يُروى أن للحرب ألف حكاية وحكاية، وأن وراء كل حكاية قلباً أضناه الفراق المُر، وعيناً أرقها السهر الطويل، وطفلاً لم يعرف من الحياة إلا بضع سنين، فإذا بالدنيا تُقبل عليه بوجهها العابس، وتفتح له من أبواب الفجيعة ما لا يحتمل.. وفي غزة، حيث استُهدفت شقة سكنية مأهولة، وغدت الخيام بعد الدمار ملاذاً بائساً لا يرد لهيب النيران، كانت مريم، طفلة الأعوام الثلاثة، على موعد مع مشهد يفوق خيال الحكايات وأوجاعها، هناك، بين ألسنة النار المتصاعدة وضيق الملاذ البسيط، تنكشف حكاية لا تحتاج إلى راوٍ يجمّل وقائعها، بعدما وقفت طفلة صغيرة أمام فجيعة أكبر بكثير من عمرها، بينما يظل العالم بكل مواثيقه عاجزاً عن منح أطفال الحروب حقهم البسيط في الأمان والإيواء.
تكمن فداحة هذه المشاهد في التناقض الصارخ بين استهداف الشقق السكنية وهشاشة الخيام التي يلجأ إليها النازحون هرباً من الموت المباشر، إذ لا توفر سوى حماية ضئيلة، لكنها تمثل لآلاف الأسر المشرّدة آخر ما تبقى من ملاذ. وعندما تتحول الشقق السكنية والملاجئ القماشية إلى مسارح للهب والموت، يصبح من المستحيل اختزال الجريمة في لغة عسكرية باردة، أو التعامل مع الضحايا باعتبارهم مجرد أرقام هامشية في تقارير العمليات الميدانية أو كما يقول الإسرائيليون «أضرار جانبية»،
هذه الفظائع تستدعي فصولاً قاسية من حروب سابقة، ولا سيما حرب الهند الصينية، حين أثارت عمليات إحراق القرى جدلاً واسعاً حول استخدام مصطلحات تقنية معقمة مثل الضرر الجانبي لتوصيف نتائج مدمرة، واحتواء الخسائر البشرية الفادحة داخل أدبيات خادعة تُخفف من وقعها الإنساني.
وفي الحالة الراهنة، تقتضي خطورة المأساة تفكيك الظروف التي أفضت إليها وتفنيد الذرائع الميدانية التي تتجاهل قواعد حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. إن مبادئ التمييز والتناسب ليست شعارات أخلاقية براقة، بل قواعد أساسية يفرضها القانون لتحديد الاستخدام المفرط للقوة، غير أن غياب المساءلة والاكتفاء بالتبريرات العامة يفاقم أزمة الثقة بالمنظومة برمتها.
ولا تتوقف تداعيات صور المعاناة عند حدود الميدان، إذ إن التوثيق الحقيقي لاحتراق الأمهات والأطفال يضع المجتمع الدولي أمام اختبار غير مسبوق، ويؤسس لوعي جمعي يرفض كافة المسميات المعقمة التي تسعى لشرعنة الموت وتجميل نتائج القسوة فوق رؤوس العزل المحاصرين.
من هنا، تؤدي هذه المشاهد المفصلية إلى تعميق العزلة الاستراتيجية لإسرائيل، التي باتت تواجه خطراً حقيقياً بتآكل شراكاتها الدولية وخسارة حلفائها التقليديين على غرار أزماتها التاريخية السابقة مع بريطانيا وغيرها من العواصم الغربية حين تصادمت النزعة العسكرية مع الضمير السياسي لحلفائها، فالإصرار على تجميل صور احتراق الخيام والبيوت يضع الدعم الخارجي لإسرائيل في حرج أخلاقي وسياسي بالغ لا يمكن تحمله طويلاً.
وهكذا تظل صورة مريم من وسط ألسنة اللهب شاهدة على انكسار خطابات التضليل، لتؤكد أن استمرار التغاضي الميداني يسرّع في فقدان إسرائيل مصداقيتها وغطاءها السياسي، فللمظلومية أثرها البعيد في تغيير معادلات الحلفاء وفي رسم الوعي التاريخي للمستقبل.
