إذا كان حصار التنظيمات المتطرفة يبدأ بتجفيف منابع تمويلها، فإن القضاء على نفوذها لا يتحقق إلا بتفكيك الأفكار التي تتغذى عليها، وبين هذين المسارين تقف جماعة الإخوان المسلمين اليوم أمام مرحلة جديدة من المواجهة الدولية، بعدما بدأت عواصم غربية تتخذ إجراءات أكثر صرامة تجاه فروعها وشبكاتها، في تحوّل يكشف أن سياسة «غض الطرف» التي انتهجها الغرب مع هذه الجماعة ومثيلاتها لم تعد كافية لحماية المجتمعات من مخاطر التطرف.
قرار البرلمان الأوروبي الأخير الداعي إلى وضع استراتيجية أوروبية لمواجهة نفوذ شبكات جماعة الإخوان وتقييم الإجراءات القانونية المناسبة حيالها، يمثل خطوة مهمة، وإن جاءت متأخرة، خصوصاً أنه يعني تحولاً غربياً تجاه جماعة وجدت في الغرب مأوى لعناصرها الهاربة من أحكام قضائية بسبب تخطيطها وتنفيذها عمليات إرهابية. صحيح أن القرار لا يعني تصنيف الجماعة بأكملها تنظيماً إرهابياً، ولا يفرض تلقائياً تجميد أموال كل جهة يُشتبه في ارتباطها بها، لكنه يفتح الباب أمام تحرك أوروبي أكثر تنسيقاً، ويضع الحكومات والمؤسسات المعنية أمام مسؤولية التعامل الجاد مع المخاطر التي يجري تقييمها.
الولايات المتحدة كانت اتخذت إجراءات لتصنيف فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان إرهابية، وفرضت قيوداً مالية وقانونية عليها.
تحرك أمريكا وأوروبا لا يعني أن الغرب اكتشف فجأة حقيقة جماعة عمرها يقارب القرن، بقدر ما يعكس تغييراً في حساباته الأمنية والسياسية، فقد تعاملت عواصم غربية طويلاً مع بعض أنشطة الإسلام السياسي باعتبارها جزءاً من المجال المدني أو الدعوي، بينما ظلت التحذيرات العربية من مخاطر استغلال الدين في الصراع على السلطة موضع خلاف وتجاهل من الغرب في أحيان كثيرة.
تأتي التحركات الغربية متأخرة جداً خصوصاً أنها بعد سنوات وسنوات دفعت خلالها دول عربية أثماناً باهظة في مواجهة الإرهاب ومحاولات تقويض الدولة الوطنية، وكانت مصر في مقدمة الدول التي واجهت تداعيات العنف بعد ثورة يونيو/ حزيران 2013، وأعلنت حظر الجماعة وتصنيفها تنظيماً إرهابياً في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، لتخوض حرباً طويلة ضد الإرهاب وجماعاته الحاملة لمسميات مختلفة وإن كانت جميعها قد خرجت من رحم «الإخوان». جاء الموقف الخليجي حاسماً في رفضه فكر الجماعة المتطرف، حيث قامت الإمارات والسعودية بحظر الجماعة وإدراجها ضمن القوائم الإرهابية عام 2014، بعد أن اعتبرت فتاوى دينية صادرة عن جهات موثوقة فكر الإخوان منحرفاً ومناقضاً لقيم الإسلام السمحة.
السؤال الأهم ليس كم القرارات التي صدرت ضد الجماعة، بل ما إذا كانت ستنجح هذه القرارات في التغيير على أرض الواقع؟ وهل تستطيع الحكومات إغلاق منافذ التمويل غير المشروع، ومنع الالتفاف على العقوبات، وكشف الواجهات التي تُستخدم لإخفاء الأنشطة المحظورة، أم أن المواجهة ستظل محصورة في قوائم وأسماء قابلة للتبديل؟
الأخطر أن تجفيف الأموال، مهما بلغت صرامته، لا يجفف وحده منابع التطرف، فالأفكار الإقصائية لا تختفي بقرار حكومي، ولا تتراجع بمجرد حظر كيان تنظيمي، بل تحتاج إلى مواجهة فكرية جادة، تبدأ بتعزيز قيم المواطنة والتسامح وقبول الاختلاف، وتحصين الأجيال الجديدة من خطاب يوظف الدين لتبرير احتكار الحقيقة وإقصاء الآخرين.
إن حصار شبكات الإخوان يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من الإدانات إلى الفعل، ومن ردود الأفعال المؤقتة إلى استراتيجية مستدامة، لكنه لن يكون نهاية المعركة ما لم يترافق مع تفكيك البيئة الفكرية التي تسمح للتطرف بإعادة إنتاج نفسه.
الحصار الدولي لسرطان التطرف الذي تمثله جماعة الإخوان هو اعتراف صريح بسلامة الرؤية العربية الوطنية، إلا أن حماية مستقبل الأجيال وتحصين السلم العالمي يحتاجان إلى نَفَس طويل وإرادة دولية مستدامة تطارد «الفكر الإقصائي»، فالفكرة الحية لا يقتلها إلا الفكر المستنير والتشريعات الصارمة معاً.
التنظيم قد يفقد أمواله، وقد تتعطل مؤسساته، وقد تتغير أسماؤه، لكن الأفكار التي تمنحه القدرة على العودة ستظل خطراً قائماً ما لم تواجه بالحجة والوعي والقانون.
