يقال إن قراءة التاريخ تساعد على فهم الحاضر واستيعاب ما يجري فيه، لأن تجارب الماضي تحمل دروساً يمكن الاستفادة منها في كل مرحلة لاحقة، فالتاريخ وإن كان لا يكرر نفسه بصورة مطابقة، فهو في بعض الأحيان يعيد إنتاج الصراعات والأزمات ذاتها في ظروف وأشكال مختلفة، وقد ناقش كثير من المفكرين والباحثين هذه الفكرة، مستندين إلى ما تكشفه مسيرة الحضارات من أوجه تشابه بين تجارب الشعوب وتحولاتها.
وبنظرة سريعة إلى تاريخ الحضارات الكبرى، ندرك أنها لم تنهض بالمصادفة، ولم يكن الموقع الجغرافي أو وفرة الثروات وحدهما كافيين لبناء قوتها، فقد كان للمعرفة دور أساسي في تقدمها، وللعلم والكتاب أثر واضح في توسيع قدرات مجتمعاتها وتهيئة الظروف لازدهارها، ويكشف التاريخ أن المجتمعات التي منحت المعرفة مكانة متقدمة، وشجعت التعلم وتداول الأفكار، امتلكت فرصاً أكبر للتطور ومواكبة التحولات.
والمعرفة حصيلة تراكم التجارب والأفكار، وتنمو بالقراءة والبحث، ثم تساعد المجتمعات على فهم واقعها واتخاذ قراراتها والتخطيط لمستقبلها، ومع تزايد أهمية المعرفة في تقدم المجتمعات، تبرز الحاجة إلى تعزيز القراءة والبحث، وهو ما يتطلب تضافر جهود الأفراد والمؤسسات. تبدأ هذه الجهود من الأسرة، التي تعوّد الأطفال على القراءة منذ الصغر، ثم المدرسة التي تشجعهم على المطالعة والبحث والابتكار، وتتحمل المؤسسات الثقافية مسؤولية توفير الكتب وتنظيم المبادرات التي تحفز الناس على القراءة، في ما يقع على الكاتب والناشر دور في تقديم محتوى جيد، وإتاحته للقراء بأسعار مناسبة، فبناء مجتمع قارئ مسؤولية مشتركة، تحتاج إلى تعاون جميع الأطراف واستمرار جهودها.
حظيت القراءة في الإمارات بمبادرات ومشروعات وطنية، من بينها «تحدي القراءة العربي» و«عام القراءة» و«شهر القراءة». وتعكس هذه الجهود اهتماماً بنشر المعرفة وتعزيز علاقة المجتمع بالكتاب، خصوصاً لدى الأطفال والشباب، وتشجيعهم على المطالعة وجعلها عادة مستمرة تسهم في تنمية الفكر وتوسيع المدارك. كما أسهمت معارض الكتاب المتنوعة في تسهيل الوصول إلى الكتب وتعزيز حضور الثقافة في الحياة العامة. وتكتسب هذه المبادرات أهميتها من قدرتها على تشجيع الأجيال الجديدة على القراءة منذ الصغر، وفتح آفاق أوسع أمامهم للتعلم واكتساب المعرفة، بما يساعد على بناء مجتمع أكثر وعياً وقدرة على مواكبة المتغيرات.
تمنح القراءة الإنسان فرصة لفهم العالم بصورة أوسع، وتساعده على مراجعة أفكاره واكتساب معارف جديدة، وتدربه على منطق الحوار وتقبّل الاختلاف قبل إصدار الأحكام، ولعلنا اليوم أكثر إدراكاً لأهمية هذه المهارات لدى الأجيال الجديدة، التي ستواجه تحديات علمية واقتصادية واجتماعية تتطلب المعرفة والقدرة على التفكير.
