عندما توضع الحرب الدائرة في أوكرانيا في ميزان الخسائر البشرية والمادية قد لا تساوي كثيراً أمام ما تشهده صراعات أخرى من عشرات أو مئات الضحايا يومياً ودمار واسع للمدن والقرى مثلما جرى في لبنان وقبله في قطاع غزة على يد آلة العدوان الإسرائيلية، إلا أن تلك الحرب تظل الأشد خطراً على الاستقرار العالمي، فهي مفردة بصيغة الجمع تتبارى فيها القوى المختلفة على تقاسم النفوذ وإمدادات المعادن النادرة والمصالح الجيوسياسية.
سياسة الأرض المحروقة، التي برعت فيها تاريخياً، القوات الروسية في العهدين القيصري والسوفييتي وحتى حرب الشيشان في التسعينيات، لم يتم اتباعها في معركة أوكرانيا، بل تصر موسكو على تسميتها «عملية عسكرية خاصة»، وهي مفتوحة إلى أجل غير مسمَّى حتى تحقيق أهدافها التي تتغير بحسب المعطيات الموضوعية للمعركة وبناء على مواقف خصوم روسيا الأوروبيين وتقلبات السياسة الأمريكية. ومن هذا المنطلق فإن محاولة وضع إطار لهذه الحرب لا يبدو ممكناً، إذ تتداخل فيها أبعاد معقدة تجعل من الصعب حصرها في قالب واحد، كما يصعب تحديد سقف لمداها الزمني أو حدود لتوسعها الجغرافي.
في هذا التوقيت، ومع دخول الحرب عامها الخامس، لم يعد الصراع مجرد نزاع حدودي أو ديمغرافي، بل تحول إلى «حرب استنزاف عالمية» تنخرط فيها كل القوى الدولية من الولايات المتحدة إلى الصين والمعسكر الغربي كله. ورغم محدودية الخسائر مقارنة بالقدرة المفترضة على التدمير، أصبحت الجبهة الأوكرانية ساحة اختبار لمنظومات التسلح والاستراتيجيات العسكرية وحروب الذكاء الاصطناعي بين القوى العظمى. وفي الوقت الذي تتلقى فيه كييف أحدث ما تملكه الترسانات الغربية من تكنولوجيا عسكرية ومساعدات استخباراتية حية، تواصل روسيا امتحان جاهزيتها لصراعات أوسع عبر تجريب ما تنتجه من معدات وأسلحة متقدمة وصواريخ فرط صوتية ومنظومات الحرب الإلكترونية فائقة التطور، وهي تفعل ذلك بالتنسيق الكامل، سراً وعلناً، مع الصين وحلفائهما. ووفق هذه الصورة فإن رؤية نهاية قريبة لهذه الحرب، عميقة الأبعاد ومتعددة الفواعل، لا تبدو واقعية تماماً.
النتائج الأولية لهذا الصراع الممتد منذ 1560 يوماً أن أوروبا، الداعم الأساسي لكييف في مواجهة موسكو، قد أصابها الإرهاق السياسي والاقتصادي نتيجة الكلفة المالية الباهظة لدعم أوكرانيا وعدم استسلام روسيا كما راهنت العواصم الغربية عند اندلاع الأزمة. أما الولايات المتحدة، وهي لاعب أساسي في هذه الحرب، فقد ارتبك موقفها بين مقاربتي إدارتي جو بايدن ودونالد ترامب، ومثلما فشلت سياسة بايدن القائمة على الدعم المطلق والتسليح النوعي لكييف، فشل ترامب أيضاً في سياسة الاحتواء والتقدم إلى ساحة المعركة وسيطاً و«رجل سلام». ومن الواضح أن الموقف الأمريكي المتقلّب قد أثر بشدة في معسكر «الناتو» الداعم لأوكرانيا، بينما لم يتزحزح الموقف الروسي، ولم يُبدِ مرونة رغم استمرار الضغط والخسائر والعقوبات.
النزاعات المعاصرة لم تعُد تقاس نتائجها بالمعايير التقليدية مثل سرعة الإنجاز والتوغل في أراضي العدو أو عدد الجنود القتلى في الميدان، بل أصبحت تُقاس بمدى القدرة على إرهاق جميع الأطراف دون اللجوء إلى الضربة القاضية. وعند محاولة تصنيف الحرب الدائرة في أوكرانيا، فإن أول ما يلاحظ أنها غير تقليدية، وهي من جنس «الحروب الرمادية»، التي تعتمد أسلحة مبتكرة وقليلة الكلفة والخسائر أيضاً، ولكنها بعيدة الأثر وتضرب في العمق الأسس القائمة وتعمل خطوة خطوة لإعادة تشكيل نظام عالمي جديد لا يشبه ما سبق.
[email protected]
لم تكن للقمة الصينية الروسية في بكين نتائج مفاجئة، لأنها لا تخرج عن المسار الذي رسخه زعيما البلدين شي جين بينغ وفلاديمير بوتين في قممهم السابقة خلال العقد الماضي، لكن المفاجئ والمثير للانتباه أن هذه القمة، التي جرى ترتيبها على عجل، جاءت بعد الزيارة التاريخية التي قام بها إلى الصين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
بعد انقضاء نحو أسبوع على عودة ترامب إلى واشنطن وانغماسه في ممارسة لعبته المفضلة في إشعال التوتر العالمي بمزيج من الخطاب الرقمي التصعيدي والسياسات الاقتصادية الصادمة، لم تتضح بعد مخرجات قمته مع شي على الصعيد الاستراتيجي البعيد، رغم الإعلان عن تفاهمات اقتصادية أولية وتعهدات باستمرار التواصل بين المسؤولين في البلدين. وهذه النتيجة تعتبر موضوعية في العلاقة بين القوى العظمى، والأجوبة حول الأسئلة المطروحة بشأنها قد لا ترد مكتوبة أو لا تعلنها خطابات دبلوماسية، بل كثيراً ما تجري ترجمتها إلى سياسات عملية تخص القضايا الخلافية والأزمات الدولية التي تمثل حقول اختبار حقيقية لمدى جدية الطرفين في الالتزام بالاستقرار الاستراتيجي أو إعادة هندسة خريطة النفوذ والمصالح على امتداد العالم.
زيارة الرئيس الروسي إلى الصين ليست تعقباً لآثار نظيره الأمريكي فحسب، وإنما تأكيدٌ عملي على عمق «الشراكة الاستراتيجية اللامحدودة» بين موسكو وبكين، ومحاولة لإعادة ضبط موازين القوى الدولية تمهيداً لصياغة النظام العالمي الجديد، الذي يبدو أن القوى العظمى الثلاث، الولايات المتحدة والصين وروسيا، باتت تعمل عليه بمناهج ومقاربات مختلفة تتأرجح بين الصدمات الاقتصادية، والدبلوماسية المرنة، والعمليات العسكرية الخاصة وصناعة التوتر الجيوسياسي، كما هو الحال في ملفات أوكرانيا وإيران وتايوان، وهي أزماتٌ يتصل كل منها بركيزة من ركائز القوة الدولية، وتتشابك خيوطها لترسم مجتمعةً حدود العلاقة بين واشنطن وموسكو وبكين، وتمهد لاحقاً لتضع لبنات النظام الدولي المتشكل.
انطلاقاً من هذا التشابك، يبدو أن القوى الثلاث باتت تدرك أن السيطرة على مخرجات أزمة الشرق الأوسط وحسم صيغة للسلام في أوكرانيا وتسوية ما بشأن تايوان، ستكون المحدد الحقيقي لحجم نفوذ كل منها على طاولة القيادة الدولية في العقود المقبلة ضمن نظام عالمي لا يحتاج بناؤه إلى تحالفات عقائدية جامدة، بل إلى إدارة ذكية، وأحياناً خبيثة، للمصالح المتعارضة التي تتطلب نسج تفاهمات مرنة ومقايضات استراتيجية عابرة للملفات. وبناء على هذا التصور يمكن فهم أن الديناميكية البراغماتية الصارمة التي تتحكم بسياسات القوى العظمى قد جعلت من الساحات الإقليمية المشتعلة، في أوروبا والشرق الأوسط وشرقي آسيا، مجرد أوراق تفاوضية على رقعة الشطرنج الكبرى التي تختزل لعبة متفردة أصبحت فيها الصراعات الإقليمية مجرد أدوات متبادلة تقايض فيها التهديدات بالأرباح، وتقاس الانتصارات بحجم التنازلات المنتزعة وليس بالحسم التقليدي للمعارك.
هذا المشهد الجيوسياسي المعقد يعكس واقعاً دولياً جديداً، تهيمن فيه ثلاث قوى عظمى على مفاصل الأزمات والملفات الكبرى، بينما لم يعد أمام الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى سوى التكيف مع معادلة صفرية تنعدم فيها الوعود الدائمة والتعهدات الثابتة، ليصبح معيار البقاء مرهوناً بالقدرة على المناورة وتفادي ارتدادات تقلبات المصالح الكبرى، والمعارك التي تدار عن بعد، وحولت الصراعات الإقليمية ومصائر دول وشعوب إلى مجرد نقاط تفاوضية على طاولة الكبار.
[email protected]
منذ اعتلائه سدة الحكم في الأليزيه عام 2017، جابه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أزمات متلاحقة وتحديات جسيمة واكبتها انتقادات حادة. ومثلما أبدى كثيراً من الصلابة في مواجهة التعقيدات الداخلية، حرص على تمايز الموقف الفرنسي في القضايا الدولية، واشتبك في سجالات علنية مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايتيه الأولى والثانية، في ظل علاقات ما تزال مشوبة بالتباعد. ولا تعكس هذه السياسة محاولة شخصية للتفرد، بقدر ما تتأصل في عمق الواقعية السياسية الفرنسية، التي تسعى للتكيف مع المتغيرات الدولية بعيداً عن الانفعالات العاطفية.
من معالم هذه الواقعية، مشاركة ماكرون في قمة «إفريقيا إلى الأمام» بالعاصمة الكينية نيروبي، كأول قمة فرنسية إفريقية تُعقد في دولة ناطقة بالإنجليزية وخارج الفضاء الفرنكفوني التقليدي. ومن هناك، أعلن ماكرون صراحةً انتهاء حقبة «مجالات النفوذ» الفرنسية في القارة، في خطوة تعكس سعي فرنسا لتنويع شراكاتها والتحرر من موروثها الاستعماري المعقد، وهو توجّهٌ له من يؤيده داخل النخب الفرنسية المعاصرة، ويتأسس على القناعة بضرورة التكيف مع «عالم متعدد الأقطاب» والتخلي عن الأنماط التقليدية للهيمنة. وفي العرف الفرنسي الراهن، لا يعد هذا الموقف إقراراً بخسارة معركة أو تراجعاً في الدور والمكانة الدولية، بل أداة براغماتية لإعادة التموضع الجيوسياسي بما يكفل لباريس صياغة معادلة متوازنة تجمع بين مرونة التحرك وحفظ الهيبة الدولية.
في الأدبيات السياسية الفرنسية بدأت تظهر بعض المصطلحات للتعبير عن هذه الاستدارة الاستراتيجية التي ينتهجها الأليزيه، ومن تلك المصطلحات «الماكرونية»، وهي أسلوب عمل اتخذ من اسم الرئيس ماكرون عنواناً مرحلياً للتعبير عن روح جديدة للدولة الفرنسية. وقد تجلت هذه «الماكرونية» أول الأمر في حركة «فرنسا إلى الأمام» عام 2017، ثم «حزب النهضة» عام 2022، وجسّد هذا التوجّه، بقطع النظر عن مسمياته، محاولة لتجاوز الانقسام بين اليمين واليسار وبناء نموذج يتسم بالحيوية والانفتاح على القوى الفاعلة في المجتمع الفرنسي. ورغم أن النتائج كانت محدودة في الداخل، هناك وجه آخر في السياسة الخارجية يطرح مقاربة جديدة تكاد تكون «ثورية»، فبدلاً من التمسك بمكتسبات الماضي الآفلة، خصوصاً في المستعمرات الإفريقية السابقة، اندفعت الدبلوماسية الفرنسية نحو فضاءات واعدة وقوى صاعدة مثل دول الخليج العربية والهند والصين ودول آسيا الوسطى، وقد تبنّت هذه الدبلوماسية مقاربة سياسية واستثمارية مرنة تتجاوز عقدة اللغة والتاريخ الاستعماري، لترسم صورة مختلفة لفرنسا وحضورها الدولي من دون أن تفقد مكانتها كدولة كبرى وقائدة لأوروبا مع ألمانيا الاتحادية.
منذ ما قبل حرب أوكرانيا والأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط، استشرف ماكرون المستقبل، وصدم حلفاءه قبل خصومه بأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) أصبح في حالة «موت سريري»، وكان أسبق من غيره في الدعوة إلى «السيادة الأوروبية» وتحويل القارة إلى قوة جيوسياسية مستقلة، متجاوزاً بذلك التبعية التقليدية لواشنطن.
ما يأتيه ماكرون من مواقف وسياسات مثيرة للجدل لا ينبع من عبقرية شخصية ذاتية، بل يعكس أدبيات الواقعية الفرنسية الراسخة منذ أرسى الجنرال شارل ديغول دعائمها عام 1958، وهي واقعية تفرض التحرر من قوالب التحالفات الجامدة، ولا ترى حرجاً في التخلي عن مناطق نفوذ تاريخية لصالح شراكات أكثر نفعاً واستدامة.
[email protected]
لم تلق قمة قوى اليسار التي احتضنتها برشلونة الإسبانية، في الأيام القليلة الماضية، الكثير من الاهتمام، إذ توارت خلف ضجيج الصراع الأمريكي الإيراني، والأوضاع المأوزمة في الشرق الأوسط، ولكنها حدث تجاوز الاستعراض والصور التذكارية، في مسعى لتشكيل قطب دولي يجمع قوى من الجنوب العالمي لمواجهة صعود تيارات اليمين المتشدّد في القارتين، الأمريكية والأوروبية.
خطابات الزعماء الذين شاركوا في «القمة التقدمية الدولية»، ومنهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والرئيس البرازيلي لولا داسلفا، أطلقت إنذارات مبكرة، وتحذيرات صريحة من انهيار النظام العالمي الحالي، وعودة الأفكار الفاشية والسياسات المتطرفة، التي لا تقيم وزناً للقانون الدولي، ولا تلتزم بالأخلاق والمكتسبات الإنسانية الموروثة عن عصور التنوير الحديثة. ومن المثير للاهتمام أن خطابات قمة برشلونة اليسارية لم تتحدث عن صراعات حدودية طارئة، أو أزمات اقتصادية عابرة، بل ركزت على التهديدات الوجودية للقيم التي تأسس عليها العالم المعاصر، وتوافقت عليها الأمم والشعوب لتكون المرجعية الحاكمة للعلاقات الدولية.
من العناوين البارزة التي أفرزتها القمة إصلاح الأمم المتحدة، وإعادة الاعتبار للقانون الدولي، وحماية القيم الإنسانية المشتركة من سطوة موجات الشعبوية والتطرف، التي بدأت تأخذ أشكالاً غير تقليدية، وتتجلى في سياسات الإقصاء، والتمرّد، وتفكيك المؤسسات الدولية، واستخدام الأدوات الديمقراطية لتقويض الديمقراطية نفسها، وفتح الأبواب أمام الانغلاق وتقويض أسس التسامح والانفتاح، واستغلال التكنولوجيا المتقدمة في التلاعب بالوعي الجمعي، وتزييف الوقائع، ومحاولة تأجيج الكراهية، وتقسيم المجتمعات إلى معسكرات متناحرة.
الرسائل التي أطلقتها قمة برشلونة لا تستهدف بالضرورة كيانات وشخصيات تقع في دائرة الفعل حالياً، وإنما ترمي إلى بناء سدٍّ فكري وقيمي يحمي الأجيال القادمة من الانزلاق نحو التوتّرات الكبرى، وإعادة الاعتبار للعمل الجماعي كخيار وحيد لمواجهة التحديات العابرة للحدود، وتحصين الوعي الجماعي ضد بروباغندا التشكيك في المؤسسات الناظمة للعلاقات بين الدول والشعوب، وحماية مؤسساتها بالتأكيد على أن القانون الدولي هو الضمانة الوحيدة للدول، الصغيرة والكبيرة، على حد سواء، وهو السقف الأعلى الذي لا يسمح لأي قوة، أو نظام بأن ينتهكه، ويخترق خطوطه الحمراء.
اجتماع قوى اليسار في برشلونة لا يهدف إلى إحياء الأفكار الاشتراكية أو الشيوعية، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل يهدف إلى صياغة بديل يستجيب لتعقيدات القرن الحادي والعشرين، عبر التركيز على مفهوم «العدالة الاجتماعية المستدامة»، واحترام القيم الموروثة التي أسستها الحضارات والتجارب البشرية، وأطّرتها الأديان السماوية عبر التاريخ الطويل. وكلها كانت ترمي إلى الرقي بالإنسان، وتذليل الصعاب لبناء حياة أكثر ثراء بالأفكار الإيجابية من تعايش وتعاون، واحترام للخصوصيات. ومثل هذا التوجه تبنّته قمة برشلونة، وسعت من خلاله إلى إعادة تعريف العلاقات الدولية والإنسانية، لتعكس بذلك إدراكاً عميقاً بأن استقرار العالم ليس نتاج توازنات القوة فحسب، بل هو ثمرة الالتزام بمرجعية أخلاقية وقانونية تتجاوز المصالح الآنية، وتؤسس لبيئة سياسية دولية تحترم التنوع، وتنبذ الانقسام، وتستطيع أن ترسم الخطط والاستراتيجيات لتحقيق ما أمكن من العدالة بعيداً عن النظريات الجوفاء والإيديولوجيات الهدامة، كما تعمل على تجاوز اللحظة الراهنة بالتفكير في المستقبل البعيد، وضمان كرامة الفرد، وحماية خصوصيته من التغوّل الرقمي في عصر التكنولوجيا، وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجتمعات والشعوب التي باتت تواجه تحديات ميكروفيزيائية لم تعد تلحظها العين المجردة، أو يفك طلاسمها الذكاء الفطري.
[email protected]
عندما تندلع حرب أو ينشب صراع يسارع المراقبون إلى رصد النتائج الفورية في مسرح الأزمة للتمييز بين الخاسر والرابح، لكن هذه النظرة الأولية غالباً ما تكون خادعة أو ناقصة؛ لأن النتائج الميدانية السريعة لا تعكس دائماً المآلات الاستراتيجية بعيدة المدى، والرابح في الميدان ليس بالضرورة هو الرابح في السياسة والتاريخ.
بعد الحرب في أوكرانيا اندلعت سلسلة من الحروب في الشرق الأوسط، بدأت من قطاع غزة مروراً بسوريا ولبنان وصولاً إلى الحرب بين الولايات المتحدة /إسرائيل وإيران. وهذه السلسلة المتواصلة من النزاعات تكاد ترسم خريطة لمعركة واحدة، وكل منها لم تعرف الحسم بالمفهوم التقليدي وفق معادلة الغالب والمغلوب، فحرب أوكرانيا مازالت مستمرة، على يومياتها المكررة، منذ أكثر من أربعة أعوام من دون وصول أحد الطرفين إلى نصر أو استسلام. وفي الشرق الأوسط مازال الوضع في غزة معلقاً بين الحرب والسلام والأمر نفسه في لبنان.
أما حرب إيران الأخيرة فقد توقفت بمفعول هدنة، تبدو مفاجئة، ولكن تفاصيلها غامضة ومفتوحة على المجهول، ولا يمكن الاطمئنان إلى مخرجاتها، خصوصاً إذا دخلت في نفق طويل من المفاوضات أو ارتدت إلى المربع الأول من الصراع.
السنوات الأخيرة كانت ملغومة بحروب خطرة وأزمات خانقة لم تقتصر على حيز جغرافي ضيق، بل أثّرت في العالم بأسره، وامتدت تأثيراتها إلى كل مكان بسبب تضرر العصب الاقتصادي وشرايين الطاقة واتساع الشعور باللايقين والضبابية، وتآكل مصداقية العلاقات بين الدول، وهو ما دفع بعضها إلى إعادة اكتشاف ذاتها وهندسة مصالحها وتحالفاتها حتى تواكب المتغيرات وتتحسب للمفاجآت الممكنة. وأبلغ الأمثلة ما تمر به أوروبا منذ أكثر من أربع سنوات، بعد أن تأكد لديها ذلك بفعل سلسلة التوترات في الشرق الأوسط والأزمات الاقتصادية التي صاحبتها. وبعد أن عاشت «القارة العجوز» لعقود تحت مظلة رفاه واستقرار نسبيين، بدأت تستيقظ مؤخراً على وضع جيوسياسي مؤلم، يتلخص في عدد من المعضلات منها قضية الدفاع والأمن، وتتصل مباشرة بعلاقة أقرب إلى العداوة مع روسيا، وتحالف مزعزع الثقة مع الولايات المتحدة، وغموض يواكب الصعود الصيني المتنامي. ومما يجعل الأزمة العامة مستفحلة في أوروبا، تدهور أمن الطاقة الذي أحدث هزة وجودية ضربت السيادة الوطنية لدول القارة وهددت قدرتها على تشغيل المصانع وتحريك مسارات النمو، وصولاً إلى شل دورها العالمي في صناعة القرار الدولي.
الأسابيع والأشهر الأخيرة حملت متغيرات لافتة في المواقف الأوروبية إزاء الأزمات العالمية والعلاقة مع بقية الأطراف، وخصوصاً واشنطن. وما يصدر من لندن وباريس وبرلين وروما بدأ يكشف عن تحول من المثالية السياسية، التي سادت في العقود الماضية، إلى واقعية جديدة تحاول إعادة قراءة كل شيء بناء على قناعات بأن موازين القوى التقليدية قد انتهت إلى غير رجعة وأن الاعتماد على النوايا الحسنة أو النظام الدولي القائم على القواعد الراهنة لم يعد يحمي مصالح هذه الدول في عالم بات يدار بالقوة الغاشمة والابتزاز الاقتصادي. ولأن مثل هذه الأزمات أشبه بمخاضات لولادة التحولات الكبرى، فإن أوروبا، التي تواجه الآن مرحلة حرجة، لديها من الإرث الحضاري والقيم والتجارب ما يوفر لها مسارات للخروج من هذا الوضع ويجعلها مجدداً حجر الزاوية في العالم الجديد.
[email protected]
من مفارقات العصر الراهن أن تشتعل فتائل حروبٍ تفتقر للغطاء القانوني، ويُقامر بالأمن الدولي بلا مسوغٍ أخلاقي، وتتشكل صراعات لا غاية لها سوى تلبية نزعاتٍ متطرفة استبدت بفردٍ أو حزبٍ أو أيديولوجيا، تربت كلها في مستنقعات من الجهل وأوهام العظمة والقوة التي تزين لها ارتكاب الخطيئة وتزيف لها معايير النصر والهزيمة.
ما يمر به العالم اليوم منذ ما بعد جائحة «كورونا» قبل ست سنوات، لا يمكن فهمه إلا من زاوية أن هناك انهياراً متسارعاً لكل ما يجمع التعايش الإنساني من قيم وضوابط وحدود، ويرسخ صورة معكوسة عن واقع يوهم بأنه منفتح ومتشابك، بينما الحقيقة أنه يزداد فرقة وتباعداً رغم ما يشاع عن ثورة رقمية وذكاء اصطناعي جعل كل طرف يعيش في «فقاعة معلوماتية» تغذي غروره بأنه الأقوى والأجدر بالسيطرة من الآخرين.
هذه العقد تتراكم من عام إلى آخر، ومن أزمة إلى أخرى وصولاً إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهي حرب ليست خارجة عن النسق، لكن ما تضمنته من إخلالات بالأمن الإقليمي جراء الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربية، يجعل من الأفق شديد الضبابية واللايقين، ويشوش النظر على تبين ملامح اليوم التالي لهذا الصراع المزدحم بالتناقضات والأكاذيب الممارسة بأكثر الأدوات خبثاً وانسلاخاً عن المعايير التقليدية للعلاقات بين الدول أو حتى إدارة الصراعات بينها، بينما تبقى الحقيقة الضحية الأولى لهذا الطوفان من الحرب النفسية والتزييف الممنهج.
الأطراف في هذه الحرب، التي فرضت على الشرق الأوسط وفي صدارتها دول الخليج، لا تتكلم باللغة المألوفة في مثل هذه الأوضاع، وبين من يتحدث عن قرب النهاية ومن يدعي «الصمود الطويل» هناك فجوة واسعة لا تسمح بالقراءة الصحيحة للمشهد ولا تمكن من معرفة المسارات التي يمكن أن يسلكها التصعيد أو يتراجع عنها. وكأن ما يبدو من تشتت ليس مجرد صدفة صنعتها ظروف المعركة، بل أداة لإدارة الصراع وتصفية جملة من الحسابات، كثير منها مفاجئ وصادم، ضمن متاهة متحركة، كلما ذهب الظن إلى أنها اقتربت من المخرج، ارتدت فجأة إلى نقطة الصفر.
بعض القراءات تشير إلى أن ما بعد هذه الحرب في المنطقة والعالم لن يكون كما قبلها، بالنظر إلى الصدمات التي سببتها للأمن الإقليمي والاقتصاد وسنن التعايش بين الدول. وإذا كانت هذه المعركة من ضمن سلسلة الحروب الرامية إلى نسف النظام الدولي المتداعي لإرساء نظام آخر، فإن الطريق يبدو طويلاً ومجهولاً، والنتائج النهائية فادحة ومؤلمة وغير قابلة للتفاؤل، طالما أن قوى إقليمية أو دولية، وتحت ضغط من أوهام السيطرة المطلقة، ترى أن مصلحتها تكمن في نسف قواعد العلاقات الراسخة والمقامرة بمصالح الدول والشعوب المسالمة، التي لا تساوم على أمنها ومبادئها، وهذه القوى هي الأغلبية الساحقة في عالم اليوم مقابل ثلة من تجار الحروب.
صحيح أن الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط متوتر وشديد القتامة، ولكن الأمل بتجاوز هذا الوضع إلى ما هو أفضل مازال صامداً، وسيكون النصر حليفه مهما طالت المعركة واستنزفت من موارد، وإذا كان للباطل جولة فللحق صولات وجولات، والخير أبقى من كل الشرور، مهما استبدت وتمادت ومارست من زيف وتضليل.
[email protected]