الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
مفتاح شعيب
إعلامي
أحدث مقالات مفتاح شعيب
17 أبريل 2026
مخاض أوروبي لواقعية جديدة

عندما تندلع حرب أو ينشب صراع يسارع المراقبون إلى رصد النتائج الفورية في مسرح الأزمة للتمييز بين الخاسر والرابح، لكن هذه النظرة الأولية غالباً ما تكون خادعة أو ناقصة؛ لأن النتائج الميدانية السريعة لا تعكس دائماً المآلات الاستراتيجية بعيدة المدى، والرابح في الميدان ليس بالضرورة هو الرابح في السياسة والتاريخ.
بعد الحرب في أوكرانيا اندلعت سلسلة من الحروب في الشرق الأوسط، بدأت من قطاع غزة مروراً بسوريا ولبنان وصولاً إلى الحرب بين الولايات المتحدة /إسرائيل وإيران. وهذه السلسلة المتواصلة من النزاعات تكاد ترسم خريطة لمعركة واحدة، وكل منها لم تعرف الحسم بالمفهوم التقليدي وفق معادلة الغالب والمغلوب، فحرب أوكرانيا مازالت مستمرة، على يومياتها المكررة، منذ أكثر من أربعة أعوام من دون وصول أحد الطرفين إلى نصر أو استسلام. وفي الشرق الأوسط مازال الوضع في غزة معلقاً بين الحرب والسلام والأمر نفسه في لبنان. 
أما حرب إيران الأخيرة فقد توقفت بمفعول هدنة، تبدو مفاجئة، ولكن تفاصيلها غامضة ومفتوحة على المجهول، ولا يمكن الاطمئنان إلى مخرجاتها، خصوصاً إذا دخلت في نفق طويل من المفاوضات أو ارتدت إلى المربع الأول من الصراع.
السنوات الأخيرة كانت ملغومة بحروب خطرة وأزمات خانقة لم تقتصر على حيز جغرافي ضيق، بل أثّرت في العالم بأسره، وامتدت تأثيراتها إلى كل مكان بسبب تضرر العصب الاقتصادي وشرايين الطاقة واتساع الشعور باللايقين والضبابية، وتآكل مصداقية العلاقات بين الدول، وهو ما دفع بعضها إلى إعادة اكتشاف ذاتها وهندسة مصالحها وتحالفاتها حتى تواكب المتغيرات وتتحسب للمفاجآت الممكنة. وأبلغ الأمثلة ما تمر به أوروبا منذ أكثر من أربع سنوات، بعد أن تأكد لديها ذلك بفعل سلسلة التوترات في الشرق الأوسط والأزمات الاقتصادية التي صاحبتها. وبعد أن عاشت «القارة العجوز» لعقود تحت مظلة رفاه واستقرار نسبيين، بدأت تستيقظ مؤخراً على وضع جيوسياسي مؤلم، يتلخص في عدد من المعضلات منها قضية الدفاع والأمن، وتتصل مباشرة بعلاقة أقرب إلى العداوة مع روسيا، وتحالف مزعزع الثقة مع الولايات المتحدة، وغموض يواكب الصعود الصيني المتنامي. ومما يجعل الأزمة العامة مستفحلة في أوروبا، تدهور أمن الطاقة الذي أحدث هزة وجودية ضربت السيادة الوطنية لدول القارة وهددت قدرتها على تشغيل المصانع وتحريك مسارات النمو، وصولاً إلى شل دورها العالمي في صناعة القرار الدولي.
الأسابيع والأشهر الأخيرة حملت متغيرات لافتة في المواقف الأوروبية إزاء الأزمات العالمية والعلاقة مع بقية الأطراف، وخصوصاً واشنطن. وما يصدر من لندن وباريس وبرلين وروما بدأ يكشف عن تحول من المثالية السياسية، التي سادت في العقود الماضية، إلى واقعية جديدة تحاول إعادة قراءة كل شيء بناء على قناعات بأن موازين القوى التقليدية قد انتهت إلى غير رجعة وأن الاعتماد على النوايا الحسنة أو النظام الدولي القائم على القواعد الراهنة لم يعد يحمي مصالح هذه الدول في عالم بات يدار بالقوة الغاشمة والابتزاز الاقتصادي. ولأن مثل هذه الأزمات أشبه بمخاضات لولادة التحولات الكبرى، فإن أوروبا، التي تواجه الآن مرحلة حرجة، لديها من الإرث الحضاري والقيم والتجارب ما يوفر لها مسارات للخروج من هذا الوضع ويجعلها مجدداً حجر الزاوية في العالم الجديد.

[email protected]

2 أبريل 2026
حرب بين الوهم والحقيقة

من مفارقات العصر الراهن أن تشتعل فتائل حروبٍ تفتقر للغطاء القانوني، ويُقامر بالأمن الدولي بلا مسوغٍ أخلاقي، وتتشكل صراعات لا غاية لها سوى تلبية نزعاتٍ متطرفة استبدت بفردٍ أو حزبٍ أو أيديولوجيا، تربت كلها في مستنقعات من الجهل وأوهام العظمة والقوة التي تزين لها ارتكاب الخطيئة وتزيف لها معايير النصر والهزيمة.
ما يمر به العالم اليوم منذ ما بعد جائحة «كورونا» قبل ست سنوات، لا يمكن فهمه إلا من زاوية أن هناك انهياراً متسارعاً لكل ما يجمع التعايش الإنساني من قيم وضوابط وحدود، ويرسخ صورة معكوسة عن واقع يوهم بأنه منفتح ومتشابك، بينما الحقيقة أنه يزداد فرقة وتباعداً رغم ما يشاع عن ثورة رقمية وذكاء اصطناعي جعل كل طرف يعيش في «فقاعة معلوماتية» تغذي غروره بأنه الأقوى والأجدر بالسيطرة من الآخرين.
هذه العقد تتراكم من عام إلى آخر، ومن أزمة إلى أخرى وصولاً إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهي حرب ليست خارجة عن النسق، لكن ما تضمنته من إخلالات بالأمن الإقليمي جراء الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربية، يجعل من الأفق شديد الضبابية واللايقين، ويشوش النظر على تبين ملامح اليوم التالي لهذا الصراع المزدحم بالتناقضات والأكاذيب الممارسة بأكثر الأدوات خبثاً وانسلاخاً عن المعايير التقليدية للعلاقات بين الدول أو حتى إدارة الصراعات بينها، بينما تبقى الحقيقة الضحية الأولى لهذا الطوفان من الحرب النفسية والتزييف الممنهج.
الأطراف في هذه الحرب، التي فرضت على الشرق الأوسط وفي صدارتها دول الخليج، لا تتكلم باللغة المألوفة في مثل هذه الأوضاع، وبين من يتحدث عن قرب النهاية ومن يدعي «الصمود الطويل» هناك فجوة واسعة لا تسمح بالقراءة الصحيحة للمشهد ولا تمكن من معرفة المسارات التي يمكن أن يسلكها التصعيد أو يتراجع عنها. وكأن ما يبدو من تشتت ليس مجرد صدفة صنعتها ظروف المعركة، بل أداة لإدارة الصراع وتصفية جملة من الحسابات، كثير منها مفاجئ وصادم، ضمن متاهة متحركة، كلما ذهب الظن إلى أنها اقتربت من المخرج، ارتدت فجأة إلى نقطة الصفر.
بعض القراءات تشير إلى أن ما بعد هذه الحرب في المنطقة والعالم لن يكون كما قبلها، بالنظر إلى الصدمات التي سببتها للأمن الإقليمي والاقتصاد وسنن التعايش بين الدول. وإذا كانت هذه المعركة من ضمن سلسلة الحروب الرامية إلى نسف النظام الدولي المتداعي لإرساء نظام آخر، فإن الطريق يبدو طويلاً ومجهولاً، والنتائج النهائية فادحة ومؤلمة وغير قابلة للتفاؤل، طالما أن قوى إقليمية أو دولية، وتحت ضغط من أوهام السيطرة المطلقة، ترى أن مصلحتها تكمن في نسف قواعد العلاقات الراسخة والمقامرة بمصالح الدول والشعوب المسالمة، التي لا تساوم على أمنها ومبادئها، وهذه القوى هي الأغلبية الساحقة في عالم اليوم مقابل ثلة من تجار الحروب.
صحيح أن الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط متوتر وشديد القتامة، ولكن الأمل بتجاوز هذا الوضع إلى ما هو أفضل مازال صامداً، وسيكون النصر حليفه مهما طالت المعركة واستنزفت من موارد، وإذا كان للباطل جولة فللحق صولات وجولات، والخير أبقى من كل الشرور، مهما استبدت وتمادت ومارست من زيف وتضليل.

[email protected]

26 مارس 2026
دروس وعِبَر لا تموت

مفتاح شعيب

يطرح التصعيد العسكري في الإقليم والاعتداءات الإيرانية المستمرة على دول الخليج العربية تساؤلات استراتيجية ملحّة حول أمن المنطقة والتهديدات المستقبلية في ظل غياب مظلة عربية جامعة، وانعدام التضامن الدولي الفعال، وترهل المنظمات الأممية وانكفاء دورها عن الردع الفعلي.
هذه الحرب، لم يكن لدول الخليج العربية دور فيها، بل سعت، منذ بدء نذرها، بكل ما تملك من أدوات القوة الناعمة والعلاقات المتعددة الأطراف أن تتفادى نيرانها وأن تجنب الإقليم والعالم شرها وتداعياتها السلبية، وجدت نفسها بفعل الاعتداءات الإيرانية غير المبررة في قلب هذه الأزمة. وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر دول «التعاون» انخراطاً في الجهود الدبلوماسية ودعم الوساطات التي كانت قائمة بين واشنطن وطهران قبل تفجر الصراع. وكانت النتيجة المروعة، أن قوبلت تلك الجهود الخيرة بنكران للجميل من الجانب الإيراني الذي استهدف الدولة ب 372 صاروخاً باليستياً وجوّالاً و1815 مسيّرة، وأدت تلك الاعتداءات إلى استشهاد ثلاثة من منتسبي القوات المسلحة الإماراتية ووفاة 6 مدنيين وتعرّض 166 من جنسيات مختلفة لإصابات بسيطة ومتوسطة. وهذا الحجم من القوة النارية العدوانية الموجهة ضد دولة آمنة ومسالمة جريمة حرب مكتملة الأركان، ونكراناً إيرانياً صريحاً لمبادئ حسن الجوار، التي التزمت بها الإمارات لعقود، وهو ما يضع المجتمع الإقليمي والدولي أمام مسؤولية تاريخية واختباراً حاسماً لكشف كفاءته ونواياه للجم السلوك العبثي وتعطيل ماكينات التضليل التي تزعم استهداف «مواقع عسكرية»، وغايتها الاعتداء على الأعيان المدنية والمرافق الحيوية لضرب الاستقرار الاقتصادي والنموذج التنموي الذي تمثله دول الخليج وفي صدارتها الإمارات.
هذه الحرب ستنتهي ولكن دروسها ستبقى مدوية عقوداً وعِبَر لن تموت في المستقبل، بعدما شهدته من سقوط للأقنعة وما عرفته من تضليل وخداع وسياسات باطنية وانهيار لقيم الصداقة ونسف للمواقف وإفلاس استراتيجي في مستويات عدة. وقد يكون أول ضحايا هذه الحرب ما كان يسمى بالعمل العربي المشترك والتعاون الإسلامي ومؤسساتهما المغيّبة عن الفعل والحركة، وقد أثبتت في هذه الأزمة أنها لم تعد قادرة على مقارعة التحديات، وحتى «اتفاقية الدفاع العربي المشترك» ما تزال حبيسة الأدراج منذ ثلاثة أرباع القرن لم يجر تفعيلها أبدا، ولم تدافع عن أي شعب عربي على مدى الحروب والصراعات التي سحقت ملايين العرب. وعلى الصعيد الإسلامي، لم ترقَ المواقف إلى ما تتطلبه المخاطر من صرامة وحزم، وظلت تتغنى بالبيانات الإنشائية المكررة، أما من الناحية العملية، فلا يوجد نسق عملي يصنع الردع ويجسد مبادئ التعاون والتضامن، كما كان مأمولاً منذ 57 عاماً بعدد الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.
العتاب على العمل العربي والإسلامي المشترك مرده واقع عربي وإسلامي مرير يشهد انفصام القول عن الفعل، ويواجه ضياعاً استراتيجياً في عالم متسارع التقلبات، وقد لا يلحق لتدارك ما فاته من فرص بعدما استنزفته السياسات الخاطئة والصراعات البيروقراطية التي نسفت جبالاً من الأحلام بالتقدم والازدهار والتفوق العلمي والمعرفي. وكل من يشعر بالألم والغيرة على هاتين الأمتين، وهما نحو ثلث البشرية اليوم، يعزّ عليه أن يكون الوضع متردياً وضحية للفرقة والتشرذم وغياب الرؤية المشتركة مما يجعل من الكتلة البشرية الكبيرة مجرد «رقم إحصائي» مغيّب في واقعه الإقليمي كما هو غائب عن الفعل الدولي الحقيقي.

[email protected]

12 مارس 2026
لا حياد في حضرة الأوطان

عندما تسود العبثية والسخافة ونكران الجميل تسقط القيم وتتبخر المفاهيم التقليدية للقانون الدولي والعدالة وحسن الجوار، ويصبح المشهد فوضوياً وأقرب إلى الجنون، مثلما هو حال منطقة الشرق الأوسط. وبعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران وقع المحظور، وتعرضت دول الخليج العربية وأولها دولة الإمارات لاعتداءات غير محسوبة من طهران، تركت غصة في نفوس الملايين وشعوراً عميقاً بالخيانة من جار قديم، وآخرين يحلقون في الأوهام بعيداً.
لم تشهد منطقة الشرق الأوسط في تاريخها المزدحم بالحروب والفتوحات والانهيارات، حرباً معقدة كهذه اختلط فيها حابل الغارات الجوية بنابل الصواريخ والمسيرات، وكأن في الأمر مؤامرة أو نية خبيثة مضمرة لبث الفوضى في المنطقة. وإذا كان بين الولايات المتحدة وتابعتها «لسان اللهب» إسرائيل ما تتقاتلان عليه مع إيران، إيديولوجيات متطرفة وسباقات بين الهيمنة والتصدي، لم يكن للأطراف الأخرى، ولاسيما دول الخليج، أي علاقة بالصراع ولا لديها رغبة أو حرضت عليه.
ولأنها تعرف التداعيات والنتائج الوخيمة، لم تألُ هذه الدول جهداً في الدعوات الصادقة إلى تفادي أي تصعيد، وحذرت من ارتدادات خطيرة تتجاوز حدود المنطقة، وقد تقطع الشرايين الاقتصادية إلى القارات الأخرى التي تتغذى من منطقة الخليج خزان النفط والغاز الاستراتيجي وقلب الطاقة في العالم.
عندما تصبح الأوطان مهددة وعرضة للاستهداف لا مكان للوقوف على الحياد، ولا مجال لخيانة الأرض والتاريخ والانتماء، وما تتعرض له دولة الإمارات من اعتداءات إيرانية، لا يمكن تبريره أو الصمت عليه، فهذه الحرب لم يكن للإمارات دور فيها، بل عملت بجهود مخلصة على تفاديها، ولم تتوقف اتصالاتها الدبلوماسية مع مختلف القوى الفاعلة لإخماد نيرانها قبل الحريق، وعندما تغلب التهور على الحكمة وانفجر الصراع، لم تسمح الإمارات باستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية في أي هجوم ضد إيران أو أي دولة أخرى، التزاماً منها بسياسة حسن الجوار وحفاظاً على مبادئها الدبلوماسية. وبالحزم نفسه، تشكلت، في لحظة تاريخية فارقة، مشهدية وطنية جمعت كل التنوع الإماراتي لحماية الدولة ومكتسباتها وصون أمن المواطن والمقيم والزائر ومن تقطعت بهم السبل بعد تأثر حركة الملاحة الجوية. وبفضل صلابة الجبهة الداخلية، يشتد عزم الإمارات على تجاوز هذه الأزمة العصيبة والاعتبار بما وقع والاستفادة من دروسها في المستقبل.
مشهد هذه الحرب اللعينة يعطي انطباعاً جدياً بأنها حرب عالمية وليست إقليمية، لم تعد فيها الضربات مقتصرة على الأطراف المتحاربة مباشرة، بل امتدت إلى دول ومنشآت طاقة حيوية، وكأن الأمر مدروس ومخطط له مسبقاً ويروم تحقيق أهداف غير منظورة في الوقت الراهن. وهذه الحرب لم تكن قدراً محتوماً بل نتيجة «أمر دُبر بليل» لغايات وأهداف لا علاقة لها بما يتردد وسط ضجيج السلاح والشعارات. ورغم محاولة كل طرف رسم النصر الذي يتوهمه، ستظل هذه الحرب في الشرق الأوسط وصمة عار، لأنها سليلة سياسات طائشة وشاهدة على ضياع البوصلة الدولية وتآكل قواعد القانون الدولي، وسقوط الأخلاق والمواثيق والمعاهدات التي يفترض أنها الضامنة لعدم الانزلاق إلى هذا الوضع المؤسف وتجرع مرارة واقعية بسبب ما يتداخل في هذه الأزمة من غدر وأنانية وتنصل من المسؤولية. ومهما سعى دعاة الحروب إلى تجميل المشهد، ستدينهم هذه الأحداث طويلاً، وسيكون المجد الحقيقي للأوطان المتمسكة بهويتها وسيادتها والمتطلعة إلى الاستقرار والخير والكرامة.

[email protected]

26 فبراير 2026
وداع مؤلم لحقوق الإنسان

يحتفظ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بمكانة رفيعة المستوى، فهو مؤتمن على تطبيق القانون الدولي، ويحاول أن يكون الناطق باسم الضمير الإنساني عندما يخرس كثيرون، بل يمثل فصيلة من السياسيين توشك على الانقراض لتترك المجال لفصائل جديدة تتعمد إفساد النظام الدولي وضرب قواعده وإسقاط منظومة أخلاقه وقيمه.
التزاماً منه برسالته على رأس المنظمة الدولية، أطلق غوتيريش صيحة فزع جديدة، في كلمة وداعية لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، عندما حذر من انتشار «شريعة القوّة» التي باتت تتغلب على قوة القانون، بفعل تجاوز أصحاب النفوذ القانون الدولي واستخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات أخرى لمهاجمة حقوق الإنسان.
وبحكم منصبه، لا يستطيع البوح بأكثر من ذلك، ولا يحتاج حتى إلى تسمية أي طرف لأن المدانين بهذه السلوكيات الشائنة يظهر فسادهم في كل مكان، ويتعمدون قمع كل صوت يتجاسر على قول الحقيقة. الشاهد على ما تتعرض له حقوق الإنسان من تجاوزات وانتهاكات، حال المقررة الخاصة للأمم المتحدة بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز، فهذه السيدة تكالبت عليها حملات سياسية وإعلامية شرسة من أبناء جلدتها الغربيين وقارتها أوروبا، لأنها لم تهادن في فضح ما يتعرض له الفلسطينيون، ولا سيما في قطاع غزة، من جرائم ضد الإنسانية ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية ودعواتها المتكررة إلى مقاطعة إسرائيل وملاحقة كل مجرمي الحرب لديها.
وفي محاولات فجة لإسكات السيدة ألبانيز ودفعها إلى الاستقالة وجهت إليها اتهامات «معاداة السامية»، وهي ذريعة جاهزة ومبتذلة يتم استخدامها بحماسة ضد أي صوت يجرؤ على انتقاد السرديات الإسرائيلية وانتهاكاتها الخطرة لحقوق الإنسان. وما حدث ويحدث في غزة والضفة الغربية من قتل جماعي وتدمير ممنهج واستيلاء على الأراضي واستيطان محموم يدين المجتمع الدولي على صمته وتخاذله في اتخاذ ما يلزم من إجراءات مناسبة لردع قوة الاحتلال الغاشمة. والفاجعة الأخلاقية تتمثل في أن الجريمة لم تعد جريمة في حد ذاتها، بل تعتمد على «من الفاعل؟» و«من الضحية؟»، وعلى هذا الأساس يمكن تصنيفها إما جريمة أو عملاً مشروعاً قد يستوجب التبرير والإشادة والمكافأة أيضاً.
البكاء على أطلال حقوق الإنسان التي درست بفعل الانفلات الواسع للقوة غير المنضبطة ومنطق شريعة الغاب، لم يعد يجدي في إحداث تغيير في هذا الواقع، بالنظر إلى أن الفجوة بين الشعارات النظرية والممارسات العملية قد اتسعت حتى انعدمت الثقة. وبدلاً من أن تكون مبادئ العدالة الدولية والقيم الإنسانية الراسخة خيمة للمستضعفين ودرعاً لهم في أوقات الشدائد، أصبحت أدوات للهيمنة بأيدي القوى المتطرفة. وبهذا المنطق تصبح الغاية من قتل عشرات الآلاف من الأبرياء ومنح الحصانة تحقيق السلام، وتكون استباحة سيادة الدول والتطاول على الحقوق التاريخية للشعوب، تثبيتاً لدعائم الأمن، والاستخفاف بالمنظمات الدولية إعادة بناء لمعايير العلاقات الدولية.
وبالإجمال، هناك توجه إلى التطبيع مع الانقلاب على المنظومة القانونية الإنسانية والمعاهدات الناظمة للعلاقات بين الدول، ليصبح البقاء فيها للأقوى وليس لمن يتحلى بالضمير الإنساني وينتصر لقيم العدالة والتعايش وحب الخير للجميع.
تراجع الاهتمام بحقوق الإنسان واضطهاد من ينادي بها يعكس «ردة عالمية» عن كل المكتسبات التي تحققت بعد الحرب العالمية الثانية. وفي ضوء ذلك يبدو أن العالم بصدد وداع تلك الأدبيات لينتقل إلى مرحلة سوداوية تقوم على استهداف القانون الدولي وتصفية مؤسساته وشيطنة الحقيقة مهما كانت واضحة وصريحة.

[email protected]

19 فبراير 2026
الغرب يتصدع والشرق يتوثب

طوى مؤتمر ميونيخ للأمن دورته الثانية والستين وقد غلب عليها التوتر والانقسام، وأظهرت بصورة صريحة أن النظام الدولي الحالي لم يعد موجوداً بشكله القديم، وأن تصدع المعسكر الغربي أصبح واقعاً لن ينفع معه تجميل أو ترميم، في ظل فجوة تزداد اتساعاً بين القوى الفاعلة عبرت عنها خطابات مرتبكة عكست إدراكا عميقاً للمخاطر العالمية.
من الحقائق التي أصبحت يقيناً، بعد هذه الدورة، أن العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا تمر بحالة قلق وجودية وسط مساعٍ لإعادة صياغة التحالف وتجنب انهياره وتضرر المصالح الاستراتيجية للطرفين. ورغم قيام وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بدور «الواعظ» عبر دعوة الأوروبيين إلى أن يكونوا أقوياء لا تابعين، وترحيبه بتخلي «القارة العجوز» عن اعتمادها على «ابنتها» الولايات المتحدة في قضايا الدفاع والأمن، إلا أن المسؤولين الأوروبيين، والبريطانيين أيضاً، عبّروا عن شعور بالانكشاف والتجاوز والاصطدام بخيبة أمل استراتيجية في الحليف الأمريكي الذي يقود انقلاباً على التقاليد الراسخة بين ضفتي الأطلسي. وإزاء هذا الوضع المستجد تداعت الندءات إلى إعادة بناء العقيدة الدفاعية والسياسية الأوروبية على أسس تواكب المتغيرات المتسارعة، وهو ما عبّرت عنه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بتأكيدها أن القارة مطالبة بإعادة حساباتها الأمنية ورسم خطوط حمراء تستجيب لمصالحها الحيوية ودورها المستقبلي في عالم لم يعد كما كان.
لم يعد موضع الشك عمق المأزق الذي يواجه الاتحاد الأوروبي. وبعد أن ظلت روسيا طوال السنوات الماضية تشكل أكبر تهديد للاتحاد، وكانت الصين قوة مريبة، أصبحت الولايات المتحدة اليوم عامل إزعاج وخطراً متزايداً بالنظر إلى تصدع العلاقات الراسخة بين الطرفين وتآكل الثقة في الهياكل والتحالفات الدولية، التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي الوضع الراهن أصبحت تلك الهياكل، بما فيها الأمم المتحدة وأجهزتها، وحتى حلف «الناتو»، مفرغة من مضامينها ولم تعد تحمي أحداً بالمعنى القانوني والأمني. ومن مؤشرات ذلك دفع الأمم المتحدة إلى الإفلاس وتعمد ضرب مصداقيتها وقدرتها على تطبيق القانون الدولي، أما الأزمة، التي انفجرت في قلب «الناتو» بسبب السعي الأمريكي إلى ضم جزيرة غرينلاند الدنماركية، فقد أكدت أن هذا الحلف أصبح بحكم الميت سريرياً، ولم يتبق في عمره الكثير، وستكون الضربة القاضية إذا أقدمت إحدى الدول المؤسِسة للحلف بغزو أراضي دولة أخرى أو هددت سلامتها الوطنية. ومثل هذه الظواهر لا يمكن نزعها من سياق التدهور الدولي، الذي يشهد أيضاً سقوطاً مدوياً للأخلاق والقيم تحت زحف الأفكار الشعبوية التي يحركها مبدأ البقاء للأقوى والمقولة الميكافيلية «الغاية تبرر الوسيلة».
في ظل هذا المشهد الدولي الذي بات أقرب إلى الفوضى، يمكن الاستنتاج بأن مؤتمر ميونيخ للأمن قد أسفر عن ثلاثة مواقف، أمريكية وأوروبية وصينية، ورابع لروسيا حاضر بالغياب. وكل منها يحمل وجهة نظر تتباين أو تختلف مع المواقف الأخرى. وكان لافتاً أن الصين، التي تفضل اللعب بعيداً عن الأضواء وتمثل الشرق المتوثب على المستقبل، حاولت أن تستغل التصدع الغربي والتبرم العالمي من سياسات الهيمنة الأحادية، لتصوير نفسها كقوة استقرار تدعم نظام الأمم المتحدة والتجارة الحرة ومركز ثقل عالمي متزن. وفي ظل نظام دولي مضطرب، فإن مثل هذا الخطاب الصيني يمكن تصريفه في سوق التنافس الجيوسياسي ويسدد ضربة موجعة للمعسكر الغربي ويصيب كبرياءه في مقتل.
[email protected]