سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليابان أعلى مستوى له على الإطلاق، وذلك بعد تحقيقه نمواً مستمراً على مدى عدة أرباع متتالية. ووفقاً لبيانات صادرة عن مكتب مجلس الوزراء الياباني، نما الاقتصاد بمعدل سنوي بلغ 1.4% خلال الربع الممتد من أبريل إلى يونيو 2026، مما يشير إلى اتجاه تعافٍ قوي ومعتدل.
ومع ذلك، فإنه خلف هذه الأرقام القياسية، يشير الاقتصاديون وصناع السياسات إلى تباين لافت بين النجاح الصناعي الخارجي وبين الصعوبات التي تواجهها الأسر على الصعيد المحلي.
وتشير أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لليابان سيبلغ بين 4.34 تريليون دولار في عام 2026، وذلك بعد أن سجل 4.44 تريليون دولار في عام 2025، وفقاً لبيانات البنك الدولي.
محركات النمو والتباينات
يعود هذا التوسع في المقام الأول إلى نقاط قوة هيكلية وأسواق خارجية مستهدفة، وليس إلى ازدهار محلي واسع النطاق، وذلك بفضل العوامل التالية:
- الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا: أدى الاستثمار العالمي المكثف في الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز صادرات اليابان من المعدات المرتبطة بأشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية المتقدمة.
- مرونة قطاع الشركات: لا تزال أرباح الشركات قوية للغاية؛ حيث أفاد أمين مجلس الوزراء الياباني للشؤون العامة بأن العائد على حقوق المساهمين (ROE) للشركات اليابانية قد وصل مؤخراً إلى أعلى مستوى له منذ 40 عاماً.
- مفارقة الاستهلاك: على الرغم من تسجيل الأجور الحقيقية مكاسب لعدة أشهر متتالية، إلا أن إجمالي الإنفاق الاستهلاكي -الذي يمثل أكثر من نصف النشاط الاقتصادي في اليابان- لا يزال، وبشكل ملحوظ، دون مستويات ما قبل الجائحة.
العامل الديموغرافي
يبقى التراجع المتسارع في عدد سكان اليابان متغيراً حاسماً عند تقييم هذا التعافي. فقد أوضح بنك اليابان، في تقرير ربع سنوي صدر مؤخراً، أن ضعف إجمالي الاستهلاك يعود في معظمه إلى تقلص قاعدة القوى العاملة والمستهلكين، وليس إلى تراجع في طلب الأسر الفردية. وفي الواقع، فبينما يبدو الاستهلاك الوطني الإجمالي ثابتاً، فإن نصيب الفرد من الإنفاق الاستهلاكي في مطلع هذا العام كان أعلى بنحو 4% مما كان عليه قبل عقد من الزمن. المكانة العالمية وأسعار الصرف
على الرغم من وصول الاقتصاد الياباني إلى ذروة حجمه محلياً، إلا أنه يواجه ضغوطاً تتعلق بمكانته على الصعيد العالمي. فبسبب الانخفاض التاريخي في قيمة الين الياباني خلال السنوات الأخيرة، يبدو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لليابان -عند تحويله إلى الدولار الأمريكي- أقل من قيمته الفعلية. ونتيجة لذلك، تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن ترتيب اليابان من حيث إجمالي الناتج المحلي الاسمي قد يتراجع، مع احتمال أن تتجاوزها اقتصادات تشهد نمواً سريعاً، مثل الهند، في السنوات المقبلة.
وفي الوقت ذاته، يواصل بنك اليابان المضي قدماً في تطبيع سياسته النقدية تدريجياً، مع مراقبة دقيقة لمسار التضخم ونمو الأجور، وذلك في إطار سعيه لتحقيق توازن في أسعار الفائدة المحلية.