يعيد بنك «إتش إس بي سي» توجيه بوصلته نحو آسيا، في تحول استراتيجي يعيد المؤسسة المصرفية العملاقة إلى المنطقة، التي انطلقت منها قبل أكثر من 160 عاماً، لكن هذا التحول، الذي يضع الثروة الصينية المتجهة إلى الخارج في قلب استراتيجية النمو، يفتح في الوقت نفسه الباب أمام مجموعة من المخاطر الاقتصادية والتنظيمية والجيوسياسية، وفق تحليل نشرته صحيفة «فايننشال تايمز»
تأسس البنك في هونغ كونغ في عام 1865 لخدمة التجارة بين الشرق والغرب، قبل أن يتحوّل تدريجياً إلى مؤسسة مصرفية عالمية، عبر عمليات استحواذ وتوسع في أوروبا والأمريكتين والشرق الأوسط. أما اليوم، وبعد سنوات من تقليص بعض الأنشطة والأسواق، فإنه يعيد تركيز استراتيجيته على آسيا، وبشكل خاص على هونغ كونغ والثروات الصينية، التي تبحث عن إدارة أصول وخدمات مالية خارج البر الرئيسي.
هونغ كونغ في قلب الاستراتيجية
توضح «فايننشال تايمز» أن هونغ كونغ كانت بالفعل أكبر مصدر للإيرادات والأرباح بالنسبة إلى «إتش إس بي سي»، حتى قبل التحوّل الأخير. ووفق تحليل الصحيفة لنتائج النصف الأول من 2026، شكّلت هونغ كونغ والصين معاً نحو نصف أرباح البنك قبل احتساب الضرائب.
كما حققت وحدة هونغ كونغ أعلى عائد على حقوق الملكية الملموسة في المجموعة، إذ بلغ المعدل السنوي 44%، خلال النصف الأول، مقارنة بنحو 21% في المملكة المتحدة.
وفي عام 2025، شكّلت هونغ كونغ والصين نحو 40% من إجمالي إيرادات «إتش إس بي سي»، فيما أصبحت آسيا المحرك الرئيسي لأعمال إدارة الثروات. ويدير البنك نحو 1.1 تريليون دولار من الثروات في المنطقة، بينما جاءت قرابة تسعة دولارات من كل عشرة دولارات من التدفقات الجديدة إلى هذا النشاط خلال النصف الأول من 2026 من آسيا.
الثروة الصينية.. فرصة بمليارات
يرى مسؤولو البنك أن الثروة الصينية التي تتجه إلى الخارج تمثل فرصة هيكلية كبيرة للنمو، وتشير عروض داخلية للبنك إلى وجود نحو 73 مليون شخص في الصين يمكن أن يكونوا عملاء محتملين لخدمات إدارة الثروات الخارجية، وهو عدد تضاعف تقريباً منذ عام 2022.
وتكتسب هذه الأعمال أهمية خاصة لأنها توفر للبنك دخلاً من الرسوم يرتبط عادة بحجم الأصول التي يديرها، كما أنها أقل تأثراً بتغيرات أسعار الفائدة ولا تحتاج إلى قدر كبير من رأس المال التنظيمي مقارنة ببعض الأنشطة المصرفية التقليدية.
وتستفيد استراتيجية البنك من موقع هونغ كونغ باعتبارها بوابة رئيسية لرؤوس الأموال الصينية إلى الأسواق العالمية. فقد تجاوزت المدينة سويسرا العام الماضي لتصبح أكبر مركز عالمي للثروات العابرة للحدود، مع أصول غير محلية بلغت نحو 2.9 تريليون دولار، وفق بيانات مجموعة بوسطن الاستشارية التي أوردتها «فاينانشال تايمز».
صفقة «هانغ سنغ» تعزز النفوذ
في إطار تعزيز موقعه في هونغ كونغ، استحوذ «إتش إس بي سي» هذا العام على الحصة التي لم يكن يمتلكها في بنك «هانغ سنغ»، والتي تبلغ 36%، ليصبح مالكاً كاملاً للمصرف، وتمنحه الصفقة إمكانية توسيع خدماته المصرفية المميزة وإدارة الثروات أمام قاعدة عملاء «هانغ سنغ» التي تبلغ نحو 3.3 مليون عميل.
وتشير «فايننشال تايمز» إلى أن الصفقة اعتُبرت مرتفعة الكلفة من جانب بعض المحللين، لكنها في المقابل تعزز قدرة «إتش إس بي سي» على الاستفادة من نمو الثروات في آسيا، وتتيح له فرصة أكبر لبيع الخدمات المالية ذات العائد المرتفع للعملاء.
كما تمثل هونغ كونغ منصة مهمة لربط الخدمات المصرفية للشركات بإدارة الثروات، إذ إن طرح الشركات للاكتتاب في المدينة يمكن أن يحقق عوائد كبيرة للمؤسسين، الذين يصبحون بدورهم عملاء محتملين لخدمات إدارة الثروات.
الصين ليست هونغ كونغ
إن نجاح «إتش إس بي سي» في هونغ كونغ لا يعني أنه يمتلك القوة نفسها داخل البر الرئيسي الصيني.
فالبنك لا يزال بعيداً عن تحقيق الحصة السوقية التي يطمح إليها في إدارة الثروات داخل الصين، رغم استثماراته في هذا السوق. واستحوذ في عام 2024 على محفظة إدارة الثروات للأفراد التابعة ل«سيتي غروب» في الصين، مضيفاً نحو 3.6 مليار دولار من الودائع والأصول وقاعدة عملاء من الأثرياء في نحو 12 مدينة.
وارتفعت أرباح البنك من إدارة الثروات في الصين إلى أكثر من 200 مليون دولار، خلال النصف الأول من 2026، مقارنة مع 8 ملايين دولار في الفترة نفسها من العام السابق. ومع ذلك، يظل الرقم صغيراً مقارنة بأعماله الإقليمية، إذ حقق البنك 346 مليون دولار في سنغافورة من النشاط نفسه خلال الفترة ذاتها.
مخاطر القواعد الصينية
المفارقة الأساسية في الاستراتيجية الجديدة أن البنك يعتمد على خروج الأموال الصينية من البلاد، في الوقت الذي تسعى فيه بكين إلى تشديد الرقابة على تدفقات رأس المال إلى الخارج، وأثارت إجراءات صينية حديثة للحد من نقل الثروات إلى الخارج، بما في ذلك تشديد الرقابة على الاستثمارات الخارجية والتأمين والصناديق الائتمانية الخارجية، مخاوف بشأن قدرة البنوك العالمية على توسيع هذا النوع من الأعمال.
وتشير «فايننشال تايمز» إلى أن سعر سهم «إتش إس بي سي» شهد تقلبات، خلال الصيف الماضي، بعد تقرير عن تشديد ضريبي على التأمين والصناديق الخارجية، في أحدث سلسلة من الإجراءات الرامية إلى الحد من خروج الثروات من الصين. كما يرى محللون أن الحاجة إلى زيادة الإيرادات الضريبية والرغبة في الحد من هروب رؤوس الأموال تدفع بكين إلى سد الثغرات، التي تسمح للأثرياء بإخفاء أصولهم في الخارج.
تباطؤ الاقتصاد يمثل خطراً آخر
ولا تقتصر المخاطر على التنظيمات الحكومية، إذ إن استراتيجية «إتش إس بي سي» تعتمد أيضاً على استمرار تكوين الثروات في الصين، وفي حال تباطأ الاقتصاد الصيني، فإن وتيرة تكوين الثروات الجديدة قد تتراجع، ما يؤثر في حجم الأصول التي يمكن للبنك إدارتها والرسوم التي يحصل عليها.
وبذلك يجد «إتش إس بي سي» نفسه أمام معادلة دقيقة: كلما نجح في الاستفادة من الثروة الصينية المتجهة إلى الخارج، زادت أهمية السوق الصينية بالنسبة إلى أرباحه، وبالتالي ارتفع تعرضه لأي تغير في السياسات الاقتصادية والتنظيمية في بكين.
بين الشرق والغرب.. معادلة صعبة
هذه ليست المرة الأولى التي يضطر فيها «إتش إس بي سي» إلى الموازنة بين مصالح الشرق والغرب. فطبيعة البنك التاريخية باعتباره جسراً مالياً بين الصين والأسواق الغربية جعلته دائماً يعمل في بيئات تنظيمية وجيوسياسية مختلفة. لكن التركيز الجديد يجعل هذه الموازنة أكثر حساسية.