في عالم تتدافع فيه الأزمات، السياسية والأمنية والاقتصادية، وتهديدات باتت تشكل قلقاً وأرقاً للعالم، ومخاوف من خروج المخاطر عن السيطرة نتيجة سوء التقدير، أو استخدام القوة وسيلة وحيدة للتعامل مع الأزمات، تبرز الدبلوماسية كأداة وحيدة قادرة على كبح هذه الأزمات، ومعالجتها، باعتبارها فناً وعلماً لإدارة العلاقات، والمفاوضات، والحوار بالطرق السلمية بين الدول، أو المنظمات، أو الأطراف الفاعلة في النظام الدولي، بهدف التوصل إلى حلول سلمية للنزاعات من دون اللجوء إلى القوة، أو العنف.
وبما أننا في منطقة تعتبر الأكثر توتراً وخطراً جرّاء صراعات متشابكة، قديمة وجديدة، تتداخل فيها المصالح، وتتعدد فيها القوى والتحالفات، وتموج بالممارسات الخارجة عن القانون، وانتهاك سيادة الدول، وتجاوز الشرعية الدولية، والتدخل في الشؤون الداخلية، ما أدى إلى أزمات مستمرة باتت تشكل تهديداً للأمن والسلام الدوليين، فإن الدعوة التي أطلقتها دولة الإمارات في بيان لوزارة الخارجية لالتزام الدبلوماسية والقانون طريقاً لحل الأزمات، تأتي في ظروف بات الجميع يقدّر خطرها، ويعرف أنه ما لم تتم المسارعة إلى إيجاد حلول سياسية لها، فقد تنفجر في وجه الجميع في أيّ لحظة، وستكون نتائجها كارثية، خصوصاً على منطقة الخليج، التي تم إدخالها في أزمة لا ناقة لها فيها ولا جمل، وتحولت إلى ضحية جراء صراعات على النفوذ، والهيمنة، والدور، والمصالح، كما ستؤدي إلى أزمة عالمية لها علاقة بالطاقة وتداعياتها، الاجتماعية والاقتصادية.
وعندما تدعو الإمارات إلى تغليب الحكمة، والحلول السياسية والسلمية، والالتزام بالقانون الدولي، لاحتواء الأزمات، فذلك نتيجة إدراكها أن الدبلوماسية هي الطريق الوحيد لترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة، وما عدا ذلك أزمات مفتوحة على مختلف الاحتمالات الخطرة.
إن الدبلوماسية تشكل البديل الوحيد للخروج من نفق الأزمات الحالية، إنْ في الخليج، أو أوكرانيا، أو على الساحة الفلسطينية، وغيرها، لكن شرط أن ترتكز على أساس احترام مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، والاختيار الحر لوسائل التسوية، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، وميثاق الأمم المتحدة، وأن تكون الحلول عادلة من دون فرض أو إكراه.
والدبلوماسية تعتمد بشكل كبير على أدوات التفاوض والوساطة لتحقيق السلام، شرط أن يأخذ الوسيط مسافة واحدة من جميع الأطراف المعنيّة بالوساطة، وإلا، فإنه يفقد دوره كوسيط نزيه، كما هي حال «الوسيط الأمريكي» في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، ذلك أن الوسيط الفاعل يلعب دور قائد الأوركسترا الذي يضبط الإيقاع بين مختلف الآلات الموسيقية، فهو يرشد الأطراف لاستكشاف الخيارات، وتحديد أرضية مشتركة، وتهيئة البيئة، الآمنة والمحايدة، للتواصل، وذلك يستدعي مهارة دبلوماسية مميزة لدى الوسيط.
وتمثل الدبلوماسية إحدى ركائز العلاقات الدولية، حيث تسهم في إدارة الأزمات، وإيجاد الحلول الفعالة لمواجهة التحديات المعقدة، وأداة رئيسية للسياسة الخارجية، عدا عن أنها تشكل البديل الوحيد لاستخدام القوة، أو اللجوء إلى العنف في العلاقات الدولية، وتعتمد على الحوار والمفاوضات للتوصل إلى حلول سياسية.