية وبمدى قدرتها على الهيمنة في النظام الدولي، هذه الهيمنة التي كانت، في جوهرها، تعكس حالة من الإيمان العالمي بقدرة الولايات المتحدة على الحسم، وبمشروعية دورها في النظام الدولي، وهو دور يشهد حالة مراجعة عميقة، إن لم نقل اهتزازاً، وبالتالي، فإن السؤال المطروح لا يتعلق بكون الولايات المتحدة لا تزال القوة الأكبر أم لا، وإنما هل لا يزال العالم يثق بهذه القوة كما كان على مدار أكثر من ثمانية عقود؟ وهنا تحديداً، تتبدى ملامح ما يمكن تسميته ب«طور الشكّ العالمي».

إن مراجعة الدور الأمريكي في النظام الدولي، والتي تظهر اليوم بحدّة عبر عدد من المؤشرات، كانت قد بدأت فعلياً بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، والذي طرح إشكالية تتعلق بمبررات التدخل، وحدوده، حين تبيّن أن الأسس التي بُنيت عليها الحرب لم تكن دقيقة، ما دفع العالم للنظر إلى السلوك الأمريكي بوصفه تعبيراً عن إرادة أحادية، أكثر منه قيادة دولية، ما أحدث تحولاً نوعياً، فلم تعد الولايات المتحدة تُنتقد على نتائج أفعالها فقط، وإنما أيضاً على دوافعها ونواياها، خصوصاًَ مع الافتراق، أو القطيعة التي أحدثها هذا الاحتلال، بين سردية أمريكية تاريخية تقول بدعم الديمقراطية، واحترام الأمم المتحدة، وبين واقع يفتت بلداً بأكمله، خارج إطار الشرعية الأممية، وكانت بذلك، لحظة احتلال العراق ملمحاً أساسياً من ملامح الانتقال إلى مرحلة الشكّ العالمي بأمريكا، كقائدة للنظام الدولي، ومسؤولة أساسية عن حماية القواعد الدولية.

بعد ذلك، جاءت لحظة الانسحاب من أفغانستان 2021 لتعمّق هذا التحول، ليس بوصفها نهاية حرب طويلة فقط، بل كصورة مكثفة لانكشاف استراتيجي، فقد أثار الانسحاب تساؤلات جديّة، لدى الحلفاء قبل الخصوم، حول مدى استمرارية الالتزام الأمريكي، وحول قدرة واشنطن على إدارة مشاريع طويلة الأمد، وبشكل أساسي حول صوابية الرؤية الاستراتيجية الأمريكية، من عدمها، ومستوى الارتجال في اتخاذ قرارات بالغة الأهمية، وعالية المخاطر والكلفة، بين احتلال سريع وانسحاب مفاجئ، بينهما عشرون عاماً من الفشل في تحويل أفغانستان إلى دولة مؤسسات، والأنكى من ذلك، أنها سلمت السلطة، فعلياً، لمن دخلت الحرب لإخراجهم من السلطة.

وفي الوقت الذي بقيت فيه الولايات المتحدة تعتمد على تعريف نفسها بصورة نمطية، مبنية على التفوّق العسكري، قياساً إلى ما تمتلكه من أساطيل بحرية وجوية، وتكنولوجيا عالية، وتمدّد عسكري على مساحات في مختلف القارات، وهو ما برح الرئيس دونالد ترامب التذكير به مرات ومرات في الأشهر الثلاثة الأخيرة، فإن العالم شهد صعوداً هادئاً للصين، من دون أن تلوّح بشكل مباشر بقوتها العسكرية، وهي دولة نووية، وتشكّل نحو 18% من الديموغرافيا العالمية، وثاني اقتصاد عالمي، وقد تمكنت من بناء شراكات واسعة، اقتصادياً وتجارياً، تكاد تكون الأوسع نطاقاً عالمياً، خصوصاً من حيث تصدير السلع.

وعلى الرغم من المكانة الكبيرة للصين في النظام والسوق الدوليين، إلا أنها آثرت عدم الانخراط في صراعات مباشرة في العالم، كما حافظت على الدوام على نبرة دبلوماسية رصينة. فيما عمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى إهانة الرئيس الأوكراني زيلينسكي، خلال زيارته البيت الأبيض، كما انتقد الدول الأوروبية والعديد من زعمائها بشكل فظ، ما يكشف الفارق بين ما تفعله أمريكا والصين في علاقاتهما الدولية.

في المحصلة، أن الولايات المتحدة، لم تفقد بعد مكانتها بوصفها القوة العسكرية الأكبر في العالم، لكنها فقدت أمراً أكثر أهمية، وهو اليقين العالمي بها، والتحول من الثقة إلى الشك، وهذا التحول هو اللحظة التي تدخل فيها القوى الإمبراطورية مرحلة جديدة من تاريخها، حيث لا تعود القوة كافية بحدّ ذاتها، وإنما تصبح هذه القوة مجال اختبار دائم، وليست حقيقة مسلّماً بها.

[email protected]

24 مايو 2026
أمريكا بين القوة المُرهَقة وحدود الهيمنة

ما كان يفترض أن تكون عليه الحرب الإيرانية، أي حرب عسكرية سريعة ذات هدف سياسي محدد، وهو إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، تحوّل إلى لحظة فارقة وكاشفة لطبيعة القوة الأمريكية في مرحلتها الراهنة، فهي قوة إمبراطورية قادرة على شنّ ضربات عسكرية بالغة الدقة، لكنها عاجزة عن الحسم، ومترددة في تحمّل الكلفة، وهي حاضرة في كلّ الملفات، لكنها تفتقد تدريجياً القدرة على فرض النتائج، وهذه المفارقة تختصر المأزق البنيوي الذي تعيشه الولايات المتحدة اليوم، مأزق القوة المُرهَقة، حيث لا يكفي التفوق العسكري والتكنولوجي للحفاظ على الهيمنة في عالم يتغير بسرعة، وتتآكل فيه أدوات السيطرة التقليدية.

على مدى عقود ما بعد الحرب الباردة، قامت الهيمنة الأمريكية على فرضية القدرة على إدارة النظام الدولي، سواء عبر القوة الصلبة أو من خلال مؤسسات العولمة، إلا أن ما أظهرته الحرب الأخيرة هو انتقال واشنطن من موقع صانع النظام إلى موقع مدير الأزمات.

انخرطت الولايات المتحدة في حالة من التمدد الاستراتيجي المفرط، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن التنافس مع الصين إلى الالتزامات في شرق آسيا، ما جعلها مضطرة للتعامل مع شبكة معقدة من الصراعات المفتوحة، وأعادت الحرب الأخيرة طرح أسئلة في الداخل الأمريكي حول مسائل أساسية في استراتيجية الدفاع الأمريكية، بدءاً من مخزونات السلاح النوعي، الذي استهلك قسماً لا بأس به في الحرب ضد إيران، وصولاً إلى الأعباء الكبيرة التي تشكلها ميزانية الدفاع السنوية.

تقف الولايات المتحدة أمام مفترق طريق، تبدو فيه الخيارات المطروحة أمامها محدودة وغير متكافئة مع قوتها العسكرية، فإما أن تعاود استئناف الحرب من جديد، مع غياب اليقين بأن تكون الجولة الجديدة أفضل من حيث النتائج من سابقتها، وإما أن تقبل بتقديم تنازلات كبيرة لإيران، وهو خيار ليس أفضل حالاً بالنسبة لها من الخيار الأول، على مستوى المكانة والتأثير السياسيين في القضايا والصراعات حول العالم.

إن التفوق الأمريكي العالمي، بما فيه التفوق الاقتصادي، لم يعد تفوقاً بلا قيود، حيث تراجعت قدرة واشنطن على تحديد الاتجاهات العامة للاقتصاد الدولي أو العلاقات الدولية، كما أن رغبة الرئيس دونالد ترامب في فك الارتباط ما أمكن عن الاقتصاد العالمي، والذي ترجمه عبر إجراءات فرض الرسوم الكبيرة على الصادرات الأوروبية والصينية، يصطدم، خصوصاً في ما يتعلق بالصين، بمدى التشابك البنيوي بين الاقتصاد الأمريكي والصيني، والذي يمتد على مساحة واسعة، من سوق السلع إلى التكنولوجيا فائقة الذكاء، التحولات العالمية في السنوات القليلة الماضية، لا تقتصر على الولايات المتحدة وحدها، وإنما تمتد إلى حلفائها أيضاً، فأوروبا، التي كانت شريكاً ثابتاً في السياسات الأمريكية، بدأت تعيد حساباتها تحت ضغط الطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا، أما الصين، فتقدم نموذجاً مختلفاً، فهي قوة صاعدة تفضل إدارة التنافس بدل الانخراط في صدام مباشر، وتطرح نفسها كشريك اقتصادي لا كقوة مهيمنة عسكرياً.

إن ما تواجهه الولايات المتحدة اليوم ليس فقدان القوة، وإنما فقدان القدرة على استخدامها بفعالية، وعدم القدرة على تطابق النتائج مع الأهداف، وعدم الاعتراف بمستوى السيولة التي يتمتع بها النظام الدولي الحالي، حيث تتوزع مراكز القوة، ما يجعل من الصعوبة بمكان فرض الإرادة السياسية انطلاقاً من التفوق العسكري، الأمر الذي يتطلب استراتيجيات جديدة تسمح بالتأثير، تأخذ في الحسبان مستوى التعقيد في شبكة العلاقات الدولية.

لقد آثر الرئيس دونالد ترامب العودة إلى مفهوم الهيمنة ببعده الأحادي، الذي يعتمد مبدأ القوة في تشكيل العلاقات وفرض القواعد بين الدول، وقد رأينا التطبيق العملي لهذا المبدأ في فنزويلا، ثم تصريحه حول الاستيلاء على غرينلاند الدنماركية كضرورة للأمن القومي لبلاده، ثم الحرب ضد إيران، لكن هذه العودة تجاهلت خصوصية كل نموذج، على المستوى الجيوسياسي، مثلما تجاهلت تأثير المقومات الأخرى التي تبنى عليها الهيمنة، وهو ما تواجهه واشنطن نتائجه كعبء كبير، بين التمترس حول القوة، مع احتمال كبير باستهلاكها بلا طائل، أو الاستدارة نحو بناء نموذج مختلف للهيمنة، لكن لا تتمتع فيه بموقع القائد الأوحد.

[email protected]

16 مايو 2026
فخ «ثوسيديدس» الأمريكي الصيني

في الوقت الذي يعيش فيه العالم أزمة غير مسبوقة على وقع الحرب الإيرانية التي لم تجد طريقها للحسم العسكري أو الوصول إلى اتفاق، زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكين، مستبقاً هذه الزيارة بتصريح سياسي قال فيه «لا نحتاج إلى مساعدة الصين في الملف الإيراني»، لكن الزيارة في شكلها ومضمونها وتوقيتها تؤكد أنه لا يمكن تجاوز دور الصين في ترتيبات الأمن العالمي، بما فيها الترتيبات المرتبطة بحرية الملاحة في مضيق هرمز، والذي أصبح رهينة بيد إيران، فجوهر هذه الترتيبات يقوم على حماية الموقع الاقتصادي والتجاري للدول في المنظومة العالمية، خصوصاً الدولتين الأهم في العالم، أمريكا والصين.

في مستهل المباحثات بين الجانبين الأمريكي والصين، سأل الرئيس شي جين بينغ نظيره الأمريكي: هل نستطيع تجاوز «فخ ثوسيديدس»؟ وهذه الاستعارة المشهورة من التاريخ اليوناني، حين هدّد صعود أثينا مكانة إسبارطة، ما جعل الحرب بينهما حتمية، حاول من خلالها الرئيس الصيني أن يقول: إن صعود بلاده القوي على المسرح العالمي، ينبغي ألا يدفع بالضرورة نحو صدام حتمي بين بكين وواشنطن، وأنه ينبغي العمل على عدم الوقوع في هذه الفخ المدمر لكلا القوتين.

تدرك كل من واشنطن وبكين أنه لا توجد مقومات فعلية لخطاب فك الارتباط بينهما، فالعلاقة بين واشنطن وبكين هي من أكثر العلاقات تشابكاً وتعقيداً في التاريخ، إذ أنه بمجرد ترك عالم الدعاية الأيديولوجية والدخول في عالم الأرقام، يظهر جلياً حجم التشابك بين اقتصادي هاتين الإمبراطوريتين، فمتوسط حجم التبادل التجاري بينهما في السنوات الخمس السابقة، بلغ نحو نصف تريليون دولار، في كل عام، إذ تستورد الأسواق الأمريكية سنوياً نحو 13% من إجمالي السلع المستوردة من الصين.

هذا التشابك التجاري ما هو إلا أحد أوجه العلاقة المعقدة بين أكبر اقتصادين في العالم، ففي قطاع التكنولوجيا، يتنافس الاقتصادان على الوصول إلى المعادن النادرة، وبراءات الاختراع، واستقطاب المستثمرين، والأسواق، لكن على الرغم من حالة التنافس الشديدة بينهما، إلا أن هذا التنافس بحد ذاته ليس قيمة سلبية بالمطلق، بل عامل أساسي في تطوير قطاع التكنولوجيا فائقة الذكاء، لأنه يدفع نحو تسريعها من جهة، وتحولها إلى أداة هيمنة من جهة ثانية، خصوصاً مع الاعتماد العالمي المتسارع عليها، وبالتالي، فإن الشركات الأمريكية والصينية المتنافسة في هذا القطاع، تستفيد بشكل مشترك منه، حيث يغذي التنافس الطلب في الأسواق على منتجات هذه التكنولوجيا، سواءً أكانت أمريكية أو صينية.

بطبيعة الحال، منذ الولاية الأولى للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، أصبحت الصين تشكل الخطر الأول على الأمن القومي الأمريكي، وهو ما يفرض على واشنطن بلورة استراتيجية متكاملة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً للحدّ من هذا التهديد، وتخفيض مخاطره، لكن ليس بالضرورة بمكان أن تفهم من هذه الاستراتيجية على أنها سعي نحو فكّ ارتباط مع بكين.

إن الإقرار باستحالة فكّ الارتباط، يؤكد أن العلاقة بين واشنطن وبكين باتت محكومة بمنطق إدارة الصراع لا حسمه، فالإدارتان تدركان أن الانتقال إلى مواجهة مفتوحة له تكلفة كارثية على الاقتصاد والاستقرار العالميين، ولذلك، فإن ما نشهده اليوم هو نمط جديد من التنافس المركب، الذي تتجاور فيه أدوات الردع العسكري مع أدوات الاعتماد الاقتصادي المتبادل.

في هذا السياق، تبرز أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، وبحر الصين الجنوبي، باعتبارها نقاط تماس غير مباشرة بين القوتين، فإذا كانت إيران تستخدم موقعها الجغرافي كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة، فإن الصين تنظر إلى هذه المنطقة بوصفها شرياناً حيوياً لتدفق الطاقة، ما يجعلها معنية بشكل مباشر بأي تصعيد فيها، حتى وإن لم تكن طرفاً عسكرياً فيه، وهذا ما يفسر التناقض الظاهري بين الخطاب الأمريكي الذي يقلل من دور بكين، والسلوك العملي الذي يسعى إلى إشراكها في إدارة الأزمات.

إن السؤال الذي طرحه شي جين بينغ حول «فخ ثوسيديدس» لا يزال مفتوحاً، ليس فقط على مستوى النوايا السياسية، بل على مستوى قدرة النظام الدولي ذاته على استيعاب صعود قوة كبرى جديدة من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لئلا يتحول «فخ ثوسيديدس» إلى كارثة عليهما وعلى العالم أجمع.

[email protected]

10 مايو 2026
الحرب وإعادة تعريف النظام الإقليمي

وضعت الحرب الإيرانية منطقتنا ونظامنا الإقليمي أمام مشهد غير مسبوق في تاريخ المنطقة، والعالم، وكشفت عمق وحِدّة المشكلات والأزمات التي كانت موجودة، لكنها كانت مضبوطة وفق تفاهمات الحدّ الأدنى في كثير من الأحيان، وقد كشفت أيضاً أن فكرة النظام الإقليمي نفسها، وصلت إلى مأزق كبير، هذه الفكرة التي تنطوي على مجموعة العلاقات بين الدول، بما فيها المعاهدات والاتفاقات، وآليات تحقيق المصالح، الاقتصادية والتجارية، وسبل التعاون الأمني بين المؤسسات المعنية، وهذه كلها اليوم في أسوأ حال لها عبر تاريخ المنطقة، خصوصاً أن المعنيين بالمشهد الحالي هم معظم دول العالم، التي تأثرت بهذه الحرب، بعد ارتفاع أسعار النفط، وإغلاق مضيق هرمز، وحالة عدم اليقين بما ستؤول إليه الأوضاع، في ضوء غياب إجابة واضحة عن سؤال عودة الحرب مرة أخرى، في حال بقي الوصول إلى اتفاق بين واشنطن وطهران متعذراً.

الإشكالية الكبرى التي تواجه الجميع اليوم، هي تحديد المصالح الممكنة، وليس المصالح المرغوب فيها، وإذا ذهبنا خطوة أبعد، يمكن القول إن هذه المشكلة تطال تعريف حدود القوة لدى كل دولة من الدول الإقليمية المنخرطة في هذا الصراع، بشكل مباشر أو غير مباشر، خصوصاً إيران وإسرائيل، المعنيتين بقراءة كلّ منهما لحدود قوتها، وممكنات تحقق هذه القوة بالفعل، ومدى قبول الدول الأخرى بوجود معادلات قوة غير متناسبة مع مصالح هذه الدول.

في العقد ونصف العقد الأخير، سعت كل من تركيا وإيران وإسرائيل، إلى تحويل نفسها إلى مغناطيس، يريد جذب أكبر قدر ممكن من القوى الأخرى، وكل واحدة من هذه الدول الثلاث استخدمت ما لديها من إمكانات، وأدوات، وأيديولوجيا، ووضعت خططها موضع التنفيذ، إذ إن كل واحدة منها أرادت أن تسبق الأخرى لتضع يدها على أكبر قدر ممكن من الجغرافيا والموارد، والهيمنة على أوسع قدر ممكن من القرار، وفي الأثناء كان النظام الإقليمي، برمّته، يذهب سريعاً نحو انهيار كبير في تعريف العلاقات بين الدول، وتناقص في قدرة الدبلوماسية على إيجاد حلول عقلانية قابلة للاستدامة.

من جهتها، قامت إسرائيل، وعلى خطوات، بإضعاف السلطة الفلسطينية الشرعية، وكانت مرتاحة إلى الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني الذي يضع الكرة في ملعب الفلسطينيين أنفسهم، ويظهرهم كفرق متخاصمة، سياسياً وأيديولوجياً، وعلى الرغم من مسؤولية هذا السلوك الإسرائيلي إلى حد بعيد في الوصول إلى «طوفان الأقصى»، إلا أن إسرائيل وجدت في هذا «الطوفان» فرصة مناسبة لتدمير فرص أيّ حل للقضية الفلسطينية، بعد أن دمّرت البنى التحتية والخدمية والصحية، في القطاع، وأودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، وحوّلت غزة إلى قطاع من الأنقاض والبؤس الإنساني.

أما تركيا وإيران، فأسرعتا إلى الاستفادة من تداعيات ما سمي «الربيع العربي» في ساحات عدّة (العراق، ليبيا، اليمن، لبنان، سوريا، فلسطين)، بالاعتماد على قوى فصائلية غير نظامية، أضيف الكثير منها إلى ما كان موجود أصلاً، وقد أصبحت جميعها -بدرجات متفاوتة - جزءاً فاعلاً من المشهد العسكري والسياسي في الإقليم، على حساب تراجع الدول الوطنية التي كانت قائمة في هذه البلدان، الأمر الذي وضع الجميع أمام معادلة جغرافيا ممتدة ومفتوحة أمام قوى تعمل بالوكالة، على حساب الدولة، والمؤسسة، والنظام، والجيش.

في هذا السياق، لم يعد الحديث عن «نظام إقليمي» بوصفه بنية مستقرة قابلة للوصف الكلاسيكي كافياً لفهم ما يجري، لأن عناصر هذا النظام نفسها باتت موضع إعادة تشكيل مستمرة، فالعلاقات بين الدول لم تعد تُدار وفق قواعد متفق عليها، ولو ضمنياً، بل وفق توازنات متحركة تتغير بتغير الوقائع الميدانية، وبقدرة كل طرف على فرض أمر واقع جديد، أو تعطيله، كما أن مفهوم الردع الذي حكم الإقليم لعقود لم يعُد يعمل بالمنطق نفسه، إذ لم يعد الهدف منع الحرب، بل إدارة احتمالاتها، وتوزيعها على أكثر من ساحة، بحيث لا تنفجر في مركز واحد بشكل حاسم، بل تبقى موزعة على أطراف متعددة.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال عن «النظام الإقليمي» نفسه غير محسوم، فهل لا يزال هذاالنظام قائماً بوصفه بنية يمكن تحليلها، أم أنه تحوّل إلى حالة حركة دائمة لا تستقر على شكل محدّد؟ وهل يمكن الحديث عن قواعد تحكم هذا النظام، أم أن ما يوجد هو فقط توازنات مؤقتة بين قوى غير متكافئة، تتغير باستمرار وفق منطق القوة لا منطق القاعدة؟.

وربما لا يكون السؤال الأهم الآن هو ما إذا كان النظام الإقليمي قد انهار، أو لا يزال قائماً، بل ما إذا كانت المنطقة نفسها لا تزال قابلة لأن تُفهم عبر فكرة النظام أصلاً، أم أن ما نشهده هو انتقال بطيء نحو واقع لا ينتج نظاماً بقدر ما ينتج سلسلة متواصلة من التحولات التي لن تستقر في المدى المنظور على شكل نهائي؟

[email protected]

28 أبريل 2026
التفاوض الأمريكي الإيراني وحدود إدارة الصراع

رحّبت معظم دول العالم بإعلان الهدنة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة ثانية، على أمل أن يؤدي التفاوض المباشر بين أطراف الحرب إلى اتفاق ينهي الحرب بشكل نهائي، بعد أن أرخت الحرب بظلال كثيفة على العلاقات الدولية، والصناعات، والأسواق، مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى غير مسبوق منذ عقود، وغياب اليقين حول حرية الملاحة المستقبلية في مضيق هرمز، لكن جولة التفاوض التي عُقدت في إسلام آباد انتهت إلى الفشل، وذهبت معها الآمال القصيرة التي تعلّقت عليها.

المشكلة العميقة في التفاوض بين أمريكا وإيران، وربما مطلق أيّ تفاوض سياسي، أن التفاوض ذاته يمتلك معاني مختلفة بين الأطراف المعنية، خصوصاً أن امتحان رغبة هذه الأطراف في إنهاء الصراع أمر لا يمكن الوثوق به، فما يدفع الأطراف إلى التفاوض ليس دائماً رغبتها الأكيدة في إنهاء الصراع، وإنما في الكثير من الأحيان محاولتها معرفة مدى حاجة الخصم للوصول إلى اتفاق ينهي الصراع، والثمن المستعد لدفعه، وقدرته الفعلية على الالتزام به، في حال وافق عليه.

يلعب في التفاوض أمر لا يمكن تجاوزه، وهو ذاكرة العلاقة مع الخصم، خصوصاً في ما يتعلق باتفاقات سابقة، ففي الحالة الأمريكية الإيرانية، كان بين الطرفين اتفاق حول الملف النووي، أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، لكن الرئيس ترامب قام في ولايته الأولى بالانسحاب من الاتفاق، وهو في ولايته الثانية، وبعد جولة ثانية من الحرب دامت لأكثر من شهر، يريد الوصول إلى اتفاق.

وتعتقد الإدارة الأمريكية الحالية أن طهران فهمت الاتفاق الذي أبرمته معها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما على أنه اعتراف أمريكي بهيمنتها على ساحات عدة في الشرق الأوسط، وضوء أخضر لتوسعة نفوذها، وبالتالي، فإن واشنطن تريد لأي اتفاق مع طهران أن يضمن انكفاء تدريجياً لإيران داخل حدودها، أي أن يكون لهذا الاتفاق قدرة على تحجيم النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وهذا مطلب مشترك أمريكي إسرائيلي، وهما الطرفان اللذان يخوضان الحرب كحلفاء.

لم تحقّق واشنطن الهدف الذي أعلنت عنه في بداية الحرب، وهو إنهاء النظام الإيراني، فاغتيال عدد كبير من كبار القادة العسكريين والسياسيين، وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، لم يفتح المجال أمام تدفق الجماهير إلى الساحات والمطالبة بإسقاط النظام.

الطرفان الأمريكي والإيراني يدركان تماماً أن التفاوض لا يعمل في فراغ، وإنما يتحرك ضمن إطار تحدّده مسبقاً موازين القوة، وطالما أن موازين القوة لم تحدث فيها اختلالات كبيرة، فإن التفاوض يزداد صعوبة، ويصعب التعامل معه بوصفه إملاء شروط سياسية من قبل طرف على آخر.

لكن أيضاً، المفاوضات بين أمريكا وإيران ليست اختباراً لحدود قوة الطرفين فقط، أو اختبار مستوى الثقة بينهما، لكنها في الأصل مفاوضات في قلب النظام الدولي الذي يعاني، منذ أكثر من ثلاثة عقود، تراكم الخلل، وهشاشة التفاهمات.

إن التعقيدات العديدة التي انطوت عليها الحرب لا تجعل من فشل التفاوض مفاجأة، بل تجعل من توقع نجاحه أمراً غير واقعي، فهذه الجولة التفاوضية ليست حدثاً منفصلاً عن تقويم سياسي مزدحم بالمشكلات البنيوية من جهة، ومتعدد الأطراف من جهة أخرى. لذلك بدا جلياً أن الطرفين المفاوضين لم يدخلا إلى التفاوض للوصول إلى اتفاق، بل بوصفه امتداداً لمسار اختبار القوة المتبادل بينهما.

لم يشهد النظام الدولي في القرن الحالي حرباً معقدة وكونية مثل هذه الحرب، وهي في نهاية المطاف أحد أشدّ تعبيرات أزمته البنيوية، وأحد أبرز أشكالها العسكرية المباشرة. ولئن فشلت الحرب في تحقيق انتصار أمريكي حاسم، أو الوصول إلى تسوية، فذلك لأن كل القوى المنخرطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، تعلم بأن ما سيترتب عن هذه الحرب، في الميدان أو على طاولة التفاوض، سيرسم ملامح نظام دولي جديد. لذلك، ربما يفضّل الجميع أن يتعايش مع منطق إدارة الصراع لا حلّه.

[email protected]