مهما حدث الثلاثاء، سيبقى دونالد ترامب في البيت الأبيض، لكن التصويت في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس سيحدد ما إذا كان سيعزز صلاحياته أم لا، فقد ألقى الرئيس الأمريكي بظلاله الضخمة على السياسة الأمريكية خلال السنوات الماضية، لكن وقته يقترب من نهايته، وإذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس، فسوف يُحكم عليه بقضاء العامين الأخيرين في ولايته بصلاحيات محاصرة، فيما يحدد مراقبون تسع قضايا رئيسية تتحكم في المشهد السياسي الأمريكي وانتخابات الكونغرس.
أولاً: الحرب الإيرانية
ما تم الترويج له على أنه رحلة تستغرق أسابيع لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي تحول إلى حرب ممتدة لأكثر من ثمانية أشهر، ما يضغط على ترامب ومعسكره خلال الانتخابات. وكثيراً ما يصف الرئيس الأمريكي الصراع في الشرق الأوسط بأنه «انحراف بسيط» للتخفيف من وطأة وعده بإنهاء الحروب الخارجية. لكن قبيل يوم الانتخابات، برز هذا الصراع محور اهتمام رئيسي للناخبين في هذه الدورة الانتخابية النصفية لما له من تداعيات.
ويقرّ الاستراتيجيون الجمهوريون سراً بأن الحرب تضر بشدة بمساعي الحزب للاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس خلال العامين الأخيرين من رئاسة ترامب. وتؤثر أسعار الطاقة المرتفعة وإرهاق الناخبين من الحرب التي استمرت قرابة ثمانية أشهر بشكل كبير على المرشحين الجمهوريين، حيث انفصل بعضهم علناً عن الرئيس بشأن هذه القضية.
كما واجه الجمهوريون صعوية واضحة في إقناع الأمريكيين بجدوى الحرب خلال حملاتهم الانتخابية، خاصة في ولايات مثل أيوا وألاسكا، حيث يشكل الديزل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي. ومن ثم يعتبر الكثيرون أن انتخابات الكونغرس استفتاء على قرار ترامب بجر أمريكا إلى صراع خارجي آخر بعد أن وعد صراحة بأنه لن يفعل ذلك.
ثانياً: الاقتصاد
يفضل الرئيس الأمريكي ألا يقلق الناخبون بشأن التضخم، لكن من الصعب عليهم تجاهله. فتكلفة تعبئة خزان وقود شاحنة فورد F-150 الأساسية تبلغ الآن حوالي 100 دولار، أي بزيادة قدرها 30 دولاراً عن العام الماضي. وارتفعت معدلات الرهن العقاري إلى مستويات أدت إلى انخفاض مبيعات المنازل، وعلى مدار الاثني عشر شهراً الماضية، ارتفعت أسعار المستهلكين بوتيرة أسرع من رواتب الموظفين، مما جعل الأسرة المتوسطة أكثر فقراً.
وواجه ترامب صعوبة في الوفاء بوعده الانتخابي بخفض التكاليف. وقد أدت أسعار الديزل المرتفعة بشكل قياسي، على وجه الخصوص، إلى ارتفاع تكاليف الشحن والصيد والزراعة، مما خلق مشاكل للجمهوريين في الولايات المحافظة عادةً، مثل تكساس.
وفي أقل من عامين، حاول ترامب إعادة تشكيل الاقتصاد الأمريكي. وقد فرض تعريفات جمركية باهظة على العديد من الشركاء التجاريين وأشعل حروباً تجارية مع حلفاء تقليديين، مثل كندا والاتحاد الأوروبي. لكن التحدي المتمثل في التضخم استمر، مما طغى على إيجابيات استمرار النمو الاقتصادي وانخفاض معدل البطالة.
وكان معدل التضخم 3% عندما تولى ترامب منصبه في يناير 2025. وبحلول سبتمبر 2026، وصل إلى 3.7 %. ويستغل الديمقراطيون الآن الرسالة التي خاض ترامب حملته الانتخابية على أساسها: وضع حد لارتفاع تكاليف المعيشة الناجمة عن رئيس غير كفؤ.
ثالثاً: القضايا العالقة
رغم أن ولاية ترامب الثانية، حتى الآن، أقل فوضوية من ولايته الأولى، لكن هناك واقعة واحدة لم يستطع التخلص منها، وهي ملفات إبستين. فجيفري إبستين، الذي انتحر أثناء انتظاره المحاكمة في زنزانة بسجن مانهاتن، كان مداناً بارتكاب جرائم مشينة، واشتهر بعلاقاته مع الأثرياء وأصحاب النفوذ. وأصبح موضوعاً لنظريات مؤامرة مكثفة حول مجموعة من النخب التي تحرك خيوط «الدولة العميقة».
بعد الكشف الكامل عن الملفات في نوفمبر الماضي، واجه العديد من شركاء إبستين السابقين أسئلة محرجة حول علاقاتهم مع الممول، بمن فيهم ترامب. ولم يؤدِ معارضة الرئيس الأمريكي الأولية لمشروع قانون إبستين، والتعامل الفاشل الذي قامت به الإدارة لاحقاً مع إصدار الوثائق، إلا إلى تأجيج نظريات المؤامرة. ولطالما أصر ترامب على أنه أنهى صداقته مع إبستين قبل وقت طويل من الاشتباه في ارتكاب الممول أي مخالفات جنائية، ورغم اعتبار ترامب القضية منتهية، فإنها تحولت إلى أداة سياسية يستخدمها الديمقراطيون.
رابعاً: الهجرة
عندما ترشح ترامب للرئاسة عام 2024، امتلأت شاشات التلفزيون الأمريكية بصور فوضى المهاجرين. كانت هناك مخيمات خيام على جانبي الحدود، وقوافل من الناس تشق طريقها عبر أمريكا الوسطى، ومخاوف من أن يغمر الوافدون الجدد المجتمعات. ويُعتقد أن تعهده بالتصدي لعمليات عبور الحدود غير القانونية قد أكسبه أصواتاً قياسية.
لكن بعد فترة وجيزة من تنصيبه، استُبدلت تلك الصور بمشاهد فوضوية، بل وعنيفة أحياناً، تُظهر عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وهم يعتقلون المهاجرين غير الشرعيين في الأماكن العامة ومن منازلهم. وتشير تقديرات معهد سياسات الهجرة إلى أنه تم ترحيل نحو 660 ألف شخص خلال السنة المالية الماضية.
وكانت مينيابوليس نقطة تحول. فقد أُرسل أكثر من ألفي عنصر من القوات الفيدرالية إلى المدينة، وأصبحت مشاهد العناصر الملثمين وهم ينزلون من قوافل السيارات غير المميزة أمراً مألوفاً. وخرج عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع. وقُتل مواطنان أمريكيان، رينيه غود وأليكس بريتي، وكلاهما يبلغ من العمر 37 عاماً، خلال مواجهات مع عناصر الأمن. وفي الأسابيع التي تلت ذلك، أقال البيت الأبيض رئيس حرس الحدود غريغوري بوفينو وكريستي نويم، وزيرة الأمن الداخلي آنذاك.
وبينما لا يزال ترامب يحظى ببعض الدعم لطريقة تعامله مع الحدود، تُظهر استطلاعات الرأي أن الناخبين لا يوافقون على نهجه في مداهمات إدارة الهجرة والجمارك، وهو تحول لافت للنظر قد يقوض محاولات الجمهوريين للحفاظ على سيطرتهم على الكونغرس.
خامساً: تزوير الانتخابات
لطالما صوّر ترامب تصويت المهاجرين غير الشرعيين في انتخابات التجديد النصفي على أنه تهديد خطر لنزاهة الانتخابات. وكان هذا حجةً أساسيةً في ادعائه بأن انتخابات عام 2020، التي خسرها أمام جو بايدن، قد «سُرقت».
وبعد عودته إلى منصبه، أطلق الرئيس تحقيقاً شاملاً في محاولة لإثبات مزاعمه، ويبدو أنه يمهد الطريق للطعن في نتائج انتخابات التجديد النصفي. وفي خطاب متلفز على الصعيد الوطني في يوليو، قال ترامب إن إدارته حددت أكثر من 275 ألف ناخب من غير المواطنين، والذين قال البيت الأبيض إنهم موجودون في أربع ولايات تميل إلى الحزب الديمقراطي.
ويواصل المدعون الفيدراليون الإبلاغ عن حالات جديدة مشتبه بها. وفي ولاية واشنطن هذا الأسبوع، أفادوا بأنهم حددوا أكثر من 400 شخص من غير المواطنين يبدو أنهم مسجلون للتصويت. والشهر الجاري، قالت وزارة العدل إنها وجهت اتهامات إلى 28 شخصاً في كاليفورنيا، جميعهم مقيمون دائمون بشكل قانوني، بالتصويت كغير مواطنين أو الإدلاء ببيانات كاذبة في أوراق التصويت أو التجنيس.
ومن المحتمل أن يؤدي استمرار الحديث عن تزوير الانتخابات وتصويت غير الأمريكيين إلى دفع مسؤولي الانتخابات والديمقراطيين للاستعداد لاحتمال تدخل ترامب في انتخابات يوم الثلاثاء. ورفع الديمقراطيون وجماعات الحقوق المدنية دعاوى قضائية لمحاولة منع إدارة ترامب من إرسال عملاء مسلحين إلى مراكز الاقتراع، وهو أمر تصر الإدارة على أنها لن تفعله.
سادساً: إسرائيل
أدى تشديد موقف الحزب الديمقراطي تجاه إسرائيل إلى توتر علاقته بالناخبين اليهود. ومع ذلك، يتساءل العديد من الاستراتيجيين عما إذا كان ترامب والجمهوريون سيتمكنون من استغلال ذلك. وتتمثل إحدى العقبات الرئيسية في أن الناخبين اليهود، الذين يشكلون كتلة حاسمة في الولايات المتأرجحة مثل ميشيغان، أكثر ليبرالية بشكل ملحوظ من المواطن الأمريكي العادي.
ويشكك الكثيرون في ترامب، الذي لم يحقق أداءً قوياً قط بين هذه الفئة الديموغرافية، ولا يرغبون في استمراره في السيطرة على الكونغرس. وعلى الرغم من تزايد عدد المرشحين المناهضين لإسرائيل والمتشككين فيها بين الديمقراطيين، إلا أن بعض الناخبين اليهود، وخاصة جيل الشباب، أكثر اهتماماً بالقضايا الداخلية مثل الرعاية الصحية.
ولا شك أن بعض الناخبين سيتخلون عن الديمقراطيين، لكن ترامب سيواجه صعوبة في استقطاب نسبة كبيرة منهم. ولن يصوت المنشقون بالضرورة للجمهوريين، بل قد يصوتون لمرشح حزب ثالث أو يقاطعون الانتخابات تماماً.
وعلى سبيل المثال، قام آشر لوباتين، وهو حاخام مقيم في ضواحي ديترويت، بحملة انتخابية لصالح مايك روجرز، المرشح الجمهوري في ميشيغان، لكنه كان يعتقد أنه سيخسر أمام عبدالسيد من الحزب الديمقراطي. وقال روجرز لصحيفة التلغراف إنه كان مقرباً جداً من ترامب لدرجة أنه لم يستطع استمالة الناخبين اليهود. وأضاف: «بالنسبة لثلث اليهود تقريباً، لا تُمثل إسرائيل قضية مهمة بالنسبة لهم».
في الوقت نفسه، تُظهر استطلاعات الرأي أن الناخبين العرب الأمريكيين قد عادوا إلى صفوف الديمقراطيين بعد أن تخلى الكثيرون عن الحزب في انتخابات عام 2024، بسبب غضبهم من موقف بايدن تجاه إسرائيل وغزة.
سابعاً: المستقلون
حقق المستقلون مكاسب في معاقل الجمهوريين التقليدية. فالناخبون، الذين خاب أملهم في ترامب لكنهم مترددون في الانضمام إلى الديمقراطيين، لديهم خيار ثالث قابل للتطبيق في عدة ولايات. ونجح المرشحون في استقطاب الناخبين برسائل شعبوية، وكثير منهم من المحاربين القدامى، وقد انتقدوا سياسات أدت إلى تأجيج التضخم بسبب الحرب مع إيران.
ويتمتع المستقلون بتنظيم وتمويل أفضل من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة، وقد ضخوا ملايين الدولارات فيما يعتقدون أنها سباقات قابلة للفوز. وفي ولاية نبراسكا، تشير بعض استطلاعات الرأي إلى تقدم دان أوزبورن، وهو جندي سابق في البحرية وقائد نقابي سابق، على بيت ريكيتس مرشح الحزب الجمهوري. وحتى استطلاعات الرأي التي يرعاها الحزب الجمهوري لا تُظهر سوى تقدم طفيف لمرشحهم.
ولعل الأهم من ذلك كله، أن المرشحين المستقلين يوفرون «هيكلاً يسمح للناخبين بالخروج عن مساراتهم الحزبية المعتادة». وفي المناطق الريفية بولاية مونتانا، على سبيل المثال، يمارس سيث بودنار الصيد البري والبحري، وكان عضواً في القوات الخاصة (القبعات الخضراء). وقد حظي بتأييد شخصيات بارزة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وسواء انتصروا أم لا، فقد أدى صعود المستقلين إلى إضعاف دفاعات الجمهوريين، مما أجبرهم على تعزيز ما كان ينبغي أن يكون معاقلهم وتحويل الموارد عن السباقات الأخرى التي يجب الفوز بها.
ثامناً: الديمقراطيون ونقاط ضعفهم
يبدو أن ترامب يعتقد أن أفضل سلاح لديه في انتخابات التجديد النصفي هو ضعف الديمقراطيين. ففي تجمعاته الانتخابية، يهاجم خصومه بشدة واصفاً إياهم بالمتطرفين المعادين لأمريكا والذين سيفتحون الحدود على مصراعيها.
ونجح ذلك في عام 2024، لكن ترامب يواجه مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي أن انتخابات التجديد النصفي بمثابة استفتاء على رئيس انخفضت شعبيته بشكل كبير، وثانياً، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الديمقراطيين قد حققوا انتعاشاً معتدلاً منذ سبتمبر، ورغم أنهم ما زالوا غير محبوبين على نطاق واسع، إلا أنهم يحظون بتأييد أكبر من ترامب. وفي استطلاعات الرأي العامة للكونغرس، يتقدمون على الجمهوريين بنحو 10 نقاط.
ورغم جولات ترامب المكثفة في أنحاء البلاد في محاولة لحشد قاعدته الشعبية، إلا أنه لم يحقق سوى نجاح محدود. فقد أظهر مركز بيو للأبحاث أن احتمالية إقبال الناخبين الديمقراطيين على التصويت أعلى بكثير من نظرائهم الجمهوريين بفارق 17 نقطة.
قد يكون هذا الفارق في الحماس قاتلاً لفرص الجمهوريين، خاصة وأن الناخبين المستقلين يميلون دائماً تقريباً إلى التصويت ضد الحزب الحاكم في انتخابات التجديد النصفي. ولكن الجانب الإيجابي بالنسبة لترامب هو أن جون فيترمان، السيناتور الديمقراطي عن ولاية بنسلفانيا، قد ألمح إلى إمكانية انسحابه من حزبه إذا أصبح معادياً لإسرائيل بشكل مفرط. وحتى بعد فرز الأصوات النهائية، قد يبقى مصير السيطرة على مجلس الشيوخ معلقاً.
تاسعاً: مراكز البيانات
في بلد يزداد انقساماً، برزت قضية غير متوقعة في قلب المنافسات الانتخابية، تتعلق ببناء مراكز البيانات العملاقة التي تعتمد عليها شركات التكنولوجيا لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتعد هذه المراكز واحدة من المجالات القليلة التي تحظى باتفاق الحزبين. ولا تحظى التطورات الخاصة بها بشعبية كبيرة بسبب المخاوف من أنها ستؤدي إلى ارتفاع أسعار الكهرباء واستهلاك كميات هائلة من المياه، وهي بمثابة عبء ثقيل على أي مرشح مرتبط بها.
وعلى أي حال، يدعمهم ترامب، محذراً من أن المعارضة تعني خسارة سباق التسلح في مجال الذكاء الاصطناعي لصالح الصين ورفض الاستثمار المحلي من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى. وأعلن في أغسطس أن المجتمعات التي ترفض مراكز البيانات ستنتهي إلى «التخلف والفقر». وأضاف: «إذا أرادوا النجاح والثراء، مع ضرائب أقل بكثير وفرص عمل وفيرة، فليكن للبيانات الكلمة الفصل».
لكن استطلاعات الرأي تُظهر أن سبعة من كل عشرة ناخبين يعارضون بناء هذه المراكز. وقد تراجع الجمهوريون الذين كانوا يدعمون التطوير بحماس شديد في السابق، بينما شنّ الديمقراطيون حملة انتقادات لاذعة ضدهم في هذه القضية.
في ولاية مثل تكساس، التي تضم ثاني أعلى عدد من مراكز البيانات في البلاد، وتستضيف سباقاً انتخابياً متقارباً للغاية لمجلس الشيوخ، قد تتحول الولاية إلى اللون الأزرق لأول مرة منذ عام 1994، ويعتبر هذا امر بالغ الأهمية، وقد يرغب ترامب في أن «تهيمن» مراكز البيانات لكن قد ينتهي الأمر بتسليم السلطة للديمقراطيين.
وإذا لم تسر نتائج الانتخابات في صالحه، فقد وضع الرئيس الأمريكي أيضاً الأسس لإجراء تحقيقات في عمليات التزوير في محاولة للطعن فيها. وهكذا، يتوقف مصير ترامب في فقدان سيطرته على الكونغرس على هذه التسع قضايا — وكلها تشير إلى أن الطريق أمامه ليس سهلاً كما كان يأمل.