الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مثقفون: الكتب موجودة في المنازل للزينة

19 أكتوبر 2026 00:48 صباحًا | آخر تحديث: 19 أكتوبر 2026 00:52 صباحًا
دقائق القراءة - 5
شارك
share
مثقفون: الكتب موجودة في المنازل للزينة
icon الخلاصة icon
المثقفون يحذرون من تسطيح القراءة وغياب القارئ الموسوعي وتحول الكتب للزينة ويطالبون بتعزيز المناهج والبحث العلمي وموازنة القديم بالجديد
تناول عدد من المثقفين والكتاب الذين تحدثوا إلى صحيفة الخليج، ظاهرة تسطيح القراءة وغياب القارئ الموسوعي. وأشاروا إلى أن الإصدارات المعرفية المختلفة صارت كبقية المنتجات السلعية، إذ باتت تُستخدم زينة في المكتبات المنزلية حتى وسط المثقفين نتيجة انشغال الجميع، فتوارى القارئ العميق خلف زحام الضجيج والإيقاع السريع للعصر الراهن. وتتطلب عملية بعث ذلك النوع من القراء جملة من الإجراءات، على رأسها الموازنة بين الطرائق القديمة والجديدة في المناهج الدراسية، بصورة ترد الاعتبار للقراءة، والمكتبة، وطرائق البحث عن المعلومة.
«غاب القارئ الموسوعي عندما أصبح الأمر ممكناً وأكثر سهولة»، هكذا تحدث الروائي علي أبو الريش في سياق حديثه عن تقاليد القراءة في زمن التكنولوجيا الحديثة. وأوضح أن وسائل المعرفة اليوم صارت أكثر اتساعاً، فقد أتاحت الثورة الرقمية إمكانية الوصول إلى المعرفة والمؤلفات بسهولة شديدة، وأصبحت عملية التثقيف والاطلاع في متناول القارئ «المهتم»، إذ إن الاهتمام شرط ضروري. فهناك منصات أصبحت متخصصة في الكتب عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات المختلفة، فضلاً عن مواقع البحث مثل «غوغل».
ولفت أبو الريش إلى أنه رغم ذلك التوسع في الوسائل والأدوات، إلا أن القراءة وتقاليدها لم تعد كما كانت في الماضي حتى القريب منه إذ كان هناك عمق في عملية التلقي، فتجد القارئ يعيش الكتاب بشغف، وإيمان، وثبات، فيما أصبح قارئ اليوم استهلاكياً يبحث عن المعلومة السريعة.
وقال أبو الريش: «إن ما ينطبق على القارئ ينطبق كذلك على المؤلف، إذ إن الكتابة نفسها صارت سريعة ومسطحة لأنها تعتمد بشكل كامل على القراءة التي صارت عزيزة. فتجد أن الرواية، على سبيل المثال، صارت أقرب إلى الخاطرة من حيث المباشرة، مع أن الرواية تختلف عن ذلك، فهي كتابة حياة كاملة، ولا بد أن يتصدى لها كاتب يكون في الأساس قارئاً موسوعياً».
وأشار أبو الريش إلى أن الكاتب العميق يحتاج في علاقة جدلية إلى قارئ ذكي، وذلك ما عناه رولان بارت ب«موت المؤلف»، فلحظة الكاتب تنتهي لتبدأ مرحلة المطلع القادر على التنقيب والتفكيك، وهذه عملية ذهنية تحتاج إلى الصبر والبطء في وقت تسود فيه «الوجبات السريعة» من معلومات ملقاة على قارعة الشبكة العنكبوتية.
وذكر أبو الريش أن الحديث عن القارئ والكاتب ينطبق كذلك على الناقد، إذ لم يعد هناك من يمارس فعل النقد بشكل حقيقي، فمعظم ما يُقدم هو انطباعي، لأن الناقد نفسه بحاجة لأن يكون قارئاً متبحراً وعميقاً، وذلك ما عاد موجوداً. وفي السابق، كانت الصراعات والمراسلات بين النقاد والكتاب تنتج فكراً لأن كل واحد منهم يستند إلى ترسانة من المعلومات والأفكار الغزيرة، كنتاج طبيعي للتوسع في الاطلاع والتبحر في أمهات الكتب والمؤلفات.
ولفت أبو الريش إلى اختفاء نجوم القراءة الذين كانوا ينتجون مؤلفات رفيعة المستوى، حيث لم يعد هناك أمثال نجيب محفوظ، والطاهر وطار، والطيب صالح، ومحمود درويش، وغيرهم من مثقفين كانوا يقضون يومهم في التنقل من كتاب إلى آخر. وعندما تسأل كاتباً اليوم عن ماذا قرأ هذا العام، تجد أن المحصلة ضعيفة رغم تواجدهم في معارض الكتب، إذ إن معظم ما يتم اقتناؤه منها يصبح حبيس رفوف المكتبات المنزلية كنوع من الزينة.

مناهج التعليم

«موجود ونادر في ذات الوقت»، تلك هي كلمات الكاتبة وفاء العميمي في إطار حديثها عن القارئ الموسوعي. وأشارت إلى أن النادرين من القراء أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فهناك القارئ المتبحر بحكم وظيفته ومهنته التي تتطلب ذلك، وهناك من يمارس فعل الاطلاع المتوسع كهواية وشغف، وهذا هو الذي يمكن أن تُطلق عليه صفة القارئ العميق.
وذكرت وفاء أن روح العصر لها تأثير كبير في عملية القراءة، إذ بات هناك توجه واضح نحو الاطلاع المختصر والمكثف من أجل الوصول السريع إلى زبدة الكتاب أو المعلومة، وذلك ما صارت تشجع عليه التطبيقات الرقمية المتخصصة، إذ لم يعد هناك بال طويل أو صبر على نار القراءة، وذلك أمر ينطبق حتى على طلبة الدراسات العليا في الجامعات، فقد أصبحت الرسائل الجامعية مختصرة.
ولفتت وفاء إلى أن ذلك الكم الهائل من المعلومات المضللة الموجودة في مواقع التواصل الاجتماعي هو نتاج هذه القراءة المتعجلة والمكثفة دون تثبيت أو تحقق، وذلك أمر شائع حتى بين المثقفين أنفسهم، ما يمثل خطراً كبيراً على المعرفة والثقافة، إذ باتت عملية «القطع واللصق» ثقافة شائعة بين المثقفين والطلاب والقراء، حيث يتم أخذ المعلومة والتعامل معها دون تمحيص.
وشددت وفاء العميمي على ضرورة الاهتمام بطرائق البحث العلمي والمعرفي، والمكتبة، وحصص القراءة في المناهج التعليمية بطريقة يتم فيها المزاوجة بين الأساليب القديمة والحديثة، خاصة في المراحل المتقدمة مثل الثانوية حتى يلم الطالب بالطرائق الصحيحة في البحث عن المعلومات والمعارف، فالطالب الذي ينشأ وهو غير ملم بتلك الطرائق سيتعود عندما يكبر على البحث السريع والسهل عن زبدة الكتب والمراجع.

أجيال قديمة

الشاعر خالد الظنحاني أكد أن الأجيال القديمة لا تزال تقرأ بصورة موسوعية في كافة المجالات والتخصصات، غير أن جيل اليوم لا يهتم بالاطلاع المتعمق إلا نادراً وذلك لأن الحصول على المعارف بات سهلاً في هذا العصر بسبب التكنولوجيا، إذ أصبحت هناك غلبة لوسائل أخرى مثل الصورة والصوت، وهي أدوات دخلت إلى عالم المعرفة بشكل واسع، وأصبح الجيل الجديد أكثر تخصصية لأن العصر نفسه يشجع على ذلك التوجه.
وبيّن الظنحاني أن اقتطاع حيز زمني للقراءة بات أمراً صعباً، فالقارئ يجري وراء لقمة العيش، وبالتالي أثر ذلك في شكل ومضمون القراءة بحيث صار الاختزال هو سيد الموقف بدلاً من الاطلاع الموسوعي، إذ أصبح الشاعر يقرأ فقط في مجال الشعر وكذلك الروائي، وهي قراءة تريد الوصول سريعاً للمغزى والمضمون من دون متعة أو شغف، وذلك ما جعل القراءة جافة بلا حياة.
وأوضح الظنحاني أن هذه التخصصية باتت تؤثر حتى في عملية تأليف الكتب، فالذي يقرأ في مجال معين بات لا يستطيع الكتابة إلا في هذا المجال، وهو أمر قد يكون جيداً من جهة ضخ المحتوى العربي في محركات البحث والذكاء الاصطناعي، لكنه لا يغني عن ضرورة القراءة المتعمقة.
ووفق الظنحاني فإنه على الرغم من أن الآلة باتت تشجع على القراءة المختصرة وغياب القارئ المتعمق، إلا أنها صارت هي التي تنفرد بالتوسع خاصة مع ظهور الذكاء الاصطناعي الذي أصبح هو القارئ الموسوعي في هذا العصر.

عادات جديدة

من جانبها، أكدت القاصة عائشة عبد الله أن هناك تغييراً كبيراً على مستوى تقاليد القراءة بصورتها القديمة، التي ما عاد يعمل بها إلا قلة من القراء، إذ غابت حتى طقوس الاطلاع التي كانت لدى القراء في السابق، وطال هذا التبدل والتحول المادة المقروءة نفسها، إذ أصبحت الأجيال الجديدة مفتونة بأدب المانغا والقصص المصورة في عصر ثقافة الصورة، وكذلك القصص الخيالية والموغلة في الخيال العلمي، سواء كانت عربية أو من الأدب المترجم.
وبالنسبة لعائشة فإن المواد الدراسية نفسها تغيرت، ففي السابق كان الطلاب يدرسون الجغرافيا، والتاريخ، والعلوم بما يعزز فكرة الموسوعية نفسها، أما اليوم فإن المناهج في العالم العربي أصبحت تركز على الأساسيات فقط، بصورة صارت معها المواد الدراسية مختزلة ومختصرة، وصار هناك تركيز على الأكاديميات بحيث أُهملت عملية التثقيف.
وشددت عائشة على أن عملية الاختصار التي اعتاد عليها الطالب ستصبح ثقافة لديه، بحيث يفتقد خاصية ربط الظواهر والأشياء ببعضها البعض، وهي الخاصية المرتبطة بمتابعة الفكرة من كتاب إلى آخر، إذ إن هؤلاء الطلاب سيصبحون قراء يركزون على مجال تخصصهم فقط، لتصبح القراءة مرتبطة بالوظيفة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة