الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الدبلوماسية الإماراتية وأفق الأمم المتحدة

27 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 27 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تكتسب الدبلوماسية قيمتها حين تفتح طريقاً للتفاهم، وتساعد الدول على تحويل مصالحها المشتركة إلى خطوات تحمي الاستقرار. وفي عالم تتشابك فيه الأزمات، تبرز أهمية الخبرة القادرة على الإصغاء إلى المواقف المختلفة، وتقريبها، وبناء الثقة بينها. ومن هذه الزاوية، يحمل ترشيح دولة الإمارات العربية المتحدة لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة دلالة تتصل بمستقبل العمل الدولي، وبإسهام الكفاءات الإماراتية فيه.
ففي 21 أكتوبر/تشرين الثاني، أُعلن الترشيح الرسمي بخطاب من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى رئاستي الجمعية العامة ومجلس الأمن. وأشار خطاب الترشيح إلى خبرة نسيبة الواسعة في الأمم المتحدة وسجلّها في العمل البنّاء والتعامل مع التحديات الدولية. ويعكس تقديم هذه الخبرة إلى موقع دولي رفيع الثقة بالكفاءات الوطنية، والاستعداد للإسهام في المسؤوليات المشتركة.
وتمتد مسيرة نسيبة الأممية لأكثر من عقد، إذ مثّلت الدولة مندوبة دائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وترأست المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وقادت مشاورات دولية معقدة خلال عضوية الإمارات في مجلس الأمن. وأتاح لها هذا المسار معرفة دقيقة بآليات المنظمة وأولويات الدول الأعضاء، وشبكة واسعة من العلاقات المهنية التي تدعم العمل متعدد الأطراف.
وفي 22 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت الأمانة العامة لمجلس التعاون تأييد دول المجلس بالإجماع للترشيح، وربطت موقفها بدعم العمل الدولي متعدد الأطراف وتعزيز دور الأمم المتحدة في صون السلم والأمن. ويمنح هذا التأييد الترشيح سنداً خليجياً واضحاً، ويعبّر عن اهتمام المنطقة بالمشاركة في تطوير الاستجابة الدولية للتحديات.
ولا يأتي هذا الترشيح من فراغ، فقد راكمت دولة الإمارات خبرة دبلوماسية واسعة عبر عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن خلال عامي 2022 و2023، واستضافتها مؤتمر الأطراف COP28، ومساهماتها في جهود الوساطة الإنسانية بين أطراف متعددة. وقد عكست هذه المحطات نهجاً ثابتاً يقوم على الحوار وبناء الجسور، ورسّخت حضور الدولة شريكاً موثوقاً في معالجة القضايا الدولية.
ويجري اختيار الأمين العام وفق مسار مؤسسي محدد. تبدأ العملية بدعوة مشتركة من رئيسي الجمعية العامة ومجلس الأمن لتقديم الترشيحات، وتُرشّح دولة عضو أو مجموعة دول الشخص الذي تقترحه. ويقدّم المرشح بياناً لرؤيته وسيرته الذاتية وإفصاحاً عن مصادر تمويل حملته، وتُنظَّم حوارات تفاعلية علنية تتيح عرض أولوياته والإجابة عن الأسئلة. وتساعد هذه الخطوات الدول الأعضاء على تقييم الخبرة والبرنامج والقدرة على أداء المسؤولية.
أما التعيين، فتحدده المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة: تعيّن الجمعية العامة الأمين العام بناءً على توصية مجلس الأمن. وتتطلب توصية المجلس تأييد تسعة أعضاء على الأقل من أصل خمسة عشر، من دون استخدام أي عضو دائم حق النقض. ثم تنظر الجمعية العامة في التوصية وتتخذ قرار التعيين. وبذلك، يمثل الترشيح والتأييد المعلن مرحلتين في عملية تستكمل عبر أجهزة المنظمة وإجراءاتها.
وتوضح طبيعة المنصب أهمية هذا المسار. فالأمين العام هو المسؤول الإداري الأعلى في المنظمة، ويؤدي المهام التي تعهد بها إليه أجهزتها المختصة، ويقدّم تقريراً سنوياً إلى الجمعية العامة عن أعمالها. كما تمنحه المادة 99 صلاحية لفت نظر مجلس الأمن إلى أي مسألة يرى أنها قد تهدد السلم والأمن الدوليين. وهذه الصلاحية تتيح طرح المخاطر أمام المجلس وتدعم الاهتمام المبكر بها.
وللأمين العام كذلك دور دبلوماسي من خلال المساعي الحميدة والوساطة، والمساعدة على منع النزاعات أو احتوائها وتسويتها. وتستند فاعلية هذا الدور إلى الثقة والاستقلالية، وإلى التعاون مع الدول والأطراف المعنية. وتؤكد المادة 100 من الميثاق استقلال المسؤولية الدولية للأمين العام وموظفي المنظمة، وعدم تلقيهم تعليمات من الحكومات أو الجهات الخارجية.
في هذا الإطار، تصبح الخبرة في بناء التوافق ذات قيمة عملية. فالمنصب يحتاج إلى إدارة مؤسسة دولية، وفهم حساسيات الدول، والمحافظة على قنوات الحوار، ومتابعة ما يُتفق عليه. وقد ركزت نسيبة في إعلان ترشحها على استعادة الثقة عبر التحرك المبكر وتحقيق نتائج ملموسة، وعلى تفاهمات عملية تخفف المعاناة وتمهّد لتسويات أوسع. وهي رؤية تُطرح ضمن عملية التقييم الدولية، وتربط الطموح السياسي بخدمة الإنسان. كما تشير إلى إدراك عميق بأن نجاح المنظمة يقاس بقدرتها على الوصول إلى الناس في مناطق الأزمات، وبما تحدثه قراراتها من أثر ملموس في حياتهم.
ويفتح الترشيح الإماراتي مجالاً للاعتزاز بخبرة وطنية تراكمت في العمل الدبلوماسي، وللتأمل في قدرة الاستثمار في الإنسان على تقديم إسهام عالمي. وتبقى نتيجة الاختيار رهناً بالإجراءات والمواقف الدولية، فيما تظل الرسالة الأوسع واضحة: استعداد الإمارات العربية المتحدة لتقديم كفاءاتها دعماً للتعاون والسلام. فكل جهد يجمع الإرادات حول حل ممكن يمنح الأمم المتحدة فرصة لتعزيز دورها، ويقرّب العمل الدولي من الغاية التي ينتظرها الناس: أمن يصون حياتهم، وتعاون يفتح أمامهم مستقبلاً أفضل.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة