الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
مأخوذ عن قصة حقيقية ألهمت شخصية روبن هود

«الانتفاضة».. ظلم يصنع من المظلوم مجرماً

  • يقدم الحاضر مرتدياً ملابس
  • القرن الرابع عشر عبر ثورة الفلاحين
  • نافذة على واحدة من أكثر
  • القرن الرابع عشر عبر ثورة الفلاحين
  • اللحظات اضطراباً في تاريخ إنجلترا
18 أكتوبر 2026 23:56 مساء | آخر تحديث: 19 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا
دقائق القراءة - 4
شارك
share
«الانتفاضة».. ظلم يصنع من المظلوم مجرماً
icon الخلاصة icon
فيلم «الانتفاضة» عن ثورة 1381 وإلهام روبن هود: ظلم الضرائب يحول فلاحاً لثائر وتكشف خيانة السلطة وفوضى الانتقام
أذكى صناع الأفلام هم هؤلاء الذين لا يعتمدون الحشو والزحمة الفارغة، بل يحرصون على أن يكون لكل مشهد معنى وكل تفصيلة هي جزء مكمل للحكاية، فتجد نفسك أسير الفيلم من أول لقطة حتى إسدال الستارة. وفيلم «الانتفاضة»، أو «ذا أبرايزينج»، من تلك النوعية التي تتعاون فيها الصورة مع السيناريو والحوار لتشكيل عمل ملحمي يجسد معاني الغضب والعلاقة الشائكة بين السلطة والشعب، وكيف يمكن للظلم أن يحوّل ضحيته الإنسان البريء المسالم إلى قاتل.
أول ما يدفعك لمشاهدة «الانتفاضة»، أنه مأخوذ عن قصة حقيقية كانت بذرة الإلهام لشخصية روبن هود الأسطورية وبطولاته الشهيرة، وبين الحقيقة التاريخية والذاكرة الشعبية، يفتح لنا الكاتب والمخرج البريطاني بول غرينغراس نافذة على واحدة من أكثر اللحظات اضطراباً في تاريخ إنجلترا، ليضعنا أمام سؤال يصلح لكل الأزمنة: ماذا يحدث حين يفقد الإنسان ثقته بالسلطة، ويصبح التمرّد آخر ما يملكه للدفاع عن كرامته؟ يأخذنا إلى أحداث ثورة الفلاحين الإنجليزية عام 1381، منطلقاً من مشهد شديد التعبير عن الزمان والمكان وعن الحالة الاجتماعية التي عاش فيها الإنسان في ذلك الوقت، حيث تمشي الكاميرا خلف فلاح يحرث الأرض دون أن تكون فيها أي حياة أو زرع، هذا الحارث يعطيه غرينغراس اسمه بوحي من طبيعة عمله «بلاومان» وتعني الحارث أو الفلاح.
«الانتفاضة».. ظلم يصنع من المظلوم مجرماً
يغرق بلاومان في حزن وبؤس بعد مضي سبعة أعوام على وفاة كل أفراد أسرته بسبب الطاعون، ومن أهم مميزات غرينغراس أنه ينتقل بالأحداث سريعاً دون أن يُغرقنا في تفاصيل لا حاجة لها، ليؤكد أنه يحمل رسائل مهمة يريد إبلاغها للجمهور بشكل مكثف ومباشر في ساعتين وثماني دقائق، وقد نجح في مهمته، إذ تشعر في كل مشهد أنك لا تغرق في الماضي بل تعيش أحداثه وكأنه الحاضر الذي يرتدي ملابس القرن الرابع عشر.

غضب

الانتفاضة تولد من رحم الألم والفقر واشتداد الظلم واتساع الهوة بين السلطة والشعب، بلاومان الذي يجسده أندرو غارفيلد، رجل بائس فقد زوجته وطفليه، يذهب مثل كل أبناء بلدته لدفع الضريبة المفروضة عليهم من قبل الملك ومجلسه، وأمام هول الإذلال الذي يمارسه جابي الضرائب وممثلو السلطة، من تفتيش مهين للكشف على الفتيات، يتحول غضبه الشخصي إلى جزء من غضب جماعي يدفعه إلى قتل رقيب، وإعلان انتفاضة الفلاحين على الظلم، واتساع دائرتها لتلتقي مع ثوار آخرين يأتون من قرى ومناطق أخرى، زاحفين نحو لندن للتظلّم والمطالبة بالعدالة ومواجهة الملك ريتشارد الثاني.
الثورة، كما هي العادة وعلى مر التاريخ، ليست كتلة واحدة متجانسة، تتصارع الرؤى وتتباين الأهداف ويختلط السعي إلى الإنصاف بالرغبة في الانتقام رغم توافق قادتها على الخطوط العريضة والأهداف الكبرى، وهي الحصول على حقوقهم منصوصة بخط اليد ومدموغة بختم الملك، وأهم بنودها رفع الضرائب عن الشعب وتحريره من الجباية والاعتراف بملكيته للأراضي ولما يزرع ويحصد. هنا تكمن إحدى أهم نقاط الفيلم، ففي لحظات الثورة العارمة تعم الفوضى الكبرى والجماهير التي تتوحد في مواجهة الظلم تجد نفسها، أمام ظلم آخر تنتجه بنفسها، ويتحول الأبرياء المجني عليهم إلى جناة وقتلة، يدمرون ويسرقون ويقتلون دون التمييز بين غني وفقير، وبين رجال السلطة وأهل المدينة العزّل.

وجه آخر

من خلال القصة التاريخية هذه يقدم الكاتب وجهاً آخر للظلم والعدالة، وقول إن الخيانة والغدر لا يأتيان من أفراد فقط بل إن القادة وأصحاب السلطة أحياناً يخونون شعوبهم ويغدرون بهم كما فعل ريتشارد الثاني حين غدر بالأبرياء وأوهمهم بالاستجابة لمطالبهم، وبذكاء شديد قدم لنا غرينغراس صورتين متناقضتين للملك الشاب الذي يؤديه وودي نورمان، فرأيناه في البداية ضعيفاً خائفاً من كوابيسه وهواجسه، مسلوب الإرادة خاضعاً لمجلس اللوردات الذين يتحكمون بقراراته ويملونها عليه، ثم يتحول إلى ذئب ماكر يخدع الشعب بملامحه البريئة، يستخدم الثوار سلاحاً يقضي به على كل اللوردات والقادة، مبقياً على عمدة لندن فقط بجانبه، ثم ينقلب على الناس بخدعة يقضي فيها على الكثير منهم.
استعان غرينغراس بشخصيات تاريخية حقيقية، أبرزها وات تايلر الذي كان أحد جنود الملك المتوفى والد الملك الشاب ريتشارد الثاني، ويؤديه كوزمو جارفيس، والواعظ جون بول الذي يجسده جيمي بيل، الرافض للظلم الذي يمارسه رجال الكنيسة. والواقعية في هذا الفيلم أنه لم يسلط الضوء على أندرو غارفيلد ليجعل منه بطلاً خارقاً، بل منح جارفيس وبيل ومعهما ثوماسين ماكينزي التي جسدت دور أليس المشاركة جنباً إلى جنب بلاومان وتايلر وجون بول في قيادة الجموع، نفس المساحة بل في أوقات معينة منح جارفيس المساحة الأكبر ليكون هو القائد العسكري والمتحدث الرسمي باسم الثوار.

حقائق

يُحسب للكاتب أنه لا يقدم سيرة تاريخية لشخصية روبن هود، ولا يعيد سرد حكاية اللص النبيل الذي يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء، وحولته الروايات والسينما إلى بطل رومانسي، بل يقدم حقائق بعيدة عن الفانتازيا، عبر بطل حقيقي جسده بلاومان. وأهم ما يحملنا إلى استخلاصه الفيلم، هو كيف يصنع الظلم من المظلوم مجرماً، ينتزع حقوقه بنفسه، وكيف يصنع قوانينه ويُصدر الأحكام ويضطر إلى حماية ذاته وأملاكه حين يغيب العدل وتغيب الحكمة والرحمة عن السلطة.
«الانتفاضة» من أهم الأعمال التاريخية السلسة المباشرة الواضحة وغير المعقدة التي تستمتع بمشاهدتها وتستحق الإشادة بكاتبها ومخرجها بول غرينغراس وكل فريق التمثيل والتصوير والديكور والماكياج.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة