تقع الشبهة في الفلسفة بأنها تغرد في واد والكينونة البشرية في واد آخر، لكن الفيلسوف هو أكثر من يجعل الإنسان همه الحقيقي.
أما وإن الإنسان ابن الحياة، فلا مناص له من مواجهة مشكلات الحياة اليومية وحاجاتها، ولا حدود لأحزان الناس وآلامهم وأفراحهم، الناس، كل الناس، فقيرهم وغنيهم، شيخهم وفتاهم وطفلهم، كبيرهم وصغيرهم، الخيّر والشرير، والخانع والمتمرد، والحزين والفرِح، والمشرّد واللاجئ، واليتيم والثكلى، والجائع والبردان، والعاشق والعاطل عن العمل، والشاعر بالعبودية والمقهور، والمشتاق والمتشفّي، والحاقد والكاره والمحب، والمجرم والمؤثر، والضعيف والقوي، والطامح والقانع، والنبيل والوضيع، والقاهر والمقهور، والمتشائم والمتفائل، واللامبالي والمغترب والمتشيّئ، والماجن والعبثي، والقلق والمطمئن والكريم والبخيل، والمناضل والانتهازي، والجاهل والعالم، والعنصري والمتسامح، والمدّعي والكاذب والصادق والموارب، والمؤمن والكافر والملحد، والجميل والعادي والمألوف والمدهش والمتأمل، هؤلاء جميعاً، بكل ما تنطوي عليه حياتهم من تناقضات وصراعات ورغبات وآمال وخيبات، هم المنابع الحقيقية لأسئلة الفلسفة الكبرى، أسئلة الوجود والقيم والحياة والموت والمعنى والمصير. أجل، إنما نشأت الفلسفة من التفكير في مشكلات الحياة البشرية، ومن الدهشة أمام العالم، ومن القلق الذي يثيره وجود الإنسان في هذا العالم، ومن التعينات التاريخية التي لا تنتهي للكينونة البشرية.
فالكينونة البشرية مفهوم عن ماهية الإنسان ووجوده في الزمان والمكان. بل هي الإنسان الواقعي في حضوره التاريخي، في علاقته بذاته وبالآخر وبالعالم، في حريته وعبوديته، في اغترابه وانتمائه، في وعيه بذاته وفي جهله بها، في قدرته على صنع حياته وفي عجزه عن امتلاك مصيره.
ولهذا فإن السؤال عن الكينونة البشرية ليس سؤالاً عن الإنسان كما يجب أن يكون وفق صورة مثالية متخيلة، بل هو، أولاً، سؤال عن الإنسان كما هو، وعن الشروط التي جعلته على ما هو عليه، وعن الإمكانات الكامنة فيه لكي يكون على نحو آخر.
وإذا كانت العلوم الإنسانية تدرس الإنسان من حيث هو كائن اجتماعي أو نفسي أو اقتصادي أو تاريخي، فإن الفلسفة تسأل عن معنى هذا الوجود الإنساني في كليته، وعن دلالة أن يكون الإنسان حراً أو عبداً، سعيداً أو شقياً، فاعلاً أو منفعلاً، سيداً لمصيره أو خاضعاً لقوة تسلبه إرادته.
وما من سؤال فلسفي كبير إلا وله جذر في الكينونة البشرية، حتى أكثر الأسئلة تجريداً وبعداً عن الحياة اليومية.
فالسؤال عن الحقيقة، مثلاً، ليس منفصلاً عن وجود الكذب والخداع والوهم والجهل. والسؤال عن العدالة ليس منفصلاً عن الظلم والقهر واللامساواة. والسؤال عن الحرية ليس منفصلاً عن العبودية والاستبداد. والسؤال عن الخير ليس منفصلاً عن الشر، والسؤال عن معنى الحياة ليس منفصلاً عن حضور الموت في الوعي الإنساني.
بل إن السؤال عن الوجود نفسه ما كان ليظهر لولا أن الإنسان كائن موجود وواعٍ بوجوده، وقادر على أن يجعل من وجوده موضوعاً للتفكير.
فالفيلسوف لا يرى في الجائع معدة فارغة وحسب، بل يرى كائناً بشرياً حُرم من شرط من شروط حياته الكريمة. ولا يرى في العبد إنساناً مقيد اليدين فقط، بل يرى إرادة مسلوبة وذاتاً حُرمت من حق تقرير مصيرها. ولا يرى في المقهور مجرد ضحية لقوة قاهرة، بل يرى تناقضاً بين ما يجب أن تكون عليه الحياة الإنسانية وما آلت إليه في الواقع.
ولهذا فإن الفيلسوف هو المهموم بالكينونة البشرية في تعيناتها جميعاً، من دون أن يكلفه أحد بذلك، ومن دون أن ينتظر من أحد أجراً على انشغاله هذا.
فالعقل الذي اعتاد الأجوبة الجاهزة يخشى السؤال، والعقل الذي استراح إلى الموروث يخشى النقد، والعقل الذي جعل من العادة حقيقة مطلقة يرى في الشك اعتداءً على طمأنينته.
والأخطر من ذلك أن الإنسان قد يعادي من يكشف له شروط عبوديته، لأنه اعتاد عبوديته حتى صارت جزءاً من تصوره عن ذاته والعالم.
وهنا تبلغ مفارقة الكينونة البشرية ذروتها: أن يدافع الإنسان عن الشروط التي تحول دون تحرره، وأن يعادي العقل الذي يسعى إلى كشفها.
ولهذا فإن الفلسفة، في صميمها، دفاع عن حق الإنسان في أن يكون ذاته، وعن حقه في أن يفكر في وجوده من دون وصاية، وأن يرفض ما يسلبه إنسانيته.
وليس الفيلسوف داعية يحمل خلاصاً نهائياً للبشر، ولا مشرّعاً يملك أجوبة عن كل مشكلات الحياة، بل هو عقل حر يوقظ الأسئلة القابعة في صيرورة الحياة المتجددة، ويكشف التناقض، ويبحث عن المعنى حيث يهدد العبث وجود الإنسان.
والفيلسوف ليس ذلك الذي يغادر الكينونة البشرية، بل هو الذي يسكن هذه الكينونة بعقله، ويجعل من مصير الإنسان قضيته؛ ذلك أن الإنسان ليس مجرد موضوع للفلسفة، بل هو علة وجودها، وما من فلسفة تستحق اسمها إذا فقدت علاقتها بالإنسان.
