تُلقي تداعيات الاضطراب في الشرق الأوسط بظلالها على سوق العقارات البريطانية، بعدما أدت قفزة أسعار الطاقة إلى تعقيد مسار التضخم، وتأجيل خفض أسعار الفائدة، بما يرفع كلفة الرهون العقارية ويحد من قدرة المشترين على دخول السوق.
وفي مؤشر على عمق الضغوط، تتوقع شركة «سافيلز» العقارية مرور سوق المنازل في المملكة المتحدة بعامين متتاليين من دون تحقيق نمو في الأسعار، للمرة الأولى منذ 1991 و1992، مع ترجيح انخفاضها 1.5% العام القادم.
وتكمن أهمية هذه التوقعات في أن سوق العقارات لا تتأثر بأسعار الفائدة وحدها، بل بتفاعلها مع القدرة الشرائية وثقة المستهلكين وتوقعاتهم بشأن الاستقرار الاقتصادي. فارتفاع كلفة الاقتراض يقلص الميزانيات المتاحة لشراء المنازل، ويجعل المشترين أكثر حذراً في اتخاذ قرارات طويلة الأجل. وقد انعكست هذه الضغوط بالفعل على سوق التمويل العقاري، إذ تجاوز متوسط أسعار الرهون العقارية 5%، بزيادة نقطة مئوية كاملة مقارنة ببداية العام، وفق التقرير. وقدّرت منصة «زووبلا» العقارية أن هذا الارتفاع أضاف نحو 150 جنيهاً إسترلينياً شهرياً إلى تكلفة الرهن العقاري النموذجي.
وهذا يعني، جزئياً، انتقال أثر الصدمة الجيوسياسية إلى الاقتصاد الحقيقي عبر قناة التمويل، إذ لم تعد تداعيات الحرب تقتصر على أسواق الطاقة والتجارة، بل باتت تؤثر مباشرة في قرارات الأسر العقارية، وتؤجل عمليات الشراء، وتضغط على مستويات النشاط في أحد أهم قطاعات الاقتصاد البريطاني.لا تتوزع تداعيات التباطؤ بالتساوي على الخريطة العقارية البريطانية، إذ تبدو المناطق الجنوبية، حيث ترتفع أسعار المنازل، الأكثر تعرضاً للضغوط، مقارنة بالمناطق الشمالية التي يُتوقع أن تحافظ على نمو محدود.
وتتوقع «سافيلز» تراجع أسعار المنازل بنسبة 3.5% خلال 2027 في كل من لندن وجنوب شرق إنجلترا وشرقها، بما يشمل مقاطعات تستقطب أعداداً كبيرة من العاملين في لندن، مثل هيرتفوردشاير وإسكس. كما يُرجح انخفاض الأسعار بنسبة 3% في جنوب غرب إنجلترا. في المقابل، ترجح الشركة ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 1% في شمال غرب إنجلترا وشمال شرقها واسكتلندا، وبنسبة 0.5% في ويلز ويوركشاير.
تكشف هذه الفجوة عن اختلاف قدرة المناطق على امتصاص صدمات التمويل، فالمناطق الأعلى سعراً تواجه قيوداً أشد على القدرة الشرائية، بينما قد تستفيد الأسواق الشمالية من مستويات أسعار أكثر اعتدالاً، تجعلها أقل حساسية لارتفاع تكاليف الاقتراض.
الشقق تحت ضغط إضافي
تبدو الشقق السكنية أكثر عرضة للتراجع مقارنة بالمنازل، في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بسلامة المباني، إلى جانب زيادة المعروض. ويعني ذلك أن الضغوط الحالية لا ترتبط بالدورة الاقتصادية وأسعار الفائدة فحسب، بل تتداخل معها تحديات هيكلية تؤثر في جاذبية بعض الأصول العقارية وقيمتها السوقية.مع ذلك، تستبعد الشركة حدوث تصحيح حاد في الأسعار، معتبرة أن معظم أصحاب المنازل استوعبوا بالفعل ارتفاع تكاليف الاقتراض منذ أواخر 2022، وأن عدداً محدوداً نسبياً لا يزال مضطراً لإعادة التمويل بعد الاستفادة سابقاً من أسعار فائدة تقل عن 2%.
كما أن استمرار مرونة سوق العمل يقلل احتمالات تعثر المقترضين واضطرارهم إلى بيع عقاراتهم، وهو عامل أساسي في الحد من زيادة المعروض القسري ومنع تحوّل الركود إلى موجة هبوط أعمق.
تعافٍ مؤجل حتى 2028
رغم النظرة القاتمة للمدى القريب، تراهن «سافيلز» على عودة الطلب المؤجل مع بدء انخفاض أسعار الفائدة بصورة ملموسة أواخر 2027 وخلال 2028، وهو ما سيُطلق «طلباً مكبوتاً» من المشترين الذين أجّلوا قراراتهم انتظاراً لتحسن شروط التمويل.
وتوقع الباحثون ارتفاع متوسط أسعار المنازل بنسبة 15.8%، أو ما يعادل 56 ألف جنيه إسترليني، بين عامي 2027 و2031.
لكن هذا التعافي يظل مشروطاً بانحسار الضغوط التضخمية واستقرار تكاليف التمويل. فاستمرار التوترات الجيوسياسية قد يمدد فترة ارتفاع الفائدة، ويؤخر عودة المشترين، ما يجعل مسار العقارات البريطانية خلال السنوات المقبلة اختباراً لقدرة الاقتصاد على استيعاب صدمة الطاقة دون التضحية بالنمو والاستقرار المالي للأسر.