في وقت تتزاحم فيه الأزمات، وتتوالى الأحداث، الإقليمية والدولية، التي تستحوذ على اهتمام العالم، منها الحرب الإيرانية، والانتخابات النصفية الأمريكية، وغيرها، بقيت غزة حاضرة في وجدان دولة الإمارات العربية المتحدة، وظل أهلها موضع عناية ومساندة لا تتوقف. فمنذ اندلاع الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع، قديماً وحديثاً، لم تتعامل الإمارات مع المأساة باعتبارها خبراً عابراً، أو أزمة مؤقتة، بل انطلقت من التزام، أخوي وأخلاقي وإنساني، راسخ، جعل من إغاثة الأشقاء الفلسطينيين أولوية مستمرة، في مختلف الظروف والأوقات.
ومن خلال عملية «الفارس الشهم 3»، فتحت الإمارات جسوراً واسعة لإيصال المساعدات إلى سكان قطاع غزة، وسخّرت إمكاناتها لتوفير الغذاء والدواء والمياه، والاحتياجات الأساسية، للأسر المتضررة والنازحين. وقد عكست هذه العملية إصرار الدولة على الوقوف إلى جانب المدنيين، والتخفيف من معاناتهم، ودعم صمودهم في مواجهة ظروف إنسانية قاسية خلّفتها الحرب، وألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والخدمات الحيوية.
ولم تتوقف الجهود الإماراتية عند إرسال المساعدات الغذائية والإغاثية، بل امتدت إلى تنفيذ تدخلات ميدانية تستجيب للاحتياجات الأكثر إلحاحاً. فقد أدت العملية إلى دعم القطاع الصحي، ومساندة المرضى والمصابين، وتوفير المستلزمات الطبية، إلى جانب تنفيذ مشاريع تسهم في إصلاح شبكات المياه، وتعزيز وصولها إلى السكان. ومن بين هذه الجهود مشروع التدخل الطارئ لإعادة تأهيل وتمديد شبكات توزيع المياه في مدينة غزة، بما يساعد آلاف الأسر والنازحين على الحصول على مورد أساسي للحياة. كما أن توقيع مذكرة التفاهم مع بلدية غزة لتنفيذ المشروع في المناطق المتضررة يؤكد أن المساعدات الإماراتية تقوم على رؤية متكاملة، لا تكتفي بالاستجابة العاجلة، بل تسعى أيضاً إلى معالجة آثار الضرر وإعادة تأهيل المرافق التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية. فالغذاء والدواء ضرورة، وكذلك المياه النظيفة والخدمات الأساسية، وكلها عناصر مترابطة في حماية المدنيين وصون كرامتهم، خصوصاً في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها سكان القطاع.
وقد جعل حجم الدعم الإماراتي وتنوعه واستمراره دولة الإمارات واحدة من أكبر دول العالم تقديماً للمساعدات الإنسانية والإغاثية لقطاع غزة. غير أن أهمية هذا الدعم لا تقاس بحجمه المالي وحده، بل بسرعة وصوله، وتعدّد مساراته، وارتباطه بالاحتياجات الفعلية للسكان. فالمساعدات الإماراتية تشمل الغذاء، والدواء، والمياه، والرعاية الصحية، كما تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً، وفي مقدمتها الأطفال، والنساء، وكبار السن، والمرضىن والنازحون.
ويستحضر هذا الموقف الإماراتي صفحات مضيئة من التاريخ الإنساني، حين كانت نجدة الملهوف وإغاثة المحتاج من أسمى مظاهر التضامن بين الناس. فقد عُرف الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في عام الرمادة، بتفقد أحوال الناس، ومشاركة الفقراء معاناتهم، حتى انجلت الأزمة، في نموذج يؤكد أن القيادة الحقيقية تظهر في الوقوف إلى جانب الضعفاء وقت الشدّة.
وقد بقي هذا المعنى حاضراً في الذاكرة الإنسانية بوصفه مثالاً على المسؤولية والتكافل، وعلى أن من يملك القدرة على المساعدة لا يتخلى عن المحتاجين في أوقات المحن. ومن هذا المنظور، يمكن فهم الموقف الإماراتي تجاه غزة باعتباره امتداداً لقيمة إنسانية راسخة، تقوم على إغاثة الملهوف، ومساندة المنكوب، والوقوف مع المدنيين في أصعب الظروف.
ويأتي هذا النهج امتداداً لإرث الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي عُرف تاريخياً بنهجه الإنساني والخيري، وبحرصه على إغاثة المحتاجين ومساندة الشعوب في أوقات الأزمات.
ومن هذا الإرث يواصل أبناء الإمارات الوقوف إلى جانب أهل غزة، مؤكدين أن العمل الإنساني ليس استجابة عابرة، بل عهد متوارث ومبدأ ثابت. فحين تتراجع الأزمات المنسية عن صدارة الأخبار، وتتحول معاناة المدنيين إلى خبر ثانوي في وسائل الإعلام، تواصل الإمارات مد جسور العون، وتعمل على إبقاء معاناة الفلسطينيين حاضرة في الوعي الإنساني والسياسي، بما يعكس وفاءها لمبادئها، ومسؤوليتها تجاه الأشقاء.
وفي خضم الأحداث العالمية، لم تسمح الإمارات لهذه الأحداث بأن تشغلها عن مسؤوليتها تجاه أهل غزة، أو أن تنسيها التزامها بمساندة الشعب الفلسطيني. فقد ظل الملف الإنساني حاضراً في سياساتها ومبادراتها، وظلت قوافل الإغاثة ومشاريع الدعم شاهدة على أن التضامن الحقيقي لا يرتبط بالاهتمام الإعلامي، ولا يتوقف عندما تتغير عناوين الأخبار. إن ما تقدمه الإمارات لغزة ليس موقفاً موسمياً، ولا استجابة مرتبطة بظرف عابر، بل هو امتداد لنهج ثابت يضع الإنسان في مقدمة الأولويات. فحين يتراجع الاهتمام العالمي بالأزمات المنسية، تواصل الإمارات مد جسور العون، وتعمل على إبقاء معاناة المدنيين في صدارة الاهتمام، مؤكدة أن الأشقاء الفلسطينيين ليسوا وحدهم في مواجهة المحنة.
وستبقى عملية «الفارس الشهم 3» عنواناً لحضور إماراتي لا يغيب، ورسالة واضحة بأن غزة لم تُنسَ، وأن مساندة أهلها ستظل التزاماً أخوياً، وإنسانياً ثابتاً، مهما تعدّدت الأزمات، وتغيّرت الظروف.
