كانت نقطة البداية من فرنسا، وتحديداً يوم 17 سبتمبر/ أيلول الماضي، حين انطلقت التظاهرات من المدارس الثانوية في الضواحي الشمالية إلى باريس احتجاجاً على نقص الموارد وسوء المرافق وظروف الدراسة، ثم تطورت وتحولت إلى تظاهرات واسعة النطاق يوم السبت الماضي على مستوى البلاد، لتشمل النقابات والقطاع العام والموظفين والجامعات ضد غلاء المعيشة، وتراجع الخدمات العامة، وتجميد الرواتب وارتفاع الدين العام.
من فرنسا انتقلت العدوى سريعاً إلى عواصم أوروبية أخرى، يبدو أنها كانت تنتظر من يطلق الشرارة الأولى. ففي البرتغال خرج عشرات الآلاف يوم السبت الماضي وسط العاصمة لشبونة، ونصبوا الخيام في ساحة روسيو، احتجاجاً على الارتفاع الحاد في كُلف المعيشة وتفاقم أزمة السكن، بدعوة من اتحاد نقابات العمال الرئيسي، إذ بلغ معدل التضخم 3.6 في المئة في سبتمبر/ أيلول، وقفزت أسعار الوقود 15 في المئة، كما ارتفعت أسعار المنازل إلى أكثر من الضعف.
وفي بلجيكا، خرجت تظاهرات في العاصمة بروكسل ومونس وشارلروا ولييج احتجاجاً على ارتفاع الأسعار. كذلك شهدت المدن الإيطالية، مثل روما وتورنتو ونابولي وبولونيا وجنوا، تظاهرات رفع خلالها المتظاهرون لافتات تقول «فلنفعل كما في فرنسا». أما في اليونان فتظاهر الطلاب ضد ارتفاع كُلف المعيشة، وظهرت لافتات ثنائية اللغة تحمل شعارات فرنسية كرمز للدعم.
كذلك نظم اليسار الألماني في برلين فعالية تضامنية مع المتظاهرين الفرنسيين. وفي ألبانيا شهدت العاصمة تيرانا ومدن أخرى موجة احتجاجات عارمة واشتباكات عنيفة لليوم الخامس على التوالي بين قوات الأمن والمتظاهرين، الذين طالبوا بخفض الرسوم الدراسية الجامعية وتحسين الأحوال المعيشية والبنية التحتية التعليمية، وصولاً إلى المطالبة باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما. وكانت إسبانيا شهدت مطلع الشهر الجاري تظاهرة ضمت عشرات الآلاف في مدريد وغيرها من المدن للمطالبة بإجراءات عاجلة لمعالجة أزمة السكن المتفاقمة.
هكذا شكلت التظاهرات الفرنسية يوم السبت الماضي التي شارك فيها، حسب نقابة الاتحاد العام للعمل، نحو 800 ألف شخص، ونحو 550 ألفاً حسب وزارة الداخلية الفرنسية، واتسمت في بعض مراحلها بالعنف وإضرام النار في مرافق عامة وعمليات نهب، إلهاماً تردد صداه في القارة الأوروبية التي تعاني أزمات معيشية واقتصادية ومالية متشابهة، لتضع القارة أمام اختبار حقيقي في مواجهة قدرتها على ضمان تحقيق الفرص الاجتماعية المتكافئة، وتجاوز أزماتها التي تضغط عليها، والعمل على تحقيق الظروف المناسبة التي تحول دون انتهاز قوى التطرف من اليمين واليسار هذه التحركات، واستخدامها في معاركها الانتخابية، كما حصل في العديد من الدول الأوروبية خلال الأشهر القليلة الماضية، وكما تستعد لها فرنسا بعد ستة أشهر حيث تُجرى الانتخابات الرئاسية لاختيار خلف للرئيس إيمانويل ماكرون.
من الواضح أن القضايا الاجتماعية التي تعانيها القارة الأوروبية بدأت تنتقل إلى ساحات الصراع السياسي، وهذا كله يمثل جزءاً من صورة أوسع، حيث بات التماسك الاجتماعي مطروحاً بقوة، وكذلك الوحدة السياسية والأمنية والقدرة على تحديد الأولويات، فيما تتصاعد حدة الصراع في القارة والعالم، على وقع الحرب الأوكرانية وما يجري في الشرق الأوسط.
السؤال المطروح الآن: هل تستطيع أوروبا تجاوز أزماتها؟ وهل النخبة البيروقراطية الحاكمة تستطيع تجاوز عجزها؟