الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
رضا السميحيين
كاتب
أحدث مقالات رضا السميحيين
18 أبريل 2026
آمنة الكتبي... حضن الجدة ذاكرة تنبض بالألوان

جماليات إماراتية

تشكل الفنون التشكيلية أحد أكثر الأشكال التعبيرية قدرة على التقاط ما يعجز عنه الكلام، فهي تهتم بتصوير الملامح والأشياء، وتنفذ إلى الطبقات العميقة من التجربة الإنسانية، حيث تتجاور الذكرى والحنين والدفء، ومن هنا، بقيت المشاعر الإنسانية الحميمية أو تلك الحالات الوجدانية الدقيقة التي تمس الإنسان في أكثر لحظاته صفاء، مادة مركزية في أعمال كثير من الفنانين، لأن الفن يمنحها شكلاً محسوساً عبر الفرشاة واللون والملمس والضوء.

لقد وجد الفنانون التشكيليون في تلك المشاعر مساحة واسعة للتعبير عن الألفة، والسكينة، والاحتواء، والارتباط الخفي بين الإنسان ومحيطه، ومن بين هؤلاء الفنانين آمنة الكتبي التي تلتقط مشهداً إنسانياً عظيماً في واحدة من لوحاتها الفنية لتعيد صياغة الإحساس فنياً، وتحول العاطفة إلى صورة، والصمت إلى لون، والذكريات إلى تكوين بصري باذخ الجمال، 

ذاكرة

في هذه اللوحة تقدم آمنة الكتبي مشهداً أسرياً حميماً، لتجعل المتلقي يغوص في أعماق المعنى والرمزية، فالجدة تمثل وعاء للذاكرة والحنان والهوية والسكينة، ومن خلال العلاقة الجسدية القريبة بين الجدة والطفل، ينجح العمل في تحويل لحظة استغراق الطفل في النوم إلى استعارة عن الاحتماء بالأصل والرجوع إلى مأمن دافئ.

ومن ناحية التكوين الفني، تقوم اللوحة على كتلة مركزية واحدة تقريباً، ممثلة في جسد الجدة الذي يحتضن الطفل ويغمره بعباءة سوداء واسعة، فيما تتوزع الخلفية بلون وردي دافئ يخفف من ثقل الكتلة السوداء، ويمنح المشهد مسحة من الرقة والسكينة، وهذا التباين اللوني بين السواد والوردي، فيه رمزية دلالية في جوهره بين الحماية واللين، وبين العمق والحنان، فنكون أمام تكوين لا يعتمد على تفاصيل مكانية كثيرة، بل يركز على العلاقة الإنسانية نفسها بوصفها موضوع اللوحة الأساسي.

ويلحظ المتأمل أن ملامح الوجهين ليست مرسومة بأسلوب بورتريه واقعي دقيق، في اختزال فني يحرر الصورة من التوثيق المباشر ويجعلها أقرب إلى الذاكرة منها إلى الفوتوغراف، فنلمس في اللوحة مسحة الضبابية الناعمة في الأطراف، في دوران العباءة حول الجسد، ليتولد إحساس بأننا أمام لحظة تستعاد من داخل الوجدان والذاكرة.

أثر

استخدمت آمنة أسلوبا يميل إلى التعبيرية الهادئة، فالتعامل مع الألوان والخطوط يشي بأنها لا تريد تسجيل التفاصيل بقدر ما تريد التقاط الأثر النفسي للمشهد.

الخلفية الرملية الهادئة في اللوحة أسهمت في مضاعفة التركيز على العلاقة الثنائية بين الجدة والطفل، في مشهد غامض لا يعرف فيه المكان ولا الزمان، وهذا الغموض مكسب فني، لأنه يحرر المشهد من المكان ويضعه في زمن سرمدي خالص، وكأن الفنانة أرادت أن تقول: إن رمزية الجدة هي حالة شعورية يمكن أن تستدعى في أي زمن.

بعد إنساني

أكثر ما يلفت في اللوحة هو أن الفنانة هنا، تعظم الحنان لتجعله أكثر من عاطفة مجردة، فتحوله بضربات الفرشاة إلى فعل بصري محسوس، ويتجلى ذلك في اليدين اللتين تحتضنان الرأس، والالتفاف الكامل للجسد حول الطفل، بما يوحي بأن الأمان هو شعور وحركة، وهذه نقطة جوهرية في قراءة العمل.

كما أن اللوحة تستدعي لدى المتلقي خبرته الشخصية مع الجدة، سواء كانت ذكرى حقيقية أو صورة متخيلة أو حنيناً إلى زمن لم يعشه، وهنا تكمن قوتها فهي تفتح باباً للذاكرة الفردية والجماعية معاً، ومن هذه الزاوية، يمكن القول: إن آمنة الكتبي أنجزت عملاً يلامس موضوعاً شديد الخصوصية، لكنه يصل إلى «عمومية» إنسانية واضحة، لأن حضن الجدة رمز عالمي للطمأنينة الأولى.

اللوحة
اللوحة

20 أبريل 2026
خلود الجابري: بعض الفنانين يستنسخون الأعمال العالمية

حوار وقضية

يشكل الفن التشكيلي اليوم مساحة ثرية للتعبير عن التحولات الثقافية والإنسانية التي نعيشها، ويعكس تنوعاً في التجارب الفنية بين الأصالة والتجديد، وفي هذا السياق، تفتح «الخليج» حواراً مع الفنانة الإماراتية خلود الجابري، التي تعد من الأسماء البارزة في المشهد التشكيلي المحلي، للحديث عن واقع الفن التشكيلي ومفهوم الحرية الفنية ومسؤولية الفنان، وعن التحديات التي تواجه التشكيل الإماراتي في ظل الانفتاح العالمي.

أكدت الفنانة التشكيلية خلود الجابري أن الساحة الفنية تشهد في الفترة الأخيرة إشكالية حقيقية تتمثل في انتشار عدد من الدخلاء على الفن التشكيلي، الأمر الذي انعكس سلباً على الذائقة العامة وعلى صورة الحركة التشكيلية في الدولة، وشددت على أن الفنان الحقيقي هو من يشتغل على ذاته باستمرار ويطور أدواته الفنية، مشيرة إلى أنها شخصياً عملت على نفسها كثيراً ولا تزال حتى اليوم تعتبر نفسها في مرحلة تعلم دائمة، لأن الفن، بحسب قولها، رحلة لا تنتهي من البحث والتجريب.

*تجاوزات

نوهت خلود الجابري إلى أنها تجد أحياناً من بعض الفنانين، تجاوزات وتعدياً على الملكية الفكرية لأعمال فنانين عالميين، حيث يقوم البعض بمحاكاة أعمالهم إلى درجة تشبه الاستنساخ وإعادة نسبها لأنفسهم، وهو سلوك يتنافى مع القيم الفنية وأخلاقيات الإبداع، وأوضحت أن مثل هذه الممارسات تضعف مصداقية الفنان وتسيء إلى سمعة الفن التشكيلي.

كما بينت أن أحد أبرز مظاهر الأزمة الراهنة هو الخلط بين الموهبة الحقيقية والدخلاء، إذ باتت بعض الأعمال تفتقر إلى هوية فنية واضحة، ما يؤكد الحاجة إلى وجود آليات تقييم أكثر مهنية، واقترحت في هذا السياق اعتماد «الرسم الحي» كوسيلة حقيقية لاختبار موهبة الفنان، إلى جانب وجود مرجعية فنية متخصصة تقيم الأعمال من حيث الجودة والأصالة، مؤكدة أن الهدف لدى البعض اليوم أصبح «الفن من أجل التجارة» لا «الفن من أجل الفن»، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لمسار الحركة التشكيلية للحفاظ على قيمها الجمالية والإنسانية.

وفي محور الحرية الفنية بين الرقابة الذاتية وقيود المجتمع وتأثير ذلك على الإنتاج الفني للفنان، تؤكد خلود الجابري أن الحرية الفنية مساحة ضرورية لكل فنان، لكنها ليست مطلقة، إذ يجب أن تقترن بالمسؤولية تجاه المجتمع وقيمه، وترى أن الوعي هو الحد الفاصل بين الحرية والانفلات، وأن صدق التعبير لا يعني تجاوز حدود البيئة والثقافة.

وتوضح خلود أن الرقابة الذاتية تمثل نضجاً ووعياً في التجربة الإبداعية، إذ يتعلم الفنان تقديم فكرته بذكاء من دون فقدان الجرأة، لكنها تحذر من تحولها إلى قيد يضعف روح العمل الفني، كما تستعيد تجربتها بلوحة «المرأة بين الماضي والحاضر» (1986)، حيث استخدمت الرمزية لربط الحداثة بالتراث الإماراتي، مؤكدة أن الفن الحقيقي قادر على التعبير الحر الواعي دون تجاوز أخلاقي أو فكري.

*خوف

تبين خلود الجابري أن الخوف الشخصي هو ما يقيد الفنان أكثر من المجتمع، لأن بعض الفنانين يفرضون على أنفسهم حدوداً غير ضرورية، وفي المقابل، تشيد بالدعم الكبير الذي حظيت به المرأة الإماراتية منذ قيام الاتحاد، مشيرة إلى إسهامات القيادة الرشيدة في تمكين المرأة وتعزيز حضورها التعليمي والمجتمعي، الأمر الذي جعل المرأة الإماراتية تتبوأ مراكز قيادية في مختلف المجالات، وتعتبر أن هذه النهضة انعكست إيجاباً على وعي الفنانين وعلى تطور الفكر التشكيلي في الدولة.

وحول ما إذا كانت القيود تولد الابتكار أم التكرار، توضح أن الأمر يعتمد على وعي الفنان وإصراره، فهناك من يختار الطريق الآمن فيكرر نفسه، وهناك من يحول القيود إلى مساحة خصبة للابتكار، وتشير إلى أن المجتمع الإماراتي بيئة حاضنة للفن، حيث وفّرت الدولة دعماً متواصلاً للفنانين وأسهمت في وصول الفن الإماراتي إلى العالمية من خلال أعمال راسخة في الإرث المحلي لكنها منفتحة على الحداثة والمستقبل.

وتؤكد أن تناول قضايا المرأة والهوية أحد المحاور الأساسية في تجربتها الفنية، إذ تحرص على طرحها بصدق وعمق وبأسلوب يحترم حساسية المجتمع. وتوضح أن اهتمامها بالمرأة الإماراتية نابع من رؤيتها المبكرة لدورها في التعليم وحرية الرأي وصنع القرار، لافتة إلى أن بداياتها الفنية ارتبطت بمراحل تشكل وعي المرأة نفسها في المجتمع الإماراتي.

التزامات

تعترف خلود الجابري بأن الفنانة تواجه أحياناً ضغوطاً مضاعفة بسبب التزاماتها الاجتماعية والأسرية، لكنها ترى في ذلك دافعاً إضافياً للإصرار والإبداع، وتتحدث عن توقفها عن الممارسة الفنية لمدة 18 عاماً بعد الزواج، مبينة أن نظرة المجتمع آنذاك لم تكن منفتحة تجاه فكرة الفنانة المتفرغة، إلا أنها عادت لاحقاً إلى الفن التشكيلي بقوة، مدفوعة بهدف سام لتكريس حضورها والمساهمة في المشهد التشكيلي الإماراتي، وتشير إلى أن المرحلة الحالية تشهد دعماً مؤسسياً كبيراً للفنانين وتقديراً واسعاً لدورهم الإبداعي.

وفي ما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، ترى خلود الجابري أنها أسهمت في انتشار الفن وتعزيز تواصله مع الجمهور، لكنها في المقابل خلقت ردود فعل سريعة وأحكاماً متسرعة أحياناً، ما يجعل بعض الفنانين أكثر حذراً في طرح أعمالهم، ومع ذلك، تعتبرها وسيلة مهمة لتبادل الخبرات وعرض التجارب الفنية.

14 أبريل 2026
الرواية المخادعة

لا أعلم إن كان يجوز لنا أن نصف الكاتب الروائي بأنه «ساحر»، لكنه بالفعل يمارس شيئاً يشبه السحر، فالكاتب يروي الحكايات ويصنع حياة كاملة على الورق، ومن بين السطور يولد بشر من خيال صرف، يتحركون ويشعرون ويواجهون مصائرهم، دون أن يغادروا حدود الحبر والورق، وهي بالطبع كتابة تتطلب دقة وصبراً وفهماً عميقاً للطبيعة الإنسانية؛ لأن القارئ لا يرى الشخصيات ولا يسمعها، ومع ذلك يصدقها تماماً، وهنا وحده الكاتب يمتلك القدرة على كشف ما يدور في عقول شخصياته، ويمنح القارئ فرصة لرؤية العالم من زاوية أخرى.
هذا السحر الروائي لا يمكن اختزاله في التسلية، أو سرد القصص فحسب؛ لأن الرواية، حين تكتب بإتقان وحرفية عالية، تتحول من حبر على ورق إلى حياة ومرايا تعكس الحياة، يعيش القارئ داخلها تفاصيل واقعه اليومي من جديد، يكتشف نفسه داخل الحكاية، ويتقاطع مع الشخصيات في خوفها وحبها وشكها وعدالتها، ويدخل عالماً خيالياً، ويجد نفسه متورطاً في الحبكة شيئاً فشيئاً.
لقد نجح كثير من الروائيين عبر التاريخ في أن يقدموا للقارئ من خلال شخصياتهم، عبر قراءة عميقة للحياة والمجتمع، لتكشف هذه الشخصيات طبقات خفية من الصراع وتقترب من جوهر الإنسان نفسه، وهنا أصبحت الرواية مساحة يواجه فيها القارئ ذاته وتناقضاته، كما يحدث لمن يقرأ رواية «العمى» لخوسيه ساراماغو، أو«الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، وغيرها من الأعمال العالمية التي تجاوزت حدود الحكاية وغاصت في عمق التجربة الإنسانية.
من هنا نقول إن أعظم ما يميز كاتباً عن آخر هو قدرته على التسلل إلى داخل العقول وممارسة «خدعته السحرية»، أن يجعلك تغرق في عالم من خياله لا وجود له خارج الكتاب، ولكنك رغم ذلك تعيشه بكامل حواسك، والكاتب الساحر هو من يريك ما يدور في ذهن الشخصية، ويرسم صوت أفكارها وترددها بين القرار والخوف، ويجعلك تشعر بأنك أنت من يخوض الصراع النفسي معها، لتتحول الرواية إلى فعل إنساني، يتجاوز سطحية الأحداث ويغوص في أعماق التجربة الإنسانية، فيتحول القارئ إلى شريك يرافق الشخصيات في رحلتها العقلية والوجدانية.
لذلك حين نصف الكاتب بالساحر فليست هذه مبالغة، بل اعتراف بقدرته على أن يضعنا في قلب الحكاية، ويجعلنا نتعاطف مع شخصيات من ورق كما لو كانت من لحم ودم، نفرح لانتصاراتها، ونحزن لانكساراتها، نعيش معها لحظات الهشاشة، وهذه بلا شك هي قوة الأدب الحقيقي، حين يتحول من حروف مطبوعة إلى تجربة إنسانية تمس القلب قبل أن تمس العقل.

[email protected]

12 أبريل 2026
علي الحمادي... الحرف أفق السكينة

يعد الخط العربي واحداً من أسمى المنجزات البصرية التي أبدعها الإنسان، لما ينطوي عليه من ثراء تشكيلي وحس جمالي رفيع، فحروفه تمتلك قابلية استثنائية للتشكل والامتداد والانسجام، بما يفتح أمامها آفاقاً واسعة للتنوع الفني، ويمنحها قدرة على تجاوز وظيفة الكتابة إلى التعبير عن أبعاد روحية وإنسانية عميقة.

في هذه اللوحة الخطية التي بين أيدينا، والتي أنجزها علي الحمادي، بالخط الكوفي الفاطمي وكتب فيها الآية الكريمة {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} الذاريات: 22، محولاً النص القرآني في اللوحة إلى تجربة بصرية وروحية متكاملة، تتجاور فيها دلالة المعنى مع جمال التشكيل، وتلتقي فيها هيبة الكلمة المقدسة مع حساسية البناء الفني، في مشهد تأملي يفتح أمام المتلقي أفقاً من السكينة والاتساع والرهبة الهادئة.

*رؤية

منذ النظرة الأولى، يلمح المتلقي أن اللوحة تقوم على رؤية تشكيلية واعية، تحسن استثمار إمكانات الخط العربي في التعبير عن المعنى عبر التكوين نفسه، فالبنية العامة للعمل ترتفع في هيئة أقرب إلى القوس أو القبة، بما يشي بحضور السماء بوصفها محور الآية، ويجعل الشكل البصري امتداداً رمزياً للفكرة القرآنية ذاتها، وهكذا يكون الخط جزءاً من المعنى، ومكوناً من مكوناته الأساسية.

بنى الحمادي لوحته على حس هندسي واضح، إذ تتوزع الحروف داخل إطار مركزي منضبط، يوازن بين الاستقامة والانحناء، وبين الكتلة والفراغ، في توليفة تمنح العين شعوراً بالتماسك والاتزان، في بناء حروفي يحفظ النص داخل حدود زخرفية، ويمنحه هيئة معمارية، وكأن الكلمات قد صيغت لتشبه محراباً بصرياً أو نافذة مفتوحة على المعنى، وهو ما يعمق الصلة بين الخط العربي والروح الجمالية للفن الإسلامي.

وتكتسب الأجزاء العليا من التكوين أهمية خاصة، حيث تتوج اللوحة بنقطة هلالية خفيفة، تضع المشهد كله في سياق بصري يعلو فيه الإيحاء الروحي، فالهلال في المخيال العربي الإسلامي إشارة رمزية إلى العلو والاكتمال والنور، بما يتناغم مع موضوع الآية التي تشير إلى الرزق وما وعد الله به عباده من فضل وعطاء، ومن هذا المنظور، يصبح العلو في اللوحة مجالاً دلالياً يفتح النص على الامتداد السماوي.

*حيوية

نفذت الحروف بروح توازن بين الشدة والليونة، وبين البناء الكوفي المهيمن وبعض الملامح الأكثر انسياباً التي تخفف من حدة الزوايا وتمنح النص مسحة من الحيوية الداخلية، هذا التداخل بين الصلابة والمرونة يخلق إيقاعاً بصرياً غنياً، ويؤكد أن الخطاط يتعامل مع الحرف بوصفه مكوناً تشكلياً قادراً على التحول والتفاعل داخل المساحة الخاصة باللوحة، ومن هنا، تتولد فيها حركة هادئة تعتمد على انتظام البناء الحروفي وتدرج الانكشاف للمعنى.

ويلاحظ المتأمل لهذه اللوحة أيضاً، القدرة الإبداعية للحمادي في توزيع العناصر الزخرفية والتي تميز الخط الكوفي الفاطمي، وكأن الفنان أراد أن يضفي على اللوحة بعداً تراثياً جميلاً، إذ تستحضر تلك الامتدادات النباتية والتشكيلات الزخرفية الزرقاء الصغيرة والتي هي بطبيعة الحال لغة زخرفية مألوفة في الفن الإسلامي.

ويبدو أن اللون الأزرق في هذا السياق له وظيفة رمزية وبصرية معاً، لأنه يفتح المجال على إيحاءات الصفاء والعلو والامتداد السماوي، ويمنح اللوحة طبقة إضافية من الهدوء البصري، كما أن اللون الأسود في الكتلة الرئيسية للحروف يمنح النص ثقله وهيبته، ويجعله أكثر وضوحاً في مقابل الخلفية الفاتحة ذات الطابع الرملي، وهو اختيار يحقق نوعاً من التوهج الهادئ، أما اللمسات النقطية الحمراء الصغيرة، فتؤدي دوراً في كسر الرتابة اللونية، وتعمل بمثابة تنبيهات داخل النسيج البصري، لتمنح العين وقفات قصيرة وتعيد تنظيم مسار القراءة البصرية.

*إضاءة

بدأ شغف علي الحمادي بالخط منذ سنوات مبكرة، وتطورت تجربته مع السنوات إلى التخصص والإنجاز الفني، قدم الحمادي أعمالاً خطية وفنية تجمع بين الدقة الهندسية والبعد الجمالي في تكوينات خطية متعددة، شارك في العديد من المعارض الفنية والورش التدريبية المتخصصة في فن الخط العربي.

12 أبريل 2026
ثلاثي الحراسة الثقافية

لا يخفى على أحد ما يشهده المجتمع العربي من تحولات على مستويات عدة، اجتماعية أو ثقافية أو فكرية، هذه التحولات وضعت الثقافة اليوم في اختبار صعب، خاصة مع تطور الاعتماد على «الإعلام الرقمي» وشبكات التواصل الاجتماعي، والذي ترافق مع توسع الفجوة بين العمق والسطحية في الخطاب الثقافي.
في كل مجتمع يسعى للموازنة بين جذوره وتطلعاته، تعمل ثلاث قوى متساندة لحماية وعيه العام: المثقفون، الأكاديميون، والإعلاميون الثقافيون، وتشكل بمجموعها شبكة تفاعلية تحفظ للثقافة معناها، وللفكر دوره التنويري، فهذا الثلاثي هو خط الدفاع الأول ضد التبديد والتسطيح وهو بمثابة «منظومة الحراسة» التي تبقي الفكرة الثقافية معافاة ومتوهجة.
فالمثقف هو صانع الأسئلة وحارس المعنى، يواجه السائد ويحاكم ما يقدم من أفكار وقيم على الساحة العامة، كاشفاً عن قوتها أو هشاشتها، والتاريخ يخبرنا أن كل مشروع نهضوي عربي بدأ بمثقف عمل على إعادة تعريف المفاهيم السائدة، وطرح الأسئلة التي يخشى البعض من مواجهتها، ليجدد الخطاب الثقافي الذي نتحدث به عن أنفسنا والعالم، وأما الأكاديمي فهو الذي يمنح الثقافة بنيتها المنهجية والمعرفية، وهنا أشير إلى أن الإحصاءات تؤكد أن الجامعات العربية تضم أكثر من 12 مليون طالب، لذا فإن الحضور الأكاديمي في النقاش الثقافي العام ضرورة ملحة، فغياب الأكاديمي عن الساحة الثقافية، يضعف الصلة بين المعرفة النظرية والمعرفة المجتمعية التطبيقية، ومن الضروري أن يخرج الأكاديمي من القاعة الدراسية إلى كتابة المقال والتفاعل مع المنصات والبرامج الثقافية، فهو شريك مهم وفاعل في صياغة الوعي العام.
وتكتمل الثلاثية بالإعلامي الثقافي، الذي يشكل حلقة الوصل بين الفكر والجمهور، وتتمثل وظيفته في تقديم الثقافة كجزء طبيعي من الحياة اليومية، فالإعلامي الذي يمتلك خلفية معرفية وقدرة تحليلية يعيد للصحافة الثقافية دورها الحقيقي في إثراء الوعي العام، وتحفيز الناس على التفكير والإنتاج المعرفي، وحين يكون حضوره الإعلامي فاعلاً في نقل الفكر وتقديمه بلغة قريبة من الناس يصبح عنصراً أساسياً في منظومة الحراسة الثقافية، مؤثراً في الذائقة وموجهاً للنقاش العام.
إن تكامل المثقف والأكاديمي والإعلامي الثقافي ضرورة استراتيجية لأي مجتمع يريد أن يفكر في نفسه بعمق ووعي، وحين تنقطع هذه السلسلة، تتهاوى البنية الفكرية فنغرق في خطاب بلا معرفة، إن العمل الثقافي هو جهد يومي للحفاظ على الوعي العام من التبسيط والسطحية، وهؤلاء الثلاثة هم من يتولون هذه المهمة، فيحمون الثقافة من الضعف والتشتت.

[email protected]

7 أبريل 2026
لطيفة بنت عيسى.. التراث يتوهّج بلمعان الحداثة

يعد اهتمام الفنان التشكيلي الإماراتي، بربط أعماله بالثقافة التراثية المحلية إحدى سمات المشهد الفني المحلي، حيث يسعى العديد من الفنانين لتوظيف الرموز التقليدية كالصقر والخيل والنخيل ليعبّر عن الهوية الوطنية في سياق حديث، ما يعكس رؤية تسعى لتقديم الإمارات للعالم من خلال فن يحمل رسالة ثقافية تحافظ على التراث بأسلوب يواكب العصر.
في اللوحة التي بين أيدينا للفنانة لطيفة بنت عيسى، ترجمة لهذه الرؤية الفنية، التي ترتكز فيها الفنانة على توظيف تقنية «الفن الهجين» لإبراز قيمة طائر «الصقر» الرمز الأيقوني في الثقافة الإماراتية، والذي يرتبط في الذاكرة التراثية المحلية؛ حيث كان رفيقاً للصيادين في الصحراء، يجسد القوة، والرؤية الحادة، والحرية، وأصبح شعاراً وطنياً يعكس الصمود والكرامة.

تقنية

تعتمد الفنانة في تنفيذ هذا العمل الفني على ما يعرف بـ «الفن الهجين»، وهو فن يقوم على دمج بين التصميم الديكوري والرسم التشكيلي، مع إدخال مواد حديثة كالمرايا والكريستالات لإضفاء بعد انعكاسي ولامع للعمل، وفي هذه اللوحة، تظهر الكريستالات الفضية واضحة على الريش، ما يخلق تأثيراً بصرياً يعكس الضوء ويوحي بالثراء التراثي، هذا النهج يتجاوز الرسم التقليدي، ليصبح العمل الفني متعدد الطبقات، يجمع بين القديم (الزخارف الشرقية) والحديث (الكريستالات الصناعية)، وتنجح الفنانة في خلق عمل يتجاوز الجماليات إلى الرسالة الثقافية، مؤكدة مكانة الفن الإماراتي عالمياً.
في اللوحة تقدم الفنانة لطيفة تصوّراً لصقر بجسد بني، مغطى بغطاء يشبه الرداء باللون الخمري المرصّع بلمسات ذهبية، محاطاً بأجنحة واسعة تتدفق بلمسات زخرفية غنية، لتعزز الفنانة من الطابع الفخم للعمل، فيما جاءت الخلفية بلون ترابي دافئ يعبر عن الصحراء في تباين ساحر يبرز تفاصيل الصقر بدقة عالية، مع لمسات كريستالية لامعة تضيف عمقاً ثلاثي الأبعاد للريش، وهذه «التقنية الهجينة» التي نفذت من خلالها الفنانة لطيفة اللوحة، تتجلّى واضحة في دمج الرسم الزيتي أو الأكريليك مع عناصر ديكورية مثل الكريستالات، ما يمنح اللوحة حركة بصرية تجعل الصقر يبدو حياً وجاهزاً للطيران.

تأثير


يثير العمل الانتباه والدهشة فورياً بفضل تباين الألوان الدافئة البني والأحمر والذهبي مع الخلفية الهادئة، ما يولّد شعوراً بالعظمة والقوة، كأن الصقر ينظر إليك مباشرة بنظرات حادة تعكس الرؤية الإماراتية البعيدة المدى. واللمسات الزخرفية المعززة بالكريستالات، تخلق عمقاً يدعو المشاهد للتأمل، مستحضراً ذكريات الصحراء والصيد.
تعد الألوان في اللوحة عنصراً أساسياً يعزز الربط العميق بالثقافة الإماراتية التراثية؛ حيث يسيطر اللون البني المحمر على جسم الصقر وريشه، مستحضراً ألوان الرمال الذهبية الدافئة تحت أشعة الشمس الحارقة في صحراء الإمارات، رمزاً للصمود والقوة الطبيعية، واللون الأحمر الخمري في الغطاء والزخارف يعكس ألوان الأقمشة التقليدية في فن الصقارة، بينما الذهبي يرمز إلى الثراء الثقافي والازدهار الوطني، وهنا تتجاوز الألوان الوصف البصري لتصبح رموزاً ثقافية تعبر عن الهوية الإماراتية، وهذا الاختيار اللوني الذكي يخلق تأثيراً عاطفياً حميماً، يثير الدفء والفخر الوطني لدى الإماراتي، ويقدم للعالم صورة بصرية للأصالة الإماراتية الممزوجة بالحداثة ببراعة، خاصة مع لمعان الكريستالات الذي يحوّل الألوان إلى جواهر تتفاعل مع الضوء المتغير، تتجلّى معها رؤية إماراتية تجمع بين الماضي العريق والمستقبل المشرق في إطار فني هجين استثنائي.

إضاءة


لطيفة بنت عيسى، فنانة تشكيلية إماراتية، بدأت رحلتها الفنية منذ الصغر، ما دفعها للالتحاق بتخصص هندسة الديكور، وجمعت بين الفن والدراسات العلمية في القيادة والإدارة واستراتيجية إدارة الأعمال، طورت أسلوبها المميز في «الفن الهجين»، الذي يدمج بين التصميم الديكوري والرسم التشكيلي باستخدام مواد حديثة كالمرايا والكريستالات والزجاج لإضفاء لمسات انعكاسية جذابة، شاركت في العديد من المعارض والفعاليات الثقافية محلياً وعالمياً.