الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

قمة العمالقة في شينزن

22 أكتوبر 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 22 أكتوبر 2026 00:05 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
القمة الثلاثية المقترحة بين رؤساء الولايات المتحدة وروسيا والصين الشهر المقبل، قد لا تقدم ولا تؤخر شيئاً في مسار الأزمات الراهنة، ما لم تتوافر لدى الأقطاب الثلاثة إرادة سياسية جادة وقناعة راسخة بصياغة استراتيجيات توافقية تسهم في إعادة الاستقرار إلى النظام الدولي وإبعاد العالم عن حافة الهاوية.
اقتراح القمة جاء من الكرملين، إذ أعلن المتحدث باسمه عن رغبة روسية في لقاء يجمع الرئيس فلاديمير بوتين بنظيريه الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ، وهو اقتراح يعكس رغبة روسيا الواضحة في إعادة تمحور دورها كلاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه في هندسة النظام الدولي الجديد، ومحاولة لكسر طوق العزلة الدبلوماسية التي فرضتها القوى الغربية. وعلى الطرف الآخر، وتناغماً مع هذه الرغبة من منظور مختلف، سارع ترامب لإبداء استعداده للقاء نظيريه الروسي والصيني، فهو لا يقل حاجة عن بوتين في سياق ترتيبات أوضاعه الداخلية والخارجية، إذ يرى في هذه القمة فرصة مثالية لاختبار عقيدته السياسية القائمة على «عقد الصفقات الكبرى»، وإثبات قدرته على انتزاع مكاسب استراتيجية للولايات المتحدة عبر المفاوضات المباشرة من دون التزام بالقنوات الدبلوماسية التقليدية ليظهر بمظهر الزعيم الفذ الذي لم تأت السياسة الأمريكية بمثله.
الحماس الروسي والأمريكي للقمة، تقابله مقاربة صينية أكثر حذراً وعمقاً، فالرئيس شي جين بينغ يراقب المشهد الدولي بهدوء استراتيجي واسع الأفق، ولن يدخل القمة المفترضة إلا لضمان تحصين صعود بلاده الاقتصادي وتأمين نفوذها العالمي، وليقينه بأن مساعي إيجاد حلول للأزمات الراهنة تمر عبر بوابتها، وهي لن تقبل بصفقات قد تحد من طموحاتها كقوة عظمى تقود قطبية عالمية جديدة بما تمتلكه من قوة اقتصادية وتكنولوجية هائلة تجعل منها «بيضة القبان» في أي معادلات جديدة أو ترتيبات أمنية، قد يكون القطبان الآخران بحاجة إليها بصورة عاجلة.
تداخل الأزمات يفرض نفسه على تشابك المصالح، والإشارة هنا واضحة إلى ما تواجهه الولايات المتحدة العالقة في أزمة مع إيران وروسيا المتورطة في حرب بأوكرانيا. وكل قوة منهما تريد خلاصاً عاجلاً ومشروطاً بحفظ ماء الوجه وضمان المصالح الحيوية، فواشنطن تبحث عن صيغة لإنهاء الصراع مع طهران ولو بنصر شكلي، وموسكو تتطلع إلى تسوية ترسخ مكاسبها الميدانية في أوكرانيا والاعتراف بحدود نفوذها الجديد كمنتصر. ويبدو أن البلدين بحاجة إلى الصين في هذه المرحلة، على الرغم من أن أي مساع ستبدو محدودة إذا لم تأخذ في الحسبان مصالح الدول الأخرى، في أوروبا والشرق الأوسط، حيث تمتد شبكة من التحالفات تتقاطع فيها مصالح واشنطن وموسكو وبكين في آن واحد.
الأرجح أن قمة العمالقة الثلاثة ستنعقد في شينزن، عاصمة التكنولوجيا الصينية، ما لم يتدخل الشيطان الكامن في تفاصيل الملفات العالقة ليجهض اللقاء في ربع الساعة الأخير.
نجاح القمة المفترض لن يقاس بمجرد انعقادها أو بالصور التذكارية لمصافحات الزعماء الثلاثة، بل بقدرة مخرجاتها على تحويل النوايا إلى مسارات عمل حقيقية قد تخفف عن العالم وطأة الصراعات الإقليمية والحروب الاقتصادية وسباق التسلح التكنولوجي والنووي، وتأخذه إلى صياغة توازنات جديدة تمنح البشرية أمناً مستداماً وتأخذها بصدق واقتدار إلى بر الأمان.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة