إذا وقع السيناريو الذي تسعى الدبلوماسية جاهدة لتجنبه، واختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن ضربات جديدة على إيران، سواء بمشاركة إسرائيل أو من دونها، فقد حددت مجموعة من القادة العسكريين والمحللين الأمريكيين ثلاث خيارات أمام القوات الأمريكية، في ظل ترجيحات بالعودة إلى القتال عقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة الثلاثاء المقبل.
وتتراوح الخيارات الأمريكية ــ الإسرائيلية بين ضربات بحرية محدودة منخفضة المخاطر نسبياً لكنها غير حاسمة، وضربات على أهداف نووية تواجه تحديات لوجستية واستخباراتية، وحملة واسعة تستهدف البنية التحتية والقيادات لكنها تحمل مخاطر تصعيد كارثي واستنزافاً للموارد الأمريكية. وفي جميع السيناريوهات، تبقى فعالية الضربات في إحداث تغيير استراتيجي موضع شك لدى الخبراء العسكريين في الولايات المتحدة.
وقال مارك إسبر، الذي تولى وزارة الدفاع لفترة خلال ولاية ترامب الأولى: «الرئيس وحده يعرف ما يفكر فيه. تحتاج الإدارة الأمريكية إلى أن تحدد بوضوح مجموعة أهداف تريد تحقيقها في المرحلة المقبلة، واستراتيجية ذات مصداقية لتحقيقها».
الخيار الأول: ضربات بحرية موسعة
ويقول جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، لـ «فايننشال تايمز» إن الخيار الأكثر تحديداً سيكون «ضربات بحرية موسعة» تشمل «ضربات على رادارات ساحلية وقاذفات صواريخ مضادة للسفن ومواقع طائرات مسيّرة وقواعد زوارق صغيرة، وغيرها»، ووصف هذا النوع من الضربات بـ «تمرين جز العشب» لمواجهة الهجمات الإيرانية على السفن التجارية عبر مضيق هرمز. وأوضح فوتيل أن هذا الخيار «على الأرجح يحمل مخاطر تصعيد منخفضة نسبياً»، لكن إيران قد «تعيد البناء» بسرعة إلى حد ما على الأرجح.
الخيار الثاني: ضربات على أهداف نووية
رغم أن ترامب يقول إنه دمّر برنامج طهران النووي بضربات على المواقع الرئيسية الثلاثة خلال حرب الاثني عشر يوماً في يونيو / حزيران 2025، فإن الولايات المتحدة قد تشن هجمات جديدة على أهداف نووية. ومع الاعتقاد بأن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب مدفون تحت أنقاض القصف الأمريكي السابق، أشار ترامب إلى أن الهدف الأرجح سيكون جبل الفأس، ويحتوي موقع منشأة مدفونة بعمق لم تُهاجم بعد.
في أكتوبر/ تشرين الأول، هدد ترامب بنشر أقوى قنبلة غير نووية في الترسانة الأمريكية المعروفة بقنبلة الذخائر الهوائية الضخمة (MOAB) أو «أم القنابل»، ضد منشأة جبل الفأس، لكن القنبلة التي تزن نحو 10 أطنان ربما لا تلائم القاذفات التقليدية، وسيتعين إسقاطها من عنبر طائرة شحن C-130 بطيئة الحركة، وهو ما سيكون محفوفاً بالمخاطر عند الطيران عميقاً داخل إيران. وقال محللون إن الولايات المتحدة استخدمت سلاحاً مختلفاً ــــــــ قنبلة الاختراق الضخمة (MOP) ـــــــ في ضربات سابقة على المنشآت النووية تحت الأرض في نطنز وفوردو، بسبب قدرتها على اختراق الصخور والملاجئ الخرسانية.
وقال ديفيد ألبرايت، الفيزيائي وخبير الأسلحة النووية الذي يرأس معهد العلوم والأمن الدولي ومقره واشنطن، إن مقدار معرفة الولايات المتحدة وإسرائيل راهناً بحالة البرنامج النووي الإيراني، أقل بكثير مما كانتا تعرفانه في 2025. غير أنه رجح وجود «فئة كاملة من المنشآت والأشخاص الذين تعرف عنهم إسرائيل والولايات المتحدة، لكنهم لم يظهروا علناً». وأضاف أن عدة منشآت للتسليح لم تكن معروفة علناً حتى هاجمتها إسرائيل، قائلاً: «أتوقع المزيد من المفاجآت».
الخيار الثالث: حملة متعددة الأيام وواسعة النطاق
يقول محللون دفاعيون إن الخيار الأوسع سيتضمن حملة تستمر عدة أيام بأهداف تتراوح من جبل الفأس وعمليات اغتيال لقادة الحرس الثوري الإيراني وقدرات الطائرات المسيّرة والصواريخ المعاد بناؤها، إلى البنية التحتية المدنية مثل المصانع ومصافي النفط ومحطات الطاقة.
وأفادت تقارير إعلامية غربية بأن نتنياهو أعد حملة قصف مشابهة الشهر الماضي، لكنه لم يمض قدماً بسبب معارضة ترامب. وقدم مسؤولون إسرائيليون مؤخراً إلى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قائمة محدثة بالأهداف الإيرانية قالوا إنها تستند إلى معلومات استخباراتية جديدة.
وقال فوتيل، الذي يرى هذا الخيار الأرجح، إن هدف العملية الأوسع «سيكون وضع مزيد من الضغط» على النظام الإيراني للاستجابة لمطالب ترامب. وعلناً، دعا نتنياهو إلى هجوم عسكري مشترك يكون مدمّراً بما يكفي لإحداث انهيار النظام الإيراني. غير أن المحللين العسكريين يشككون في أن حملة جوية أخرى قد تحقق ذلك الهدف.
وقال جوناثان شانزر، خبير الشرق الأوسط في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: «أثبت النظام الإيراني أنه مرن. لقد تلقى ضربات قاسية، لكنه ما زال متماسكاً بطريقة ما، رغم كل الضغوط الاقتصادية والعسكرية». وأضاف: من غير الواضح أي نوع من الاستراتيجيات قد يغيّر ذلك.
المخاطر والقيود العسكرية
وفقاً لخدمة أبحاث الكونغرس، فقد الجيش الأمريكي أو تعرض لأضرار في 81 طائرة منذ بدء الحرب، بينها طائرات تحطمت بعد تعرضها لنيران إيرانية. وقُتل 21 من أفراد الجيش الأمريكي في الحرب. ويقول محللون إن الحاجة إلى طائرات مأهولة لضرب أهداف معينة ستزيد المخاطر على الطيارين الأمريكيين.
ويضيف مسؤولون أمريكيون ومحللون في صناعة الدفاع أن الولايات المتحدة استنزفت بشدة مخزوناتها من ذخائر حاسمة معينة، خصوصاً الاعتراضات المستخدمة للدفاع ضد الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، وأن إعادة تعبئتها صعبة.
وقدّر تقرير صادر في يوليو / تموز عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) ومقره واشنطن أن مخزونات الولايات المتحدة من اعتراضات باتريوت انخفضت إلى أقل من 1000 من مخزون قبل الحرب بلغ 2330، بينما بلغ مخزون اعتراضات ثاد الأكثر تطوراً أقل من 280، انخفاضاً من 452 قبل الحرب.
وقال الخبير العسكري مارك كانسيان إن الإجماليات لم تتغير بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين. وأضاف أن صواريخ الهجوم البري بعيدة المدى مثل توماهوك استُخدمت بكثافة في الصراع، وأن إعادة تعبئتها ستستغرق من سنة إلى خمس سنوات. وأشار إلى أن البنتاغون قلق بشكل خاص من امتلاك ما يكفي لأي صراع محتمل مع الصين، مضيفاً أن استبدال الأسلحة بعيدة المدى بصواريخ وقنابل قصيرة أو متوسطة المدى سينطوي على مخاطر أكبر لأنها ستكون بحاجة إلى الاقتراب من الأهداف.
بدوره، حذر إسبر من أنه «إذا بدأت حملة جديدة، ينبغي أن نتوقع ردوداً غير متناظرة من إيران، بما في ذلك هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على بنية تحتية عسكرية ومدنية في المنطقة». وأضاف: «السؤال المهم هو ما إذا كان شركاؤنا يملكون مخزونات الاعتراضات اللازمة للدفاع ضد هذه الهجمات على مدى فترة ممتدة».
وقال داني سيترينوفيتش، خبير إيران في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، إن استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل للبنية التحتية الحيوية الإيرانية، على وجه الخصوص، «سيغيّر جذرياً طبيعة الحرب، ويجعل صراعاً خطراً أصلاً أكثر صعوبة بكثير في احتوائه».
وانتقد عضو الكونغرس الديمقراطي جيسون كرو، وهو من قدامى المحاربين، وفي لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، استراتيجية التصعيد، قائلاً إن ترامب وقع في فخ المقولة العسكرية القديمة بأن «علينا فقط حل هذا بالتصعيد». وأضاف أن التفكير بأن «طلعة أخرى من الضربات الجوية ستنجز الأمر» معيب، مستشهداً بصراعات سابقة.