لا تُقاس العلاقات بين الدول بحجم ما يُقال حولها، بل بقدرتها على حماية المصالح الحيوية، وتعزيز الأمن والاستقرار، والصمود أمام تقلبات المراحل. ومن هذا المنطلق، تأتي زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى أبوظبي محطة جديدة تستحق الاحتفاء، وتؤكد أن الرياض حاضرة في قلب الإمارات، وأن الحفاظ على هذه العلاقة وتنميتها ضرورة تتجاوز المصالح الثنائية إلى أمن الخليج ومستقبل المنطقة.
فقد استقبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الأمير خالد بن سلمان يوم الأحد 18 أكتوبر(تشرين الأول)، حيث نقل إلى سموه تحيات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فيما حمّله سموه تحياته إليهما. وتناول اللقاء العلاقات الأخوية وسبل تعزيز التعاون المشترك، إلى جانب التطورات الإقليمية والجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار وتحقيق السلام الدائم. وفي السياق نفسه، جاء الاتصال الهاتفي بين سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، والأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، وزير الخارجية السعودي، لبحث تطورات الأوضاع الإقليمية والجهود المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار المستدام، إلى جانب موضوعات الاهتمام المشترك. ويكشف التلاقي على المستوى القيادي والاتصال على المستوى الدبلوماسي عن استمرارية التشاور الإماراتي السعودي وتعدد قنواته، بما يعزز القدرة على التعامل مع التحديات المشتركة.
وفي السياق ذاته، جاءت رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، «رسالة إلى أبناء الخليج»، لتضع العلاقة بين دول المنطقة في إطارها الأوسع، مستحضرة التاريخ والجغرافيا والأنساب والمصالح المشتركة، وداعية إلى التقارب والتعاون وحسن إدارة الاختلافات مع الحفاظ على خصوصية كل تجربة خليجية. كما أكد الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، أن أمن الإمارات والسعودية ومصيرهما مشتركان، وأن الشراكة بينهما إحدى ركائز استقرار الخليج وازدهاره، داعياً إلى تغليب الحكمة والتكاتف.
وتلتقي هذه الرسائل عند معنى واحد، وهو أنّ ما يجمع الأشقاء أكبر من أي سجال عابر. وهنا تكمن دلالة العنوان، فالرياض في قلب الإمارات لأن العلاقة بين البلدين ليست ملفاً ثنائياً معزولاً، بل منظومة من الروابط التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، يعزز بعضها بعضاً.
وتستند هذه العلاقة إلى تاريخ طويل من الجوار، ووشائج اجتماعية وإنسانية تجاوزت الحدود السياسية، ونهج أرساه الآباء المؤسسون وحافظت عليه القيادتان. غير أن هذا الرصيد، على أهميته، يحتاج إلى مصالح متجددة ورؤية للمستقبل، وهو ما يمنح الشراكة الإماراتية-السعودية أهمية خاصة في مرحلة تتسارع فيها التحولات الاقتصادية والاستراتيجية.
اقتصادياً، يمتلك البلدان إمكانات واسعة للتكامل. فالثقل السكاني والجغرافي والاقتصادي للمملكة، إلى جانب مكانة الإمارات في التجارة والخدمات اللوجستية والاستثمار، يفتح آفاقاً للتعاون تتجاوز حجم التبادل التجاري إلى ربط الأسواق وتطوير سلاسل الإمداد وتوسيع فرص الاستثمار المشترك. والتنافس الإيجابي بين الاقتصادين محفّز للتطوير ومصدر قوة للمنطقة، فالتكامل لا يتطلب تطابق السياسات، بل القدرة على تحويل المصالح المتداخلة إلى مكاسب متبادلة تخدم الشعبين وتعزز تنافسية الخليج عالمياً. أما الأمن، فهو المجال الذي تتجلى فيه قيمة التنسيق بوضوح أكبر. فالتحديات التي تواجه المنطقة، من تهديد الممرات البحرية والمنشآت الحيوية إلى تعقيدات الأزمات الإقليمية، تؤكد أن أمن شبه الجزيرة العربية مترابط، وأن التعاون الدفاعي وتبادل المعلومات والتشاور السياسي عناصر أساسية في مواجهة المخاطر.
ولا يعني ذلك تطابق المواقف في جميع الملفات، فلكل دولة أولوياتها وخصوصية قرارها الوطني، لكن قوة العلاقات الاستراتيجية تظهر في الحوار المباشر والثقة المتبادلة اللذين يحفظان التعاون في القضايا التي تمس الأمن والمصالح الأساسية.
ومن هنا، لا ينبغي أن تتحول منصات التواصل إلى مرجعية لتفسير العلاقات بين الدول أو الحكم على مستقبلها، فالسجالات الرقمية قد تضخّم مواقف فردية، لكنها لا تعبّر بالضرورة عن اتجاهات المجتمعين الإماراتي والسعودي، ولا عن حسابات المؤسسات الرسمية. وهنا تبرز أهمية دور الإعلام الوطني في تقديم صورة متوازنة تُظهر عمق العلاقات ومتانتها.
إن وجود الرياض في قلب الإمارات يعني أن ما يجمع البلدين أعمق من أن تحجبه سجالات عابرة. فالشراكة التي تستند إلى التاريخ والمصالح والروابط الاجتماعية، وتفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي، لا تُصان بالاحتفاء بها فقط، وإنما بتطوير آلياتها، وتعزيز الثقة بين مؤسساتها، وتوسيع مجالات التعاون بين شعبيها.
وفي منطقة تتداخل فيها التحديات، لا يكفي التأكيد على أهمية العلاقات، بل الأهم أن تظل قادرة على مواجهة الاختبارات. فالقوة الحقيقية تكمن في الجمع بين استقلال القرار الوطني ومقتضيات المصير المشترك، وفي إدراك أن أمن الخليج يتعزز بتكامل دوله وتضامنها. وإذا كانت الرياض في قلب الإمارات، فإن أبوظبي أيضاً في قلب السعودية بالقدر نفسه، فهذه ليست معادلة للمجاملة، بل تعبير عن مصالح متبادلة وأخوّة صادقة يتوقف على متانتها جانب مهم من أمن الخليج وازدهاره.
