قبل سنوات كنت في رحلة صحفية إلى الولايات المتحدة، جلست على مقعدي في الطائرة المتجهة من سان أنطونيو بولاية تكساس إلى مدينة بوسطن، كنت مجهداً، وقلت في نفسي: فرصة لأنام ساعتين.
جلس بجواري رجل متجهم الوجه يقترب من الخمسين، وما كادت الطائرة تحلّق وتستقر على ارتفاع ثلاثين ألف قدم، حتى التفت إليّ وقدم نفسه: أنا هاري، ويبدو أنك لست أمريكياً. قلت: مصري.
كلمة من هنا وكلمة من هناك، وإذا به يفتح أمامي أبواب حياته، ويروي تفاصيل لم أتوقع أن يذكرها لرجل غريب لا يعرف اسمه.
بدأ بقصة حب كُللت بالزواج، وانتهت بخيانة زوجته، وانهيار حياته العائلية، حتى أولاده لم يعد يراهم إلا على فترات متباعدة.
وشت ملامحه ولغته بأنه في حاجة ملحة إلى الكلام، ولم يعد يحتمل الانتظار وإلا انفجر داخلياً.
لم أندهش أنه لم يسألني عن اسمي، بقدر اندهاشي أننا غادرنا الطائرة دون تحية، من وقتها والسؤال يلح على عقلي: لماذا أودع هاري أسراره مع غريب لن يراه مرة أخرى؟
ربما كانت الإجابة الأولى أن الغريب لا يملك أي سلطة على حياة صاحب السر.
في علم الاجتماع، درس الباحث الأمريكي ماريو لويس سمول، أستاذ علم الاجتماع بجامعة هارفارد، هذه المفارقة في كتابه «شخص نتحدث إليه» الصادر عام 2017، ووجد أن الناس لا يختارون دائماً أقرب الأشخاص إليهم للحديث عن أمورهم المهمة، وأن علاقات تبدو أقل حميمية قد تصبح أحياناً أكثر ملاءمة للبوح، فاختيار المستمع لا يتوقف على مقدار المحبة والثقة وحدهما، بل يتأثر أيضاً بطبيعة الموضوع، وظروف اللقاء، وما قد يترتب على الحديث من التزامات أو حساسيات. ولعل هاري كان يعرف أشخاصاً يحبونه ويهتمون به، لكنهم جميعاً، بحكم صلتهم بحياته، يحملون شيئاً من تاريخه، أما أنا فلم أكن أعرف عنه شيئاً.
لكن علم النفس يضيف تفسيراً آخر، فنحن لا نعيش فقط بما نحن عليه، وإنما نعيش أيضاً داخل الصورة التي نريد أن يرانا الآخرون بها.
والغريب لا يعرف هذه الصورة، ولا يطالبنا بالمحافظة عليها، نستطيع أن نحكي عن ضعفنا أو نعترف أمامه بالهزيمة دون أن نخشى سقوط مكانتنا. وربما لهذا يشعر بعض الناس بحرية واسعة حين يتحدثون إلى أشخاص لا يعرفونهم: إنهم يتحررون مؤقتاً من واجب أن يكونوا الأشخاص الذين اعتاد الآخرون رؤيتهم.
