ربما أكثر ما يمكن أن يلاحظه الكاتب أو القارئ أو الناقد أو المثقف، في تأمله للواقع القرائي على مستوى السرد، هو ذلك الإقبال على الأدب الكلاسيكي، وبصفة خاصة الرواية، ذلك الأدب لا يزال يجد جاذبية خاصة من قِبل مختلف الأجيال والفئات الاجتماعية. وذلك برغم أن الرواية قد تقدمت بشكل كبير واختزلت داخلها كل الصنوف الإبداعية بحيث صارت هي الوعاء اللغوي الإبداعي الأكثر شمولاً وجمالاً، وباتت تطرح قضايا فلسفية وفكرية ونفسية عميقة. وتشتغل على التجريب وتنوع أشكال وتيارات وأساليب السرد.
تُعبر الرواية الكلاسيكية عن الأعمال الأدبية التي أُنتجت في حقبة تاريخية معينة. ففي الغرب كان ظهورها واستقرارها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، واعتبر الكثير من المؤرخين أن رواية «دون كيشوت» لميغيل دي ثيربانتس «1605»، هي النص المؤسس والجد الشرعي للأعمال الكلاسيكية الغربية. أما في العالم العربي، فقد بدأت مسيرة السرد الكلاسيكي في صورته الحديثة أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين. وارتبطت هذه البداية بالنهضة الفكرية والثقافية، والتأثر بالترجمة عن الأدب الغربي.
تُعد الأعمال الكلاسيكية حتى يومنا هذا كنزاً تراثياً لأي حضارة أو دولة معينة، حيث تحمل هذه الروايات بين طياتها رسائل وقيماً متنوعة، وتعبر عن خلاصة التجربة الإنسانية على مر العصور. إذ إنها تتناول موضوعات ذات أهمية كبيرة ولها تأثير مباشر في المجتمع، فقد صمدت أمام اختبارات الزمن المتعاقبة وأثبتت جدارتها ومدى قوتها على البقاء والصمود أمام جميع العقبات والتحديات التي واجهتها، بتعبيرها عن تجربةٍ مميزة استحقت التدوين لوقتٍ طويل.
نجوم المكتبة
عندما تسجل زيارة لأقرب مكتبة أو معرض كتاب، ستجد أن أبرز العناوين على شاكلة: «العجوز والبحر»، و«جين إير»، و«الحرب والسلام»، و«الإخوة كارامازوف»، و«البؤساء»، و«الدون الهادئ»، أو روايات عربية مثل ثلاثية نجيب محفوظ «بين القصرين، قصر الشوق، السكرية»، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و«دعاء الكروان» لطه حسين، و«عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، أو أعمال يوسف إدريس ويوسف السباعي وغير ذلك من أيقونات كلاسيكية لا تزال تُقرأ ويُقتبس منها حتى اليوم. فجمهور القراء صنع علاقة عميقة مع تلك الأعمال لدرجة أن الكثيرين يحفظون أسماء المناطق والمدن التي جرت فيها الأحداث والشخصيات الرئيسية والثانوية، فهي تشكل حضوراً يطغى على غيره من السرديات الروائية التي أُنتجت عبر السنوات والأزمنة المختلفة.
العصر الرقمي
الملاحظ أن هذا الحضور اللافت للأدب السردي الكلاسيكي، حفّز دور النشر في مختلف بلدان العالم بما في ذلك الدول العربية، على إعادة طباعة ونشر تلك الكلاسيكيات القديمة، بل وهناك تنافس كبير في هذا المجال. إذ عملت بعض الدور على التفنن والإبداع في إنتاج أغلفة جديدة بلوحات فنية وصور شديدة الإبهار. كما تسرب فعل الترويج للروايات القديمة إلى وسائل التقنيات الحديثة ومنجز الثورة التكنولوجية، إذ استُغلت مواقع التواصل الاجتماعي والبودكاست، في هذا العصر الرقمي، في الترويج الصوتي وعبر الفيديو مع رؤى تحليلية مصاحبة وقراءة لها. بل ونجد إفراد مساحات لشخصيات كلاسيكية في التناول والاهتمام، مثل جان فالجان بطل «البؤساء»، ودون كيشوت بطل الرواية الملحمية، و«كوازيمودو» الشخصية الرئيسية في رواية «أحدب نوتردام»، وغير ذلك من شخصيات يتم تجسيدها في بعض الأحيان في معارض الكتب الدولية بحيث تتجول وسط الحضور.
وكأن ذلك الشغف بالرواية الكلاسيكية من قِبل دور النشر ومواقع التواصل الاجتماعي والفضاءات والتطبيقات المتخصصة في الكتب، هو بمنزلة استعادة اكتشاف لقيمة تلك الأعمال من جديد ونفض غبار الزمن عنها، أو هو استجابة لأذواق القراء الذين ثبت تمسكهم الشديد بتلك الكلاسيكيات التي تحقق مبيعات عالية في سوق الكتب والمؤلفات، فقد بلغ العشق بتلك الروايات القديمة حداً جعل الكثير من القراء يرفضون فكرة تحولها إلى أفلام سينمائية، إذ إن السينما تُسقط الكثير من التفاصيل التي تعلق بها القراء نظراً لطبيعتها المتعلقة بالزمن المحدد لتصوير المشاهد الأكثر بروزاً في العمل السردي. لذلك نجد أن هذه الأعمال الكلاسيكية محصنة بحب القراء عبر التاريخ، واكتسبت معه سلطة خولتها حق الحضور المستمر.
أسئلة
لعل ذلك الواقع يطرح الكثير من الأسئلة المتعلقة بمصادر قوة تلك الكلاسيكيات وسر بقائها. فعلى الرغم من أن الرواية قد أصبحت اليوم هي «ديوان العصر»، فإن المنجز الحالي على مستوى الرواية، رغم أنه يتناول الواقع والإنسان والعصر والحداثة وما بعدها، لا يكاد يرسخ في الذهن والذاكرة، بل يبدو كأدب سائل في زمن أكثر سيولة. بينما بقيت أعمال كُتبت منذ عشرات ومئات السنوات، على الرغم من أن الأزمنة التي صدرت فيها تلك الكلاسيكيات كانت الرواية نفسها منافَسة من أنماط إبداعية يتفوق بعضها عليها خاصة الشعر، إذ لم يكن السرد الروائي وحده سيد الموقف الأدبي.
بطبيعة الحال، لا يبدو أن الأمر متعلق بحب الماضي فقط، أو تمجيد الطابع القديم للحياة، في سياق البحث عن سر سحر هذه الأعمال الأدبية، بقدر ما أن هناك أسباباً عميقة وراء هذا الشغف بالرواية الكلاسيكية. كما أن الإجابة عن سر الجاذبية والخلود لا تكمن فقط في جماليات اللغة أو الإتقان على مستوى الحبكة وغير ذلك من أدوات الرواية حتى في يومنا هذا. فقد تناولت تلك الأعمال قضايا مختلفة، من الرومانسية الحالمة إلى المواضيع الفلسفية المعقدة، واهتمت كذلك بالمضامين ذات الطابع الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي. ورغم مرور السنوات وتغير الظروف الفكرية والسياسية، فإن الإقبال عليها يصيب بالحيرة حقيقة.
أثقال الحداثة
يبدو أن إنسان هذا العصر محملٌ بأثقال الحداثة وتغير نمط الحياة، إذ صارت الفردانية هي السائدة وثقافة الاستهلاك أكثر رسوخاً. ولعل ذلك دفع القارئ نحو اللجوء إلى أزمنة مضت عبر حكاياته وسردياته هروباً من واقع اليوم، لتصبح تلك الأعمال الكلاسيكية فضاءً آمناً يشبع فيه القارئ شغفه بالحياة الرومانسية الحالمة، والشجاعة والبطولة والنبل والقيم التي كانت سائدة في ذلك الوقت. فالمتلقي في العصر الحديث يكتشف في تلك الحكايات الكثير من القيم التي تبدو شحيحة في العصر الحالي الذي يقضي فيه المرء سحابة يومه وحيداً منعزلاً، يرى العالم خلف شاشات زجاجية في عوالم افتراضية يعزّ معها التواصل الحقيقي والدافئ.
ولعل تلك الحالة من التشظي والانقسام الوجداني وواقع الاغتراب، تجعل الإنسان في بحث دائم عن حياة أفضل حتى لو استعار حياة مضت، وهو ما توفره تلك الكلاسيكيات التي تناولت بشكل مباشر علاقة البشر ببعضهم وغاصت في قيم مثل العدالة الاجتماعية والسلام. ففي عمل بقيمة «البؤساء»، لا نجد أنفسنا فقط في خضم مطاردة بين سجين وشرطي، بقدر ما أنه يقدم بياناً متكاملاً عن القهر وضرورة العدالة الاجتماعية. وكذلك نجد في رواية «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ تناولاً لفكرة الاغتراب النفسي والبحث عن العدالة، وفي «كوخ العم توم» لهارييت بيتشر ستو نكتشف كيف حارب البشر العبودية بحثاً عن المساواة، ومع «موسم الهجرة إلى الشمال»، نرى كيف يتجلى صراع الشرق والغرب والهوية وصراع الحضارات، وكذلك نجد في «ملحمة الحرافيش»، العدالة من منظور فلسفي عميق، وتصور من قلب الواقع للصراع الأزلي بين الخير والشر.
وبشكل أكثر وضوحاً مما نراه اليوم، نجد أن روايات مثل «آنا كارنينا» لليو تولستوي و«مدام بوفاري» لغوستاف فلوبير، قدمت قضية المرأة في صراعها مع المجتمع بصورة ساخنة وفيها كثير من الوعي والأطروحات الفكرية. وهي قضايا ما زالت راهنة لكنها لم تُعالج روائياً بالقدر ذاته من الوعي، لذلك يتم اللجوء من قِبل قارئ اليوم إلى تلك الأعمال القديمة من أجل التعرف إلى كيفية تصديها لمشاكل الواقع، لأنها كُتبت بمداد الوضوح والمباشرة دون تعقيدات أسلوبية أو فكرية.
وذلك يقود حتماً إلى سؤال: ألم تعالج روايات العصور الحديثة تلك الرؤى والأفكار والقضايا بصورة أكثر عمقاً؟ ثم سؤال آخر في السياق ذاته: هل تطورت الرواية الحديثة وتخلف القارئ عن ذلك التطور بحيث ظل باقياً عند حدود فهم الرواية الكلاسيكية؟ بالنسبة للسؤال الأول، فإن الإجابة التي تبدو منطقية هي نعم، لقد عالجت بالفعل الروايات الحديثة قضايا ومشاكل عصرها، خاصة أن العصر الحالي قد شهد مشكلات جديدة مع بروز ثورة التكنولوجيا وزيادة معدلات الهجرة. ولكن - وهنا تأتي الإجابة عن السؤال الثاني - نجد أن التشظي الذي يعانيه العصر الراهن انعكس بشكل كبير على الرواية الحديثة، في أسلوبيتها وحبكتها ونهايتها.
إذ تطورت السرديات الروائية الحديثة بشكل هائل، ورفضت الحكاية التقليدية، وعملت على كسر خطية الزمن والإيقاع. وذلك جعلها تميل نحو الغموض والإلغاز والمراوغة على مستوى اللغة، وصارت مختبراً للتجريب والتفكيك. لذلك وجد القارئ نفسه لا يقبل على قراءة ممتعة كما كان في الماضي، بقدر ما أنه يدخل في متاهة أحجية مطالب بفك شفراتها وطلاسمها. بالتالي، وبفعل الغموض، افتقد القارئ الوضوح والمباشرة اللذين كانت توفرهما الرواية الكلاسيكية.
يقين نفسي
في هذا العصر الذي يتصف بالسيولة والتعقيد، فإن القارئ لم يتخلف عن تطور الرواية، لكنه مصاب بالإنهاك الذهني الذي فرضه أسلوب الحياة، ما بين البحث عن لقمة العيش والأمان الوظيفي والرغبة في فهم العالم عبر قراءة الرواية. لذلك هو لا يرغب في تعقيد إضافي يشكل عبئاً على ذهنه، بقدر ما أنه ينشد الأمان واليقين النفسي والعاطفي وكل ما يفقده في واقعه. فالروايات الحديثة التي غابت في دهاليز التجريب وتوارت خلف ضباب الغموض، لم توفر للقارئ ذلك الأمان العاطفي، وذلك أمر أحدث فجوة كبيرة بين الكاتب المتحصن بالإلغاز والغموض، وبين قارئ يريد رؤى وإجابات وحلولاً واضحة، فضلاً عن رغبته في أن تكون القراءة مصدر متعة لا إرهاقاً نفسياً، وذلك ما يجده في تلك الكلاسيكيات الخالدة.
مولد فن جديد بشروط مختلفة
يظل كتاب «نشوء الرواية» للناقد الإنجليزي إيان واط، والذي صدر لأول مرة في نسخته الأصلية عام 1957، واحداً من أهم المراجع التأسيسية في حقل الرواية. فهو دراسة نقدية وتاريخية كلاسيكية تبحث في ولادة هذا الفن في القرن الثامن عشر بإنجلترا، من خلال تلازم التغيرات الاجتماعية والفلسفية مع ظهور الشكل الروائي الجديد. ومن الطبعات العربية المميزة لهذا الكتاب، تلك التي أنجزها المترجم ثائر ديب وصدرت عام 2010 عن «دار الفرقد» في سوريا. وفي هذا الكتاب، يركز واط على الربط بين صعود الطبقة الوسطى والتطور الاجتماعي والاقتصادي وبين تشكل الخصائص البنائية للرواية، إذ يقدم تحليلاً نقدياً وتفصيلياً لأعمال ثلاثة من الآباء المؤسسين للرواية الإنجليزية وهم: دانييل ديفو، وصموئيل ريتشاردسون، وهنري فيلدنغ.
غلاف
ويحمل الكتاب عدداً من العناوين المهمة في فصوله المختلفة مثل: «الواقعية والشكل الروائي»، و«جمهور القراءة ونشوء الرواية»، و«روبنسون كروزو... الفردانية والرواية»، و«التجربة المخصوصة والرواية». ويقدم الكتاب تطوافاً رائعاً بين هذه المواضيع بأسلوبية ممتعة أشبه بالسرد الروائي.
ويشير الكتاب إلى أن ذلك التغير الاجتماعي كان له دوره في تطور الأدب، إذ إن الرواية الكلاسيكية تبلورت كنموذج للواقعية في القرن الثامن عشر، ولم تكن مجرد امتداد وتطور للأشكال الأدبية السابقة كالملاحم أو الحكايات الرومانسية، بل كانت قطيعة فنية ومعرفية كاملة معها، مؤسسةً لتقنية سردية جديدة أُطلق عليها اسم «الواقعية الشكلية». بالتالي، يبرز الكتاب أن السرد الذي أُطلقت عليه صفة «الكلاسيكي» فيما بعد، كان نفسه نتاج حداثة ذلك العصر، وكان يحمل قيمة الرفض للسرديات القديمة، حيث يركز واط على شبكة من المفاهيم الفلسفية والاجتماعية والجمالية التي تضافرت لتوليد هذا الشكل الأدبي الجديد.
ويرى واط في الكتاب أن الصفة الأساسية التي تميز الرواية الكلاسيكية عن مجمل الأنماط الأدبية السابقة لها، لا تنحصر في شكل الحياة التي قدمتها، بقدر ما تتجلى في أسلوبها الذي تتناول به الحياة، وهو ما أطلق عليه مصطلح «الواقعية الشكلية». وهو التيار الذي يجعل العمل يغوص عميقاً لاستكشاف النفس البشرية، ويقدم تجربة متكاملة كنتاج لذلك الغوص. ووفقاً لهذا التعمق، لا تتناول الرواية الكلاسيكية الجوانب المظلمة والبائسة من الحياة فقط، بل يستخدم الكاتب جملة من الإجراءات والتقنيات السردية ليكون العمل مقنعاً للقارئ، وليوحي بأن الأحداث قد وقعت بالفعل لأبطالٍ هم أشخاص حقيقيون عاشوا في بيئة حقيقية، إذ تستمد الرواية تفاصيلها من الواقع عبر تأويل خلاق لا نقل فج.
وفي سبيل الإقناع والواقعية ومعايشة نبض الحياة، تخلت الرواية الكلاسيكية عن فكرة الزمن المطلق والأسطوري الذي كان من سمات الأعمال الملحمية والقصص الرمزية، وصارت أحداثها تتحرك في مساحة زمنية عبر استمرارية متدفقة تسهم في تكوين وعي الشخصية. إذ إن لكل بطل في الحكاية ماضياً يستدعيه، وحاضراً يعايشه، ومستقبلاً يرنو إليه، فقد صار الزمن مادياً يُقاس بالدقائق والساعات والأيام والسنوات.
ويشير الكتاب إلى أن، وإمعاناً في الانفصال عن الحكي الأسطوري الذي أسست له الأعمال الملحمية القديمة، الروايات الكلاسيكية صنعت مكاناً وفضاءً مادياً للأحداث التي لم تعد تدور في أزمنة هلامية أو أماكن مسحورة متخيلة لا وجود لها في الواقع. إذ تم ترسيخ بيئات مكانية، وصارت الأحداث تجري في شوارع المدن والقرى التي يعرفها الناس، وكذلك في الأسواق والبيوت، وحرصت الروايات الكلاسيكية على قوة وصف تلك الأماكن بما يعزز واقعيتها.
ويلفت الكتاب إلى أن هذه الاختراقات التقنية والأسلوبية التي صنعتها الرواية الكلاسيكية طالت حتى الهوية الشخصية على مستوى التسميات. فالأسماء في الحكي والأدب الرمزي والتاريخي السابق كانت تقوم على دلالات رمزية وأخلاقية، فيما عملت السرديات الكلاسيكية على توظيف الأسماء المتداولة والمستخدمة في الواقع مثل: «توم، عبدالله، سوزان»، وهكذا. وهو ما منح الشخصيات التي تحمل تلك الأسماء هوية اجتماعية ووجوداً مستقلاً يماثل الأفراد الحقيقيين في المجتمع، ما يشير إلى أن سر جاذبية هذا السرد الروائي هو التصاقه بالواقع والمجتمعات والتعبير عن الهموم والمشاغل.
وكانت الفلسفة - كما يرى الكتاب - حاضرة في التأسيس للسرد الذي صار يسمى بالكلاسيكي فيما بعد، إذ إن التطور الذي حدث فيه اقترن بانقلابات وفتوحات فكرية عميقة جرت في تلك الحقبة، وجاءت محمولة بواسطة أطروحات فلاسفة من أمثال: رينيه ديكارت وجون لوك. إذ نقلت فلسفة التنوير مركز الثقل المعرفي والفكري من «التقاليد الجماعية» و«الوثوقيات المطلقة» التي كونتها الروايات الأسطورية، إلى «العقل الفردي» و«التجربة المادية المحسوسة». فالرواية الكلاسيكية لم تكن نتاج فراغ أو تجريباً عابراً، بل هي ابنة تلك التحولات الاجتماعية والسياسية والفلسفية العميقة، إذ تمثلتها الرواية وعبرت عنها وسارت على نهجها.