لم يعد الاكتفاء بأداء المهام المطلوبة في صمت كافياً بالنسبة إلى بعض الموظفين في سوق عمل تزداد فيه المخاوف من التسريح وصعوبة الانتقال إلى وظائف جديدة. وبعد انتشار ظاهرة «الاستقالة الهادئة»، التي اكتفى خلالها الموظفون بأداء واجباتهم الأساسية من دون بذل جهد إضافي، بدأ اتجاه معاكس في الظهور، يعرف باسم «العمل الصاخب»، يقوم على جعل الإنجازات والجهود أكثر وضوحاً أمام المديرين والزملاء.
ويعكس هذا الاتجاه تغيراً في طريقة تعامل الموظفين مع حياتهم المهنية، إذ أصبح بعضهم يرى أن العمل الجيد وحده قد لا يكون كافياً لضمان الاستقرار الوظيفي أو الحصول على ترقية، وأن الظهور المهني وإبراز القيمة التي يقدمها الموظف داخل الشركة أصبحا أكثر أهمية.
يأتي انتشار «العمل الصاخب» في وقت أصبحت فيه حركة الانتقال بين الوظائف أكثر صعوبة، بينما باتت عمليات تسريح الموظفين مصدر قلق مستمراً للكثير من العاملين، حتى مع عدم وصول موجة التخفيضات الجماعية إلى معظم قطاعات الاقتصاد.
وتقول فيكي سالمي، خبيرة المسارات المهنية لدى موقع «مونستر» للتوظيف، إن الموظفين الذين يشعرون بأن ترك وظائفهم الحالية أصبح أكثر خطورة، قد يركزون بشكل أكبر على إثبات قيمتهم داخل الشركات التي يعملون فيها بالفعل.
وترى سالمي أن «العمل الصاخب» لا يعني بالضرورة العمل لساعات أطول، بل يتعلق بأن يصبح الموظف أكثر حضوراً ووضوحاً، وأن يتحدث عن إنجازاته بدلاً من الاكتفاء بأداء المهام وانتظار أن يلاحظ الآخرون جهوده.
وتضيف أن الموظف قد يحتاج إلى أن يكون أكثر وضوحاً في التعبير عن مساهماته، خصوصاً عندما يشعر بأن البقاء في الوظيفة الحالية هو الخيار الأكثر أماناً.
العمل بذكاء.. وليس بالضرورة أكثر
يقدم أبيناف بوهرا، العالم المتخصص في العلوم التطبيقية لدى «أمازون»، مثالاً على كيفية تحويل الظهور المهني إلى أداة للتقدم الوظيفي.
ويقول بوهرا إن إحدى الاستراتيجيات التي ساعدته في الحصول على عدة ترقيات كانت تتمثل في فهم ما يريده المدير فعلياً من الفريق. فإذا كان الفريق يعمل على 10 مشكلات مختلفة، كان يحاول تحديد المشكلتين أو الثلاث التي يرى المدير أنها الأكثر أهمية، ثم يركز جهوده عليها.
وبمجرد حل مشكلة يعتبرها المدير أساسية، يصبح الإنجاز أكثر وضوحاً داخل المؤسسة، وبالتالي تزداد فرص الموظف في الحصول على التقدير.
لكن بالنسبة إلى بعض العاملين، لم تعد مسألة الظهور مرتبطة بالترقية فقط، بل أصبحت مرتبطة بالخوف من فقدان الوظيفة.
«كأن مباريات الجوع بدأت»
قال موظف سابق في شركة «ميتا»، جرى تسريحه في وقت سابق من العام، إن المنافسة على الظهور داخل الشركة ازدادت مع تكرار عمليات التسريح وإعادة الهيكلة.
وبحسب روايته، بدأ بعض زملائه في محاولة تحمل أكبر قدر ممكن من العمل، بل إن بعضهم سعى إلى تولي مهام كان يعمل عليها موظفون آخرون، في محاولة للحصول على مزيد من الاعتراف والتقييمات الجيدة.
وقال الموظف: «شعرت كأن مباريات الجوع قد بدأت»، في إشارة إلى شدة المنافسة بين الموظفين على جذب انتباه الإدارة وإثبات أهميتهم داخل الشركة.
وشعر الموظف نفسه بهذا الضغط عندما طُلب منه تقديم عرض حول موضوع لم يكن لديه بشأنه الكثير من المواد. وبدلاً من تقديم عرض قصير، قال إنه وسّعه ليصبح عرضاً طويلاً مملوءاً بما وصفه ب«الحشو»، لأنه أراد أن يبدو أمام الآخرين وكأنه أنجز قدراً كبيراً من العمل.
وفي شركة أخرى للتكنولوجيا الكبرى، قالت موظفة إن عمليات التسريح التي شهدتها الشركة في العام الماضي غيرت طريقة تعاملها وزملائها مع وظائفهم. وأصبح الجميع تقريباً يبذلون جهداً أكبر لإظهار أنهم «مورد مهم» للشركة.
لكن الجانب الآخر من الظاهرة تمثل في أن بعض الموظفين أصبحوا أكثر انتقائية في اختيار المهام، سعياً إلى العمل في مشروعات تحظى باهتمام أكبر من القيادات العليا، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى ترك مشروعات أقل ظهوراً لموظفين آخرين.
الظهور المستمر قد ينقلب ضد صاحبه
رغم الفوائد المحتملة ل«العمل الصاخب»، تحذر سالمي من المبالغة فيه. فالتحدث باستمرار عن كل إنجاز، حتى لو لم يكن مهماً، أو السيطرة على الاجتماعات، أو الاستحواذ على الفضل في عمل جماعي، أو التركيز على تسويق العمل بدلاً من إنجازه فعلياً، يمكن أن يعطي نتائج عكسية.وترى أن هناك فرقاً بين جعل الإنجازات واضحة وبين تحويل العمل إلى استعراض دائم، مؤكدةً أهمية أن يتم ذلك بطريقة متوازنة ولبقة، حتى لا يتحول الأمر إلى مصدر للإرهاق أو يثير استياء الزملاء.
العلامة الشخصية تتحول إلى أداة مهنية
لا يقتصر «العمل الصاخب» على المكتب، إذ يتجه بعض الموظفين إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي لبناء حضور مهني يجعل مهاراتهم وأفكارهم معروفة خارج شركاتهم.
وتعد سارة ريلينغ، التي تبلغ من العمر 37 عاماً، مثالاً على ذلك. فقد بنت حضوراً متخصصاً على «لينكدإن» من خلال نشر محتوى يومي، وأحياناً مرتين في اليوم، حول وظيفة «مديرة توظيف» وما يتعين على العاملين فيها معرفته.
ولم يكن هدفها الأساسي البحث عن وظيفة، بل تسليط الضوء على دور مهني لا يحظى بالكثير من الاهتمام. ومع ذلك، بدأ مسؤولون في شركات وقيادات للموارد البشرية بالتواصل معها بعد رؤية منشوراتها وتعليقاتها، كما حصلت مؤخراً على وظيفة جديدة، وكان حضورها على المنصة أحد العوامل التي ساعدت على ذلك.
وتقول ريلينغ إن إظهار المهارات عبر الإنترنت يمكن أن يضع الشخص في موقع أفضل، لأن أصحاب العمل يستطيعون التعرف إلى قدراته من خلال ما ينشره، بدلاً من الاعتماد فقط على سيرته الذاتية.
«لينكدإن» لم يعد المنصة الوحيدة
يمتد هذا الاتجاه أيضاً إلى منصات مثل «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب». ويقول بنجامين تشيبمان، البالغ من العمر 25 عاماً، ويعمل في تسويق العلامات التجارية وصناعة المحتوى، إن نشره مقاطع ومحتوى عن عمله عزز مسيرته المهنية وفتح له فرصاً جديدة للتواصل. ويشير تشيبمان إلى أن «تيك توك» كان مفيداً بصورة مفاجئة في بناء شبكة علاقات مهنية، كما تلقى رسائل من شركات تبحث عن موظفين متخصصين في صناعة المحتوى. ويرى أن هناك طلباً متزايداً من الشركات على موظفين يستطيعون الظهور أمام الكاميرا وشرح ما تفعله شركاتهم ولماذا يهم ذلك الجمهور.
وبالنسبة إلى تشيبمان، فإن بناء حضور مهني علني يمنحه أيضاً قدراً من الأمان. فهو يرى أنه إذا فقد وظيفته غداً، فلن يبدأ البحث عن فرصة جديدة من الصفر، لأن شبكة علاقاته أصبحت أوسع من دائرة زملائه السابقين.
جذب انتباه
يتحوّل «العمل الصاخب» من مجرد محاولة لجذب انتباه المدير داخل الشركة إلى استراتيجية مهنية أوسع، تجمع بين إبراز الإنجازات، واختيار المهام الأكثر أهمية، وبناء العلامة الشخصية، وتوسيع شبكة العلاقات. وفي سوق عمل يشعر فيه كثير من الموظفين بأن الاستقرار لم يعد مضموناً، قد يصبح إظهار القيمة المهنية بوضوح وسيلة لحماية المسار الوظيفي، شرط ألا يتحول السعي إلى الظهور إلى بديل عن العمل الحقيقي.