ليست كل الحكايات التي تحمل بين صفحاتها المغامرة والتشويق والحب والصراع من نسج خيال الروائيين، فالتاريخ أحياناً يختزن من الأحداث والمفارقات ما يفوق قدرة الخيال على ابتكارها. وهذا ما شعرت به وأنا أقرأ الرواية التاريخية الموثقة «الجلندي – خالد بن سلطان القاسمي»، أحدث إصدارات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، التي أطلقها في معرض الشارقة الدولي للكتاب.
وجدت نفسي أمام حكاية إنسانية وتاريخية ثرية، تتلاحق فيها الأحداث والمغامرات، وتتداخل فيها العواطف مع الصراعات السياسية، وتنكشف من خلالها تفاصيل الحياة في منطقة الخليج العربي خلال القرن التاسع عشر، بكل ما شهدته تلك المرحلة من تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية.
تأخذنا الرواية إلى حياة الشيخ خالد بن سلطان القاسمي، الملقب بالجلندي، في رحلة تمتد أحداثها على مدى ثمانية وثلاثين عاماً، يتنقل خلالها بين الشارقة ورأس الخيمة وخصب ومسقط ولنجة، ويواجه من المواقف والتحديات ما يجعل القارئ يتابع حكايته بشغف، وكأنه يشاهد عملاً درامياً تتوالى مشاهده دون أن تترك له فرصة للابتعاد عن أحداثه.
وما يميز هذه الرواية أنها لا تقدم لنا شخصية تاريخية من خلال موقعها في الحكم أو علاقتها بالصراعات السياسية فحسب، وإنما تكشف عن إنسان يحمل في داخله مشاعر الحب والوفاء والشجاعة، ويواجه تقلبات الحياة بين الأمل والخيبة، وبين الطموح والواقع.
ومن أكثر الجوانب الإنسانية تأثيراً في الرواية قصة الحب التي جمعت الجلندي بآمنة، واللذين فرّقت بينهما ظروف الحياة، قبل أن يعود الأمل في اجتماعهما بعد سنوات طويلة، لكن القدر كان له رأي آخر. إنها حكاية تحمل من العاطفة والحزن ما يجعلها صالحة لأن تكون محوراً لعمل درامي قائم بذاته.
وفي مقابل هذه المشاعر الرقيقة، نجد مواقف تتجلى فيها الشجاعة والنخوة، ومنها إقدام الجلندي على إنقاذ رجل يصارع أمواج البحر، معرضاً حياته للخطر دون أن يعرف هوية ذلك الرجل. وهنا تتكشف أبعاد الشخصية الإنسانية بعيداً عن الألقاب والمناصب.
ولعل القيمة الأخرى لهذه الرواية تكمن في أنها تفتح أمام القارئ نافذة واسعة على طبيعة الحياة في الخليج العربي آنذاك، حياة البحر والغوص على اللؤلؤ، والتنقل بين الموانئ والمدن، والعلاقات الاجتماعية، والتحالفات والصراعات التي رسمت ملامح تلك المرحلة من تاريخ المنطقة.
وقد نجح الشيخ الدكتور سلطان القاسمي في تقديم هذه المادة التاريخية بأسلوب سردي يجمع بين دقة التوثيق ومتعة الحكاية، وهي معادلة ليست سهلة، لأن الرواية التاريخية الموثقة مطالبة بالمحافظة على صدقية الأحداث، وفي الوقت نفسه بإبقاء القارئ مشدوداً إلى تفاصيلها.
وبحكم اهتمامي بالمسرح والدراما، لم أستطع وأنا أقرأ الرواية أن أتجاهل ما تحمله من إمكانات فنية كبيرة. فشخصية الجلندي، بما فيها من تناقضات إنسانية وتحولات مصيرية، والأحداث التي تحيط بها، تشكل مادة غنية لعمل تلفزيوني تاريخي، وربما لعمل سينمائي أيضاً، إذا ما أُحسن تحويلها إلى نص درامي يحافظ على روح الرواية وحقائقها التاريخية.
إن «الجلندي» ليست مجرد رواية عن أحد شيوخ القواسم، بل هي رحلة إلى زمن من تاريخ الخليج، نكتشف من خلالها أن وراء الأحداث السياسية الكبرى حكايات بشرية تستحق أن تُروى، وأن التاريخ ليس تواريخ وأسماء ومعارك فحسب، وإنما هو أيضاً مشاعر وأحلام ومغامرات ومصائر إنسانية.