الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
حسام ميرو
إعلامي
أحدث مقالات حسام ميرو
12 أبريل 2026
ما بعد الحرب والمأزق الاستراتيجي

بات واضحاً أن الأطراف المنخرطة في الحرب الإيرانية، أمريكا وإسرائيل وإيران، تبحث عن نهاية لها، تسمح لكل طرف أن يزعم النصر، بغضّ النظر عن الكُلف الباهظة التي دفعها، وبغضّ النظر عمّا حققه من أهداف.
هنا تكمن المعضلة، أو المأزق الاستراتيجي، أي في ما سيترتب على الحرب من جهة، وما ستكشفه هذه الحرب من جهة ثانية، فهذه الحرب لا تقلّ في معناها عن كونها حرباً عالمية، حتى وإن اقتصرت بشكل مباشر على ثلاثة أطراف رئيسية، وامتدت بفعل الاعتداءات الإيرانية إلى دول الخليج.
ما يحدّد الفارق بين مفهوم الأزمة ومفهوم المأزق أن مفهوم الأزمة حاضر دائماً، فالأزمات من طبيعة العلاقات الدولية، ويمكن التعامل معها، وأحياناً اعتبارها غير موجودة، في إطار علاقات براغماتية لا تريد دفع الأزمة إلى الانفجار، وتأمين التعاون حتى في ظل الخلافات والاختلافات بين الدول والأنظمة السياسية، لكن مفهوم المأزق يشير بدقة إلى وصول الأزمة إلى مرحلة اللاعودة، إلى لحظة فاصلة لا يعود فيها بالإمكان تجاهل عمق الأزمات أو التكيّف معها، وبهذا المعنى المحدّد فإن الحرب التي نعيشها ويعيشها العالم منذ اليوم الأخير في فبراير/ شباط الماضي، هي التعبير الأوضح عن مأزق استراتيجي شامل، يتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى العالم ونظامه الدولي برمّته.
بطبيعة الحال، إن السؤال الذي يشغل بال صناع القرار الكبار في العالم ومنطقتنا الآن ينقسم إلى شقين، الأول مرتبط بفهم وتحليل السياقات التي قادت إلى الحرب، والثاني، وهو الأهم، كيف نخرج من هذا المأزق؟ غير أن الإشكالية هنا لا تكمن فقط في صعوبة الإجابة نفسها عن هذا السؤال المزدوج، وإنما في السياقات التي قادت إلى هذه الحرب، وفي معرفة جميع الأطراف أنها كانت حتمية الوقوع، وفي تجاهل معالجة أزمات عميقة في النظام الدولي العام، وفي النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
إن مراجعة سريعة ومكثفة لتصاعد حدّة الأزمات وطرق معالجتها السابقة تكشف عن تراكم طويل من الاختلالات البنيوية، وعن تآكل متزايد في قواعد الردع التقليدية، وتراجع فاعلية الدبلوماسية، وأحياناً وضع الدبلوماسية نفسها جانباً، أو أقله اعتبارها عملاً لتمرير الوقت إلى حين تغيّر موازين القوة، من دون إدراك للمخاطر العميقة الناجمة عن هذا النهج في السياسة وإدارة الأزمات، واحتمالية انفلات تقرير مصير الصراع من بين أيدي اللاعبين الكبار أنفسهم إلى مديات غير متوقعة.
لكن، هل فعلاً يمكن الخروج من هذا المأزق الاستراتيجي متعدد الطبقات؟
إن مثل هذا الافتراض هو بمثابة حدوث معجزة سياسية كبرى، لا تبدو مقومات حدوثها ممكنة، فأولى بديهيات حدوث هذه المعجزة السياسية أن يكون كل طرف قادراً على فكّ الارتباط بالاستراتيجية السياسية التي تبنّاها لخدمة مصالحه، والإقرار بأن الاستراتيجية التي اعتمدها لم تكن فعّالة، بل وإنها كانت خاطئة من الأساس، أو أقله كانت وحيدة الجانب، ولم تأخذ بالحسبان عوامل كثيرة أساسية وحساسة، وأهملت حسابات لا يفترض بعقل استراتيجي تجاهلها.
لا يتعلق المأزق فقط بالفشل في تحقيق الأهداف من الحرب، بل أيضاً بتناقض الوسائل مع النتائج، فالأدوات التي استُخدمت لإدارة الصراع، من الضغوط والعقوبات إلى الضربات العسكرية، ومن الحروب بالوكالة إلى الاشتباك المباشر، كلها لم تنتج حسماً، بل عمّقت حالة التعقيد، ووسّعت نطاق المخاطر على الجميع.
إن ما بعد الحرب ليس بالضرورة خروجاً من المأزق، عبر الوصول إلى حلّ أو تسويات دائمة، أو بناء منظومة أمن واستقرار عقلانية على المستويين الدولي والإقليمي، وإنما انتقال الصراع من طور إلى طور آخر، أكثر تركيباً وتعقيداً، ومن المؤكد أنه سيكون طوراً حافلاً بانعدام اليقين بكل القضايا الاستراتيجية، مثل أمن الطاقة، وحدود السيادة، وطبيعة النظام الإقليمي وآليات إدارته، وإعادة ترتيب المواقع والنفوذ فيه، لذلك سيكون جوهر المأزق الاستراتيجي كامناً في قدرة اللاعبين على إعادة تعريف المصالح والأدوار، والحدود الفاصلة بين الإرادة وبين ما يمكن أن تحقّقه، وبين ضرورات الاستقطاب وبين أعبائه وكُلفه الباهظة.

[email protected]

5 أبريل 2026
النظام الدولي وعصر الانقلاب الكبير

يعيش العالم والنظام الدولي لحظة تاريخية فارقة وغير مسبوقة، يمكن وصفها ب«الانقلاب الكبير»، حيث يحدث تحوّل جذري في قواعد اللعبة الدولية، بعد أن بقيت في العقود التي تلت نهاية الحرب الباردة تعيش تقلبات عديدة، لكنها بقيت محافظة إلى حدّ معقول على الكثير من أسسها العامّة، ويطال الانقلاب الحالي مفاهيم مؤسسة للقواعد التي تحكم النظام الدولي، وفي مقدمتها مفاهيم الشرعية والنفوذ والخطاب والأدوات، إذ تبدو المؤسسات الدولية التي أمّنت لعقود طويلة مبدأ السلم والأمن العالميين عاجزة، وكانت مرجعية لهذا المبدأ، تبدو أنها فاقدة لاعتراف القوى الأساسية التي تشكّل عصبها الأساسي، أي مجلس الأمن، خصوصاً أن اللاعب الأمريكي اليوم يدير ظهره بشكل شبه كلي للمؤسسة الأممية الأكبر، أي الأمم المتحدة، ولا يخفي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استياءه منها، بل ومحاولته إنشاء كيان موازٍ أو بديل هو «مجلس السلام العالمي».
بطبيعة الحال، فإنه من الناحية البنيوية، لا يمكن أن تكون هناك بنية سياسية مأزومة أو عاجزة، من دون أن تكون الفواعل الكبرى فيها في أزمة خاصة، وبما أن الولايات المتحدة، كانت قد لعبت على مدار عقود دوراً أساسياً في بنية النظام الدولي، بوصفها القوة الاقتصادية والعسكرية الأكبر، فإن تحليل مشكلة النظام الدولي، لا تستقيم من دون تحليل وفهم أزمة الولايات المتحدة التي يعيدها المفكر السياسي الأمريكي فريد زكريا، في كتابه «العالم ما بعد أمريكا»، إلى نهاية دور أمريكا، وأن نهاية هذا الدور المرتبط ب«صعود الآخرين»، حيث ولدت مجموعة من القوى الجديدة، مثل الصين، والهند، والبرازيل، وإندونيسيا، التي حقّقت نمواً اقتصادياً وسياسياً، جعلت من كل واحدة منها لاعباً مؤثراً، يتجاوز دور بعضها المجال الإقليمي الخاص بها إلى العالم بأسره.
لم تعد أمريكا تسيطر على المساحة ذاتها التي كانت تسيطر فيها ضمن ما يمكن تسميته ب«مساحة النفوذ» العالمي، لحظة سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991، وتراجع مكانتها وتأثيرها ناتج عن مسائل عديدة، في مقدمتها بطبيعة الحال صعود قوى اقتصادية كبرى، لكن ليس هذا هو العامل الوحيد، فقد أسهم التقدم التكنولوجي للقوى الصاعدة في نقل قدر كبير من مركز الثقل من الغرب إلى أماكن أخرى في العالم، وأهمها النموذج الصيني الأشهر، وكل هذا كان من شأنه أن يدفع نحو عدم القبول بالنظام الأحادي الذي حاولت الولايات المتحدة فرضه على الجميع.
يشكل مثال التدخل الأمريكي في أفغانستان مثالاً صارخاً على البراغماتية الأمريكية في تجاهل منظومتها القيمية نفسها، فقد دخلت إلى أفغانستان لإنهاء حكم «طالبان»، في عام 2001، وخرجت منها بعد عشرين عاماً، مسلّمة حكم البلاد إلى الجماعة ذاتها التي دخلت لقتالها والقضاء عليها، من دون أن تتمكن من بناء دولة وجيش ومؤسسات وحكم ديمقراطي، ما يظهر من الناحية العملية، تناقضات المنظومة السياسية الليبرالية لأقوى دولة في العالم، لكنه يظهر أيضاً حدود النظام الليبرالي نفسه، وعدم قدرته على فرض النموذج في سياقات مختلفة عن البنية الغربية، بل وتراجع جاذبية النموذج نفسه، والأخطر من ذلك، هو ما يعتبره المفكر الأمريكي جون مير شايمر «عدم اعتراف المنظومة الليبرالية الأمريكية بديناميات القوة الفعلية»، والذي أفضى إلى «نشوء أزمة في النظام الدولي، كنتيجة لمواجهة القيم الليبرالية مع الواقع الجيوسياسي الصلب».
بهذا المعنى، فإن هذا الانقلاب الكبير في النظام الدولي ليس قفزة في الفراغ، وإنما نتيجة طبيعية للانتقال من نظام يهيمن عليه القطب الأمريكي إلى نظام فيه أقطاب عدة، مع إنكار أمريكي واضح لصعود قوى جديدة لها دور فاعل في العلاقات الدولية، وإن هذه القوى أصبحت واقعاً لا يمكن تجاوزه، وأن العالم لم يعد يتمحور حول أمريكا وتفوقها. إن هذا التحول الهائل في ميزان القوة العالمي، يجعل من عصر الانقلاب الكبير عصر عدم اليقين بامتياز، حيث لا يمكن التكهّن بالسيناريو الذي سيتولد منه، هل هو إعادة بناء نظام متعددة الأقطاب، أم فتح جبهات عديدة للصراع حول العالم؟

[email protected]

29 مارس 2026
الحرب.. ثلاث إشكاليات معاصرة

حسام ميرو

في السنوات الأخيرة، يبدو العالم كله منخرطاً في حالة حرب، بشكل مباشر أو غير مباشر، فاعلاً أو منفعلاً، ففي عالم مترابط وعولمي، لم يعد بالإمكان أن يكون أي طرف على الحياد المطلق، فطالما أن العولمة أوجدت اعتمادية غير مسبوقة على الآخر، فهذا يعني بالضرورة حدوث حالة تأثير متبادل بين الدول، لكنها للمرة الأولى ربما عبر التاريخ الإنساني تصل حدة التأثير المتبادل إلى ما وصلت إليه خلال العقدين الأخيرين، بحيث إن أي أزمة ناشئة في مكان حيوي واستراتيجي تعني الجميع من دون استثناء.
وبطبيعة الحال، فإن الحالات الحدّية تعيد طرح الأسئلة الكبرى على نحو فلسفي لا مهرب منه، ولئن كان مفهوم الحرب قد وضع في التاريخ المعاصر بين نقيضين، يمثل الأول منهما تصور المفكر الإنجليزي توماس هوبز، الذي يجزم بأن الصراع طبيعة كامنة في الإنسان، وبالتالي، فإن الحرب قائمة ما كان النوع البشري موجوداً، بغض النظر عن القضايا المتنازع عليها، التي تشكل موضوع الصراع نفسه، والتصور الثاني/المناقض، للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الذي يرى أن تقدم العقلانية من شأنه أن ينقل البشرية نحو سلام دائم، فالحرب في منظور كانط هي العبث بعينه، لكن ما يشهده كوكبنا المعولم من حروب يدفع بالسؤال الفلسفي إلى مزيد من التعقيد، ليس من باب إنكار غريزة الصراع عند الإنسان، ولا استخفافاً بدور العقلانية في عدم وصول الصراع إلى حالة حرب، وإنما لدخول عوامل جديدة في الصراعات المعاصرة، تحتاج إلى تفحص من طبيعة فلسفية مختلفة.
الإشكالية الأولى حول الحرب المعاصرة تكمن في أن منطقها يتجاوز حدود التعريف الكلاسيكي للحرب التي رسّخها كارل فون كلاوزفيتز، حين اعتبرها امتداداً للسياسة بوسائل أخرى، فهذا التعريف يفترض وجود قطيعة واضحة بين السلم والحرب، كما يفترض أن العنف أداة عقلانية تُستخدم في لحظة محددة لتحقيق غاية سياسية، لكن ما نشهده اليوم هو تآكل هذا الحد الفاصل، إذ تتخذ الحرب أشكالاً غير تقليدية، من عقوبات اقتصادية طويلة الأمد، وهجمات سيبرانية، وحروب معلومات، وصراعات بالوكالة.
في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر إرباكاً: هل تبدأ الحرب مع الطلقة الأولى للحرب، أم بفرض الحصار؟ وهل تنتهي بتوقيع اتفاق، أم تستمر في أشكال خفية؟ إن تمدد المفهوم بهذا الشكل يجعله أكثر التصاقاً بالواقع، لكنه في الوقت ذاته يفقد دقته التحليلية، ويحوّله إلى حالة مستمرة يصعب الإمساك بحدودها.
أما الإشكالية الثانية، فهي نابعة من الإطار القانوني للنظام الدولي الحديث، بعد تأسيس الأمم المتحدة، حيث بدا أن الحرب قد أُخضعت لإطار قانوني يقيّد استخدامها، بحيث لا تكون مشروعة إلا في حالات الدفاع عن النفس أو بقرار جماعي، غير أن هذا التصور سرعان ما اصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيداً، حيث تُخاض الحروب تحت مسميات متعددة، من مثل التدخل الإنساني، أو الحرب الوقائية، أو مكافحة الإرهاب، أو الإطاحة بأنظمة حكم استبدادية.
الإشكالية الثالثة تتعلق بإنتاج المعنى، فالحرب ليست مواجهة عسكرية، وإنما هي محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، فما يجري عملياً في كل الحروب التي يشهدها العالم بعد نهاية النظام الدولي ثنائي القطب، وسقوط الاتحاد السوفييتي، هو محاولة كل الأطراف فيها تشكيل وعي جمعي عبر الخطاب، وإعادة تعريف «نحن» و«هم»، وصوغ سرديات لتبرير العنف بوصفه ضرورة وجودية. هذا البعد الخطابي يجعل الحرب قابلة للاستمرار حتى في غياب القتال المباشر، إذ يكفي الحفاظ على صورة العدو حية في المخيال الجمعي، كي يبقى منطق الحرب قائماً، وهنا، تتحول الحرب من حدث استثنائي وراهن إلى بنية ذهنية وثقافية، تتغلغل في السياسة والإعلام والتعليم، وتبقي احتمالية الحرب قائمة كجزء من المستقبل.
تكشف الإشكاليات الثلاث (المفهوم، والشرعية، والمعنى)، عن تطور نظري وعملي لافت واستثنائي، فظاهرة الحرب لم يعد بالإمكان حصرها في تعريف واحد أو إطار قانوني ثابت، فهي أصبحت واقعاً متحولاً يتجاوز الحدود التقليدية لمفهوم الحرب، هذا المفهوم الذي يعاد إنتاجه وفق تعقيدات الحالة العولمية، حيث تتداخل جملة من العوامل غير المسبوقة في التاريخ البشري، في مقدمتها ترابط سلاسل التوريد العالمية عبر القارات، ودخول منجزات الثورة المعلوماتية كأساس في صناعة الحرب والأعداء.
إن ردّ دوافع الحرب إلى غريزة أصيلة عند الإنسان، أو الزعم بإمكانية تجاوز العقل لمنطق الحرب بوصفها عبثاً، كتفسيرين، ما عادا قادرين على الإحاطة الفلسفية بطبيعة الحروب المعاصرة، التي أصبحت بحدّ ذاتها عملية تنظيم للعنف عن طريق العنف، واحتكار لمبدأ الشرعية الذي يحدّد من خلاله من يحق له ممارسة العنف، ومن يستحق أن يمارس عليه العنف، في إطار تنافس عالمي على تقاسم النفوذ والثروات في العالم.

[email protected]

22 مارس 2026
في دوافع النأي الأوروبي عن واشنطن

حسام ميرو

لم يكن موقف الحكومة الإسبانية الرافض للحرب مفاجئاً للأوروبيين، في تحدٍّ واضح لواشنطن والرئيس دونالد ترامب، ليس فقط لأن الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء بيدرو سانشيز هو حزب يساري «الحزب الاشتراكي العمالي»، الأمر الذي قد يفسر هذا الموقف نسبياً، لكن الدلالات الأعمق ترتكز على شعور أوروبي بأن واشنطن مضت بعيداً في تجاهل المصالح الأوروبية، ناهيك عما أطلقه الرئيس ترامب من تصريحات هجاء قاسية للقادة الأوروبيين منذ استلامه مقاليد ولايته الثانية، والتعامل معهم بفوقية ظهرت للعلن في مواقف عديدة، وانتقاد سياسات راسخة في هذه الدول، مثل نظام الرعاية الاجتماعية، أو فتح الحدود أمام اللاجئين، إضافة إلى عدم الإنفاق الكافي في المجال العسكري.
وبلهجة أقل مباشرة وأكثر دبلوماسية، قال رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو، إنه من «الضروري العودة للمسار الدبلوماسي، فالوضع في الشرق الأوسط سينعكس على استقرار الاقتصاد العالمي»، في الوقت الذي يخشى فيه القادة الأوروبيون من موجة تضخم تجتاح الأسواق، على وقع التطورات الميدانية التي أضرّت بتصدير النفط والغاز من الشرق الأوسط، وإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية، وارتفاع أسعار النفط في الأسواق، واضطرار قادة 32 دولة من بينهم القادة الأوروبيون بالاتفاق مع وكالة الطاقة الدولية، اتخاذ قرار الإفراج عن 400 مليون برميل نفط من الاحتياطي العالمي، لتلبية طلب الأسواق، وتخفيف الصدمة الاقتصادية الناجمة عن تعطّل تدفقات الخام.
الموقفان الألماني والفرنسي، باعتبارهما الدولتان الأكثر نفوذاً اقتصادياً وسياسياً في الاتحاد الأوروبي، حاولا إقامة نوع من التوازن، المبني على رفض الحرب، ورفض الانخراط فيها، مع التأكيد على ضرورة حماية طرق الملاحة في مضيق هرمز، وإدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، والتأكيد على ضرورة خفض التصعيد، والعودة للدبلوماسية، وهو الموقف الذي انضمت إليه إيطاليا، بعد أن آثرت جورجيا ميلوني رئيسة الوزراء عدم تقديم أي تصريح، وعدم الحضور إلى البرلمان، الذي طالبها بعرض موقف حكومتها من الحرب، وفي نهاية المطاف، قالت جورجيا ميلوني، إن «رئيس الوزراء الإسباني كان أكثر شجاعة في رفضه المبكر للحرب»، وإن «هذه الحرب ليست حربنا».
هذه المواقف المتناغمة والمتوافقة مع بعضها البعض لقادة أبرز دول الاتحاد الأوروبي، في رفضها للحرب التي اتخذت بقرار أمريكي إسرائيلي من دون أي تشاور أو تنسيق مع الحلفاء عبر الأطلسي، تأتي في سياق إعادة الحسابات الأوروبية تجاه قضايا استراتيجية عديدة، وانطلاقاً من استياء عارم لما ألحقته سياسات الرئيس ترامب باقتصاداتهم عبر فرض رسوم تجارية مرتفعة على صادرات أساسية، والتي بدأت تترك آثارها في أسواق العمل بالبلدان الأوروبية الصناعية، والتي كانت تعاني أصلاً تفاقم مشكلاتها الاقتصادية والمالية منذ جائحة كورونا في عام 2019، ومن ثم الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022.
في عمق الموقف الأوروبي الرافض للانخراط في الحرب، تظهر ملامح استراتيجية دفاعية أوروبية جديدة، تسعى إلى ضبط ردّ الفعل في بيئة دولية مضطربة، وترك مسافة بين خيارات أوروبا وخيارات واشنطن، بعد أن أصيبت الأمم المتحدة بحالة عطالة شبه كاملة، خصوصاً عقب سلسلة القرارات التي اتخذها الرئيس ترامب ضد هذه المؤسسة، من قبيل الانسحاب من عدد من المنظمات الدولية، أو دعوته إلى تأسيس «مجلس السلام العالمي»، كمنافس للأمم المتحدة، وهو ما يراه الأوروبيون انقضاضاً على قواعد القانون الدولي، وآليات إدارة الصراعات في العالم.
بطبيعة الحال، لم تنس أوروبا بعد تصريحات الرئيس ترامب بأهمية الاستحواذ على جزيرة غرينلاند الدنماركية لضمان مصالح واشنطن، خصوصاً أن الدانمارك والولايات المتحدة عضوان في الحلف الأطلسي، وقد رأى الأوروبيون أنه يتعامل مع دولهم وكأنها فنزويلا، التي اقتاد رئيسها إلى السجن في بلاده، ووضع يده على نفطها، وأنه لا يقيم أي وزن للقانون الدولي، أو حتى لاعتبارات التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وأوروبا، والذي يفترض أنه لا يقوم فقط على المصالح، وإنما أيضاً على احترام مبدأ السيادة، والتشارك بالقيم الليبرالية والديمقراطية.
التقييم الأوروبي العام للحرب الأمريكية يقوم على ثلاثة مستويات، الأول أنها لا تحظى بإجماع أمريكي داخلي، والثاني أنها تحمل في طياتها طموحاً خاصاً للرئيس ترامب بتحقيق إنجاز تاريخي، والثالث بأنها لم تضع كل السيناريوهات في الحسبان، كما أن عدم حسم واشنطن لها، يمكن أن يكون مفيداً لاحقاً بالنسبة لأوروبا، خصوصاً إذا ما خسر الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة، ما سيمنح أوروبا هامش تفاوض أكبر مع واشنطن، وسيزيد من حماسة أوروبا لرفع مستوى الشراكة مع بكين على كل المستويات.
إنها لحظة فارقة بالنسبة لأوروبا وقادتها، بقدر ما تنطوي في نظرهم على مخاطر، بقدر ما يمكن أن تحمل من فرص، تسمح لهم بالتموضع من جديد، لكن بخط سير فيه مستوى أعلى من الاستقلالية عن واشنطن.

[email protected]

14 مارس 2026
هل دخل العالم طور ما بعد الردع؟

حسام ميرو

مع الساعات الأولى للضربة الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بدا المشهد وكأنه حلقة جديدة في سلسلة صراعات الشرق الأوسط، غير أن هذه القراءة تُخفي ما هو أعمق، فنحن لسنا أمام مواجهة عسكرية فحسب، وإنما أمام اختبارٍ لمعادلة استقرّ عليها النظام الدولي لعقود، معادلة تقول إن الردع يمنع الانفجار الكبير حتى لو سمح بالاحتكاك الدائم، والحرب الحالية لا تبدو مجرد تصعيد، فهي تكسر الإيقاع المألوف الذي كان يحكم الاشتباك غير المباشر بين الخصوم، إذ إنه منذ الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، تأسس الاستقرار الدولي على قاعدة الردع النووي، فالقدرة على التدمير المتبادل تمنع الحرب الشاملة، لكن ما نشهده اليوم يوحي بأن هذه القاعدة لم تعد كافية لضبط سلوك الدول، ولم يعد السؤال: هل تنفجر الحرب؟ بل: ما حجم الحرب الممكنة من دون أن تؤدي إلى انهيار شامل؟.
الردع الكلاسيكي قام على أربعة أعمدة واضحة، وهي وضوح الخطوط الحمراء، وعقلانية الفاعلين، وقابلية التنبؤ بالسلوك، والخوف من التصعيد غير القابل للسيطرة، وكان التهديد باستخدام القوة كافياً لتجميد استخدامها فعلياً، لأن الكلفة المحتملة تفوق أي مكسب، وبذلك فإن الردع لم يكن أخلاقياً، بل نتيجة معادلة باردة بين الخسارة والربح.
في الشرق الأوسط، أخذ الردع شكلاً غير متماثل، فلعقود طويلة، لم توجد حرب مباشرة مفتوحة بين إسرائيل وإيران، وهي الحالة التي انتهت في حرب يونيو/ حزيران الماضي، والتي استمرت 12 يوماً، وتستكمل اليوم، وكان الاشتباك مضبوطاً بسقف لا يُسمح بتجاوزه، وبالتالي، فإن معادلة الردع لم تمنع العنف بين الطرفين، لكنها نظمت حدوده ومستوياته، من مثل ضرب الأذرع، والاغتيالات، واختراق البيانات، وغيرها.
أول التحولات التي باتت واضحة في المشهد الدولي يتمثل في تراجع مركزية القوة الأمريكية، فمنذ حرب أوكرانيا، وتصاعد التنافس مع الصين، لم يعد النظام أحادي القطبية مستقراً كما كان بعد عام 1991، لكن تعددية القوة لا تعني بالضرورة توازناً مستقراً، فهي تعني أيضاً تعدد حسابات المخاطرة، حيث إنه في نظام متشظٍ، يصبح اختبار الخطوط الحمراء مغرياً أكثر، وهو ما تمثله حالة استيلاء روسيا على القرم في 2014، ومن ثم حربها على أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022.
التحول الثاني هو تراجع الرهبة من الحرب الشاملة، فلم تعد المواجهات تُفهم باعتبارها انزلاقاً حتمياً نحو فناء متبادل، بل كسلسلة عمليات محسوبة، قابلة للضبط عبر التكنولوجيا الدقيقة والحروب السيبرانية والطائرات المسيّرة، ومع صعود منطق الضربة الاستباقية، كما في العقيدة الأمنية لإسرائيل، أو في استراتيجيات ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001، لدى الولايات المتحدة، لم يعد استخدام القوة خرقاً للردع، وإنما إعادة تثبيت له.
قد لا نكون أمام نهاية الردع، بل أمام تحوّله، فالردع النووي الشامل الذي حكم القرن العشرين يتراجع لمصلحة ردع متعدد المستويات، من مثل الردع السيبراني، والاقتصادي، والمعلوماتي، والضربات الدقيقة، وبالتالي، فإن الحرب أصبحت أداة ضمن طيف أوسع ومتدرّج من أدوات القوة.
منذ «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أصبح الشرق الأوسط مختبراً حياً لمفهوم الردع الجديد، حيث تعيش المنطقة على حافة تصعيد دائم، لم تعد فيها المواجهات حالات استثنائية، وإنما حالة راهنة دائماً.
وإذا كان الردع في صيغته الكلاسيكية يعني الخوف من العواقب، فإن طور «ما بعد الردع» يعني الاعتياد على حافة الهاوية، فالقوة لم تعد تُستخدم فقط حين يفشل الردع، بل أصبحت تستخدم لإعادة تعريفه، لكن هذا السلوك، ينطوي على مفارقة خطِرة، إذ إنه مع كل ضربة محسوبة، قد نجد أنفسنا أمام سلسلة من ردود الأفعال غير المحسوبة.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة هو، هل دخل العالم فعلاً طور ما بعد الردع؟ أم أننا نشهد إعادة صياغة لآلية الضبط القديمة بلغة جديدة؟
المؤكد أن النظام الدولي لم يعد يعمل وفق يقينيات الحرب الباردة، وأن منطق إدارة المخاطر يحلُّ تدريجياً محل منطق تجنبها.

[email protected]

27 فبراير 2026
قفزة عالمية إلى سباق التسلّح

حسام ميرو

يشهد العالم عودة متسارعة وواضحة إلى منطق سباق التسلح، بوصفه إحدى السمات الأساسية للنظام الدولي الآخذ في التحول، وهذه العودة تمثل تحولاً بنيوياً يعكس انتقال النظام العالمي من مرحلة توازنات نسبية إلى مرحلة سيولة استراتيجية عالية، تتراجع فيها ضوابط الردع، وتضعف آليات الضبط الدولي، وتتصاعد فيها النزاعات المفتوحة والمحتملة، فالتسلّح اليوم لم يعد مقتصراً على دول النزاع المباشر، بل أصبح خياراً استراتيجياً عاماً تتبناه القوى الكبرى، وتلتحق به قوى إقليمية ودول متوسطة، في مناخ دولي تحكمه الشكوك وانعدام الثقة.
الإنفاق العسكري العالمي بلغ في عام 2024 نحو 2.7 تريليون دولار، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ نهاية الحرب الباردة، مع زيادة سنوية تقارب 9 في المئة مقارنة بعام 2023، وتمثل هذه القفزة أكبر زيادة سنوية في الإنفاق العسكري منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتؤكد أن العالم دخل فعلياً مرحلة إعادة عسكرة شاملة، ويمكن اعتبار أن نقطة التحوّل الأساسية قد بدأت في عام 2015، وتستمر صعوداً، حيث شهدت الفترة بين هذين العامين ارتفاعاً في الإنفاق العسكري العالمي بما يزيد على 35 في المئة، لتصل حصته إلى نحو 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في مؤشر على تغليب الاعتبارات الأمنية والعسكرية على أولويات واعتبارات أخرى مثل التنمية والتعليم والصحة والخدمات.
الولايات المتحدة حافظت على موقعها كأكبر منفق عسكري في العالم، بميزانية قاربت تريليون دولار في عام 2024، تلتها الصين بأكثر من 300 مليار دولار، ثم روسيا بما يقارب 150 مليار دولار. وفي أوروبا، سجل الإنفاق العسكري زيادات حادة، حيث ارتفع الإنفاق الألماني وحده بنحو 28 في المئة في عام واحد ليصل إلى قرابة 90 مليار دولار، ما جعل ألمانيا في مصاف أكبر أربع دول إنفاقاً على التسلح عالمياً، وفي الشرق الأوسط، شهدت بعض الدول زيادات غير مسبوقة، حيث قفز الإنفاق العسكري الإسرائيلي بنسب عالية.
هذا الواقع يعكس أسباباً سياسية ودولية عميقة تقف خلف عودة سباق التسلح، فالنظام الدولي الليبرالي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة فقد الكثير من قدرته على تنظيم الصراعات واحتوائها، والمؤسسات الدولية تراجعت فاعليتها، والقانون الدولي أصبح أكثر هشاشة، فيما استعادت سياسات القوة موقعها المركزي في العلاقات الدولية، كما عاد التنافس بين القوى الكبرى بقوة إلى الواجهة، في سياق صراع طويل الأمد على النفوذ والمكانة الدولية، من دون أفق واضح لتسويات مستقرة، في الوقت الذي توسّعت فيه مروحة الأزمات الإقليمية، لتمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا، ومؤخراً إلى أمريكا اللاتينية.
لسنوات تلت سقوط الاتحاد السوفييتي، ساد اعتقاد بأن العالم يتقدم نحو عالم مختلف عن عالم الحرب الباردة، وأن النظام الدولي يتجه نحو ترسيخ عالم أقل تسلّحاً وحروباً، لكن سرعان ما تبخر هذا الوهم، ونشأ واقع جديد أكثر اضطراباً من واقع الحرب الباردة، فإذ كان الأساس في سباق التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي هو السعي إلى بناء تراكم هائل للقوة، خصوصاً النووية، إلا أن تلك المرحلة كانت محكومة بقواعد واضحة، واتفاقيات، وخطوط حمر غير معلنة، حالت دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكننا اليوم نعيش في حقبة مأزومة دولياً، فلا أمريكا تمكنت من قيادة العالم بشكل منفرد، ولا نشأ نظام دولي بديل، له قواعد واضحة، وخطوط حمر تلتزم بها القوى الكبرى ومن يدور في فلكها.
إن هذا المسار التصاعدي لسباق التسلّح ستكون له تداعيات اقتصادية عالمية، فمن شأن تصاعد الإنفاق العسكري أن يعزز اقتصاد الحرب والصناعات المرتبطة به، ويقوي شبكات المصالح بين السياسة والقطاع الصناعي العسكري.
في المحصلة، الثمن الحقيقي لعودة سباق التسلح لا تدفعه النخب السياسية ولا المجمعات الصناعية العسكرية، بل تدفعه المجتمعات، حيث تتحمل الشعوب تراجع مستوى الخدمات العامة، وتآكل فرص التنمية، وازدياد مخاطر الحروب، كما ستكون الدول الهشة والنامية الأكثر تضرراً، سواء عبر الانخراط القسري في سباقات تسلح إقليمية، أو عبر تحولها إلى ساحات صراع بالوكالة، وبطبيعة الحال، فإن كل المظاهر التي تزعم الدول الكبرى مكافحتها ستزداد، مثل الفقر والبطالة والهجرة والجريمة المنظمة.

[email protected]