طالما لقيت ألعاب القتال رواجاً بين الأطفال والشباب، وبعد انتشار ألعاب الفيديو بشكل كبير، أصبح التحدي الأكبر في «هوليوود» هو تحويل ألعاب القتال الحقيقية والإلكترونية إلى الشاشات الكبرى، وبينما نجحت محاولات سينمائية، فشلت محاولات أخرى في الجمع بين المضمون والحركة، فهل نجح فيلم «ستريت فايتر» أو «مقاتل الشارع» الذي شهد إقبالاً كبيراً وحقق أعلى إيرادات عالمياً في أول أسابيع عرضه، في الجمع بين قوتي العضلات والعقل ب «أكشن» مشوق؟
حين نقول: قتال، وتحديداً «مقاتل الشارع»، نعود بالذاكرة إلى النجم جان كلود فان دام والنسخة الأولى من الفيلم والتي صدرت عام 1994، ومع تطور التقنيات بشكل كبير، من الطبيعي أن يرغب البعض في إعادة تقديم أفلام تستند إلى ألعاب الفيديو القتالية، كما فعل اليوم المخرج كيتاو ساكوراي الذي اختار إعادة تقديم العمل بلمسته الخاصة، وقد شارك في كتابة الفيلم بجانب دالان موسون وغاري دوبرمان، بينما تولى كتابة السيناريو كل من كيتاو ساكوراي وت. ج. فيكسمان. قدم كيتاو معالجة حية طموحة تجمع بين الرسوم الكرتونية للعبة الفيديو المعروفة، والمشاهد التمثيلية بأبطال من لحم ودم، لينجح ببراعة في رفع الأدرينالين لمحبي تلك الألعاب المعروفة بالأركيد الكلاسيكية، بينما فشل في تقديم عمق درامي متكامل للنص السينمائي، وهو ما جعل الآراء منقسمة بين جمهور أقبل بقوة على الصالات لمشاهدة الفيلم، خصوصاً الشباب، ونقاد استوقفهم البناء الدرامي الهش.
صديقان
لم يستكمل كيتاو ساكوراي أحداث الفيلم السابق، بل انطلق من البداية وكأن ما قبله لم يكن، عاد بالزمن إلى عام 1993، وهي الفترة الذهبية التي شهدت انفجار شعبية اللعبة عالمياً. تبدأ الأحداث بتعريفنا بالشخصيتين الرئيسيتين، ريو (أندرو كوجي) البسيط الآتي من الفقر وكين (نواه سانتينيو) المتمرد والمتهور وهو ابن عائلة ثرية، تبناهما المدرب الحكيم مستر غوكن (ما دونج سيوك) وتولى تدريبهما إلى أن دخلا في مسابقة وأصبح ريو بطل العالم، لكن شرخاً ما حصل أدى إلى انفصال الصديقين وانقطاع أخبار أحدهما عن الآخر، وبعد تحول كين من مقاتل حقيقي إلى مجرد رمز للقوة في الإعلانات، تأتي المقاتلة تشون لي (كالينا ليانج) لتعيد الصديقين المقاتلين ريو وكين إلى الحلبة، وتجمعهما لأول مرة بعد فراق 6 أعوام، للمشاركة في «بطولة المحاربين العالمية» التي ينظمها الديكتاتور الشرير إم. بايسون (دايفد داستمالشيان).
هذه النوعية من الأفلام لا تستند دائماً إلى قصص معقدة، بل تترك المساحة الأكبر للحركة والقتال ليأسرا الجمهور بشكل أكبر، وفي «مقاتل الشارع» تبدو الحبكة بسيطة وسير الأحداث متوقعاً، حيث تم توظيف القصة كجسر للانتقال من معركة ملحمية إلى أخرى. ومع ذلك، فإن اختيار هذه الحقبة الزمنية منح الفيلم «نوستالجيا» إلى زمن مضى، بعيداً عن الكوميديا الساخرة والمستهلكة في أفلام «الأكشن» الحديثة. اعتمد المخرج كيتاو على توليفة تجمع بين الممثلين المحترفين وأبطال الحلبات، مما خلق حالة من الربط بين حالتين وكأننا ننتقل بين زمنين مع استعانة بالتقنيات الحديثة ساهمت في تميز الفيلم عن النسخة القديمة.
تناقض
بين الحكمة والتهور، يلتقي ريو وكين لنرى وجهين متناقضين لبطلين يشكلان لحمة وقوة واحدة، وبين الاعتماد على القوة البدنية ورجاحة العقل، تمر خيوط رفيعة للمشاعر ولا بد من وجود مؤامرات وتحالفات ورغبة في الانتقام، فمن ينتصر خصوصاً مع وجود أشرار يستميلون الأبطال للوقوع في الفخ؟
ساعة و48 دقيقة من الحركة وفنون القتال العالية، لا تنتهي مع إسدال الستارة و«تتر» النهاية، بل يأتي مشهد آخر ختامي ليفتح باباً جديداً لاستكمال القصة في فيلم جديد، علماً أن «مقاتل الشارع» هو الجزء الأول من ثلاثية تتوالى.
أندرو كوجي حمل المسؤولية الأكبر في الفيلم بشخصية ريو، والتي تتطلب صرامة ووقاراً وحكمة، وبفضل إجادته للفنون القتالية، قدم أداءً جسدياً عالياً، مع تمكنه من تجسيد صراع ريو الداخلي، خصوصاً مع معاناته من عقدة وفاة معلمه غوكن بسببه وقراره الابتعاد عن القتال هرباً وخوفاً من القوة التي يملكها. في المقابل، نجح نواه سينتينيو في كسر صورته في الأفلام الرومانسية ليقدم شخصية كين المقاتل الثري، المستهتر، والمندفع.
الكيمياء الفنية بينه وبين كوجي شكلت العمود الفقري للفيلم، فالتناقض بين هدوء ريو وصخب كين منح المشاهدين علاقة صداقة مقنعة وسط ضجيج المعارك. تنضم إليهما كالينا ليانغ (تشون لي) بدور المحرك الفعلي للأحداث، وتميزت بأدائها المتوازن للغاية، فهي ليست مجرد عنصر نسائي جذاب، بل قدمت أيضاً مشاهد قتالية اتسمت بالرشاقة والسرعة الفائقة، مع الحفاظ على ملامح الحزن والانتقام الشخصي الذي يغذي دوافع شخصيتها ضد بايسون.
إبهار وسرعة
تفوق الفيلم بفضل أداء أبطاله والإبهار البصري وسرعة الإيقاع، وهو ربما ما يرضي فئة الشباب الذين يتأثرون ويستمتعون بالمشاهد العالية الصخب والحركة والتشويق، أكثر مما يستوقفهم المضمون والثغرات في النص. وإذا كان «مقاتل الشارع» هو الجزء الأول من الثلاثية، فمن المؤكد أن الجمهور ينتظر بشوق استكمال الرحلة مع أبطاله لمعرفة إذا ما كان ريو سينساق خلف الشر ويغير مساره، وكيف ستكون المواجهة في الفيلم المقبل بين هؤلاء الأبطال؟