ثمة كلمات تأتينا في هيئة شكوى، لكنها تترك في أرواحنا شيئاً من الطمأنينة. يسألنا أحدهم عن طول غيابنا، فنعتذر بألسنتنا ونبتسم في سرائرنا، ليس لأننا نستخف بعتابه، بل لأننا اكتشفنا أن غيابنا لم يمر على قلبه مرور العابرين. وقد تسعده ملامة صادقة أكثر من مديح عابر.
العتاب ليس دائماً خصومة تستدعي الاعتذار، بل قد يكون محبة لم تجد سبيلاً إلى التعبير إلا بالشكوى. أمٌ تعاتب ابنتها على زيارة تأخرت، وأخت تلوم أختها على سؤال انقطع، وصديق يضيق بغياب صديقه. لا يطلب هؤلاء تفسيراً للوقت الذي مضى، بقدر ما يسألون عن مكانتهم في قلب من غاب، فالعتاب، في أرقّ وأرقى صوره، يأتي بصيغة سؤال: «وينك من زمان»، لكنه يحمل اعترافاً بين طياته بمكانة لامست القلب حتى الوجع من الغياب.
لكن للعتاب وجهاً آخر، حين لا يعود الغياب وحده سبب الوجع، بل حضور يخيب ما علقناه عليه من رجاء. نعاتب مرة لأننا تألمنا، وثانية لأننا لم نُفهم، وثالثة لأن شيئاً فينا ما زال يؤمن بأن من أحببناه قادر على أن يكون أرفق بنا. ولعل أشد الخيبات ليست في أخطاء من نحب، بل في سقوط الصورة التي رسمناها لهم، فبعض الناس لا يكسرون قلوبنا بقدر ما يكسرون يقيننا بهم.
ثم تأتي مرحلة لا ينفد فيها الكلام، بل ينفد الإيمان بجدواه. نكف عن الشرح، لا لأن الجرح التأم، بل لأننا تعبنا من إقناع الآخرين بأن الجرح يؤلم. ولم نعد نحتمل أن نؤذي أنفسنا ونحن نرجو من أحببناهم ألا يؤذونا.
وهكذا قد يحدث الرحيل فيما الجميع باقون. تصبح المسافة مألوفة، والغياب عادياً، ويأتي الاعتذار كالمطر إلى أرض مات زرعها.
ولعل أقسى ما في العلاقات ليس أن نغضب ممن نحب، بل أن نفقد حتى رغبتنا في الغضب.
فاحذروا صمت من اعتدتم عتابه، فقد لا يكون قد صفح عن الغياب، بل اعتاده. فلا تظنوا أنكم انتصرتم حين كفّ من يحبكم عن عتابكم، فبعض الانتصارات هزائم لا يعلنها أحد. وما أقسى أن يظن الإنسان أن صمت الآخر راحة نالها، وهو لا يدري أنه مكانة فقدها. فالقلوب لا تغلق أبوابها دفعة واحدة، إنها تتركها مواربة لآخر رجاء، حتى إذا مات الرجاء، لم تعد تنتظر طارقاً، ولا تلتفت إلى عائد. وحينها، قد يعود الغائب بكل ما تأخر في قوله، فلا يجد قلباً يسأله أين كان، ولا روحاً يعنيها أنه عاد.
