الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوروبا على فوهة بركان

27 أكتوبر 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 27 أكتوبر 2026 00:02 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تشهد القارة الأوروبية موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات العمالية والطلابية المتزامنة، والتي تحولت في مدن وعواصم كبرى إلى مواجهات عنيفة، وأعمال شغب واسعة النطاق.
ويعود ذلك بالأساس إلى مزيج ملتهب من الارتفاع الحاد لتكاليف المعيشة، وتفاقم أزمة غلاء السكن، والزيادات المتتالية في أسعار الوقود والطاقة، فضلاً عن خطط التقشف الحكومية التي أثارت غضب الطبقات العاملة وفئات الشباب، ما أدى بدوره إلى وضع عدد من الحكومات تحت ضغط سياسي وميداني حرج.
وفي هذا السياق، تصدرت ميلانو في إيطاليا واجهة التوتر، بعد مواجهات دامية بين المتظاهرين وقوات الأمن، الأمر الذي أسفر عن توقيف المئات ونشر مئات الجنود للسيطرة على الموقف.
وعلى الضفة المجاورة في إسبانيا والبرتغال، تصدرت أزمة السكن الخانقة المشهد الاحتجاجي، حيث خرج عشرات الآلاف في تظاهرات، بسبب رفع الإيجارات والأجور المتدنية، كما شهدت بلجيكا صدامات حادة في بروكسل اعتراضاً على حزم التقشف وتقليص ميزانيات الرعاية الاجتماعية، بالتوازي مع غضب طلابي في ألبانيا واليونان ضد تردي ظروف التعليم وارتفاع الرسوم الدراسية.
بيد أن فرنسا ظلت بؤرة الثقل الكبرى لهذا الانفجار الاجتماعي، إذ خرج مئات الآلاف في تظاهرات حاشدة، انطلقت من حراك طلابي وضمت النقابات العمالية رغبةً في التنديد بخفض الإنفاق الحكومي، فقد قدر عدد المشاركين في الاحتجاجات التي انفجرت في 17 أكتوبر/تشرين الثاني الجاري بنحو 550 ألفاً، بينهم 110 آلاف في باريس، حيث تخللت تلك الاشتباكات العنيفة مواجهات بين الشرطة والمحتجّين، وسُجّلت فيها إصابات وأعمال سرقة وتخريب وإضرام النيران في مبانٍ وممتلكات عامة.
وبناءً على ما تقدم، تتطلب هذه الموجة القراءة الموضوعية، فالواقع يشير إلى أن الدول الأوروبية التي عرفت بعقود من الرخاء، واجهت عجزاً حاداً في جدوى السياسات التنموية، وهو ما أدى عملياً إلى تعميق أزمة العدالة الاجتماعية، في ظل تضخم متصاعد وارتفاع هائل في أسعار السلع الأساسية.
وبنظرة تأملية للمشهد الأوروبي، يتبين أن الاحتجاجات لم تبدأ من الشوارع، بل يبرز دور منصات التواصل الاجتماعي كلاعب رئيسي في الأحداث، من خلال الحشد واستخدام الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى المحتوى الذي قد يحوّل الاحتجاجات إلى فرصة للتحريض على العنف والتخريب.
ودعا نحو 30 عضواً في البرلمان الأوروبي، إلى اتخاذ إجراءات لتحديد مسؤولية منصات التواصل الاجتماعي عن أعمال العنف التي شهدتها فرنسا وإيطاليا وبلجيكا في الأيام الأخيرة، ومنح السلطات صلاحية حظر تلك المنصات إذا لزم الأمر.
وختاماً، فإنه مع اقتراب استحقاقات انتخابية كبرى، تتجاوز الأزمة حدود الشارع الأوروبي، لتصبح اختباراً سياسياً حاسماً للحكومات، فالقارة العجوز تقف اليوم على فوهة بركان حقيقي ينذر بخريف غاضب، وشتاء محتمل من السخط الاجتماعي مع تآكل الطبقة الوسطى، ليصبح الاستقرار مرهوناً بقدرة الحكومات على تقديم حلول بنيوية ملموسة، قبل أن تنفجر تلك الفوهة بـ«كرة نار» تلتهم معها كل محاولة لاحتواء الأزمة، وإعادة الأمور إلى نصابها.
Mohmed [email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة