بينما تتسابق الولايات المتحدة والصين على حسم معركة الذكاء الاصطناعي، تتجه المنافسة بصورة متزايدة إلى قلب الصناعة الذي يقوم عليه هذا السباق: أشباه الموصلات. وبينما تمتلك الولايات المتحدة أفضل الرقائق المتقدمة في العالم، تواجه الصين مشكلة أكثر تعقيداً، تتمثل في افتقارها إلى آلات وتقنيات أساسية لإنتاج أحدث الأجيال من الرقائق.
لا تبدو بكين مستعدة لخوض معركة تقليدية للحاق بالركب. وبدلاً من محاولة تكرار ما يفعله منافسوها، تراهن شركات صينية، وفي مقدمتها «هواوي»، على القفز إلى معماريات جديدة للرقائق، في استراتيجية تشبه إلى حد كبير الطريقة، التي تمكنت بها الصين من التحوّل إلى قوة عالمية في السيارات الكهربائية.
سباق التقنيات يبدأ من الرقائق
كان الذكاء الاصطناعي في صدارة أجندة القمة الأخيرة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، بعدما أعلن ترامب أن «من يفوز بالذكاء الاصطناعي ينتصر».
وتشير تقديرات مستشاري البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي إلى أن الفارق بين الولايات المتحدة والصين في هذا المجال لا يتجاوز 6 إلى 9 أشهر، وهو فارق ضئيل إذا قيس بسرعة التطور التكنولوجي، لكن البلدين يواجهان نقصاً مختلفاً، فالولايات المتحدة تمتلك الرقائق المتقدمة، لكنها تواجه قيوداً متزايدة في الكهرباء اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، بينما تمتلك الصين وفرة في الطاقة، لكنها تفتقر إلى الرقائق المتطورة. لهذا أصبحت معالجة فجوة أشباه الموصلات أولوية تكنولوجية قصوى بالنسبة إلى الصين.
آلة ب400 مليون دولار
تتمثل أكبر العقبات أمام الصين في تقنية الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى «EUV»، وهي واحدة من أكثر الآلات تعقيداً التي صنعها الإنسان، وتنتجها «إيه إس إم إل» الهولندية حصرياً.
وتبلغ تكلفة أحدث إصدارات هذه الآلات نحو 400 مليون دولار، وتستخدم لطباعة مكونات بأحجام أقل من 7 نانومترات، بما يسمح بزيادة عدد الترانزستورات داخل الرقاقة ورفع قدرتها الحاسوبية، لكن القيود الأمريكية على صادرات التكنولوجيا تمنع الصين من شراء هذه المعدات.
وحاولت بكين تطوير بدائل محلية، إلا أن التقدم كان بطيئاً. ففي الصيف الماضي، ظهرت تقارير عن بدء الصين إنتاج كميات صغيرة من أول ماسح محلي بتقنية الأشعة فوق البنفسجية العميقة «DUV»، لكنه لا يزال متأخراً بنحو أربعة أجيال عن أحدث التقنيات العالمية.
درس السيارات الكهربائية
هنا قد تلجأ الصين إلى الاستراتيجية التي ساعدتها على التفوق في السيارات الكهربائية، وتقوم على مفهوم صيني يعرف ب«التجاوز عند المنعطف»، أي محاولة تجاوز المنافسين عبر الانتقال إلى مسار تكنولوجي جديد، بدلاً من محاولة اللحاق بهم في التكنولوجيا القديمة.
لو ركزت الصين كل جهودها على اللحاق بصناعة محركات الاحتراق الداخلي، لكانت ستصبح في أفضل الأحوال واحدة من نحو 20 شركة سيارات عالمية عملاقة تتنافس مع «فورد» و«تويوتا» و«فولكسفاغن».
لكنها اختارت الرهان مبكراً على السيارات الكهربائية باعتبارها منصة الجيل التالي. وبدأ هذا التوجه رسمياً مع برنامج السيارات الكهربائية عام 2001-2005، ثم تعزز بمبادرة «10 مدن، 1000 مركبة» عام 2009.
وأثمر الرهان بصورة ضخمة، إذ استحوذ صانعو السيارات الصينيون على نحو 60% من مبيعات السيارات الكهربائية عالمياً في 2025، كما تجاوزت الصين ألمانيا واليابان، لتصبح أكبر مصدر للسيارات في العالم.
والسؤال الآن: هل تستطيع بكين تكرار القفزة نفسها في أشباه الموصلات؟
«هواوي» و«قانون مور»
لا تريد شركات الرقائق الصينية الاكتفاء بتقليص الفجوة مع المنافسين، بل تسعى إلى تغيير الطريقة التي يتم بها تطوير الرقائق نفسها، ومن أبرز الأمثلة على ذلك قانون «تاو» (Tau Scaling Law)، الذي كشفت عنه «هواوي» أخيراً باعتباره نهجاً قد يمثل بديلاً مستقبلياً لقانون «مور».
وبدلاً من التركيز فقط على تصغير حجم الترانزستورات، تركّز الفكرة على الوقت الذي تستغرقه الإشارة في الانتقال بين الترانزستورات والرقائق والخوادم. تكتسب هذه الفكرة أهمية كبيرة لأن أكثر من 80% من الطاقة في بعض مجموعات الذكاء الاصطناعي الكبيرة يذهب إلى نقل البيانات عبر الأسلاك، وليس إلى إجراء العمليات الحسابية داخل الترانزستورات. لذلك، فإن تقصير المسافات بين المكونات يمكن أن يرفع سرعة الحوسبة ويخفض استهلاك الطاقة، حتى من دون الاعتماد بالكامل على ترانزستورات أصغر.
الرقائق ثلاثية الأبعاد
تتجه «هواوي» إلى تصميم الرقائق في ثلاثة أبعاد، ومن أبرز تقنياتها «الطيّ المنطقي» «LogicFolding»، التي تقسم أكثر أجزاء الرقاقة نشاطاً بين طبقتين متصلتين رأسياً، بدلاً من تمديد التوصيلات لمسافات طويلة أفقياً.
وتقول البيانات إن هذه الطريقة يمكن أن توفر كثافة توصيلات رأسية تزيد بنحو 10 إلى 40 مرة لكل وحدة مساحة مقارنة بأفضل تقنيات الإنتاج بكميات كبيرة لدى «تي أي إم سي» و«إنتل» حالياً.
ولم تعد الفكرة مجرد تجربة مخبرية، إذ دخلت أول رقاقة مبنية بهذه الطريقة السوق في سبتمبر داخل هاتف «هواوي ميت أكس تي 2» القابل للطي ثلاثياً. وأسهمت التقنية في رفع كثافة الترانزستورات 55% وخفض استهلاك طاقة وحدة المعالجة المركزية 41%.
كما تعمل شركات الذاكرة الصينية على تقنيات ثلاثية الأبعاد متقدمة، فيما اتجهت «سامسونغ» إلى ترخيص حقوق ملكية فكرية من شركة «واي إم تي سي» الصينية في مجال الربط الهجين للرقائق.
وفي مسار آخر، تستثمر «هواوي» في استخدام الضوء لنقل البيانات بدلاً من الإلكترونات، وطورت وحدة بصريات قريبة من الحزمة بسرعة 7.2 تيرابت في الثانية، كما تمكنت أنظمة «SuperPoD» من ربط 8192 مسرّعاً في نظام واحد عبر الألياف الضوئية.
الصين لا تزال متأخرة
رغم ذلك، لا تزال الفجوة كبيرة. وتشير تقديرات «أيبوك أيه آي» إلى أن «هواوي» ستنتج في 2026 أقل من 4% من القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي التي تنتجها «إنفيديا»، كما ستظل رقائقها متأخرة عن «إنفيديا» في أداء الرقاقة الواحدة بنحو 3 إلى 4 سنوات حتى 2030 على الأقل.
الصين تطور الرقائق