لم يعد الاحتيال المالي يعتمد على الأساليب التقليدية التي يسهل اكتشافها، إذ فرض التطور التكنولوجي والتحول المتسارع نحو الخدمات المصرفية الرقمية واقعاً جديداً، أصبحت فيه أساليب المحتالين أكثر تعقيداً وتنوعاً، مستفيدة من التكنولوجيا والبيانات ووسائل التواصل الحديثة.
في المقابل، تعمل البنوك على تطوير أدواتها الدفاعية، عبر الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والمصادقة متعددة العوامل والأنظمة القادرة على رصد العمليات غير المعتادة، في محاولة لاكتشاف محاولات الاحتيال قبل وقوع الخسائر.
عيسى آل علي
أحمد يوسف
عمرو بكير
ومع استمرار تطور أدوات الاحتيال، يبرز السؤال: هل تستطيع البنوك مواكبة سرعة تطور المحتالين، أم أن المعركة ستظل سباقاً مستمراً بين أساليب الهجوم وأدوات الحماية؟
أكد خبراء في القطاع المصرفي وتقنية المعلومات ل«الخليج» أن تطور أساليب الاحتيال المالي، بالتوازي مع التكنولوجيا، دفع البنوك إلى تعزيز أدوات الحماية وتطوير أنظمة أكثر قدرة على رصد المخاطر والأنماط غير المعتادة، مشيرين إلى أن الذكاء الاصطناعي والمصادقة متعددة العوامل والهوية البيومترية، أصبحت من أبرز أدوات المواجهة.
وأوضحوا أن المعركة لم تعد تقنية فقط، مع توجه المحتالين إلى استهداف العملاء عبر الهندسة الاجتماعية وانتحال الهوية واستغلال الثقة، لافتين إلى أهمية الاستجابة الاستباقية، ورفع وعي العملاء وتعزيز التعاون بين المؤسسات المالية والجهات التنظيمية.
وتيرة متسارعة
قال عيسى آل علي، الخبير المصرفي، إن البنوك اليوم تواكب تطور أساليب الاحتيال بوتيرة متسارعة، لأن طبيعة التهديدات أصبحت أكثر تعقيداً واعتماداً على التكنولوجيا، مشيراً إلى أن القطاع المصرفي في الإمارات يستثمر بشكل مستمر في تحديث أنظمة المراقبة، وتعزيز قدرات التحليل، ورفع جاهزية فرق الامتثال.
وأضاف أن الأنظمة الحالية، مثل المصادقة متعددة العوامل، والتحقق اللحظي من المعاملات، وتحديد الهوية البيومترية، تشكل طبقة حماية فعّالة، لكنها تتطلب تعزيزاً مستمراً لمواكبة التهديدات الجديدة.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً محورياً في منظومة مكافحة الاحتيال، حيث تستخدمه البنوك في تحليل سلوك العملاء واكتشاف أي نمط غير معتاد فوراً، والتنبؤ بالمعاملات عالية الخطورة قبل تنفيذها، والتعرف إلى الأنشطة المشبوهة عبر خوارزميات التعلم الآلي، إلى جانب التحقق اللحظي من آلاف العمليات دون تأخير تجربة العميل.
وشدد على أن هناك مجموعة من الإجراءات التي يجب تعزيزها، لضمان حماية أقوى في المستقبل، أهمها تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر قدرة على التنبؤ وليس فقط اكتشاف الاحتيال، ورفع مستوى الوعي لدى العملاء عبر حملات توعوية مستمرة وموجهة، وتوسيع استخدام الهوية الرقمية والبيومترية، لتقليل الاعتماد على البيانات التقليدية، إلى جانب تطبيق مراقبة لحظية أكثر عمقاً للمعاملات عالية الحساسية، وتحديث سياسات الامتثال بشكل دوري بما يتماشى مع تطور التهديدات العالمية.
منظومة متكاملة
قال أحمد يوسف، مهندس برمجيات وخبير أمن سيبراني، إن الاحتيال المصرفي القديم كان يحمل ملامح يمكن التنبه لها، مثل بطاقة مسروقة، أو توقيع مزور، أو مكالمة زائفة، أما اليوم فقد تحول إلى منظومة متكاملة تستثمر في الذكاء الاصطناعي، وتستغل بيانات مسربة من اختراقات سابقة لتقديم فخاخ مصممة بعناية. وأضاف أن المؤسسات المالية وجّهت استثمارات كبيرة نحو أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي تراقب الأنماط الشاذة في سلوك الحسابات، بحيث قد تؤدي أي عملية غير متوقعة إلى تجميد حساب العميل قبل أن تكتمل.
ظاهرة متطورة
أوضح عمرو بكير، خبير تقنية المعلومات، أن الاحتيال المالي لم يعد مجرد محاولة للاستيلاء على أموال العملاء بوسائل تقليدية، بل أصبح ظاهرة متطورة تتغير أدواتها وأساليبها بالتوازي مع التطور التكنولوجي والرقمي. وأضاف أن المحتال اليوم لا يعتمد بالضرورة على اختراق النظام المصرفي نفسه، فقد يحاول استهداف العميل من خلال الهندسة الاجتماعية، أو انتحال الهوية، أو استغلال الثقة، أو استخدام وسائل اتصال ومحتوى يبدو حقيقياً.
وتابع: السؤال الأهم هو: هل تستطيع البنوك أن تتطور بالسرعة نفسها التي يتطور بها الاحتيال؟ والإجابة تكمن في قدرة المؤسسة المصرفية على بناء منظومة متكاملة تستطيع أن تتعلم باستمرار، وتكتشف المخاطر مبكراً.