تقليعة جديدة بدأت بالانتشار مؤخراً في حفلات الزفاف، وفيها يتم التعاقد مع أحد الشعراء لكتابة قصيدة تتغنى بالعروس ليلة زفافها، ولم يعد من الصعب العثور على الشاعر الذي يكتب مثل هذه القصائد حيث نجد الإعلانات الإذاعية والمواقع الالكترونية التي تعرف الناس بمحترفين في كتابة قصائد الزفاف، وخصصت من أجل ذلك مواقع على الانترنت لجذب الزبائن، منها موقع يحدد الأسعار من 2000 إلى 30 ألف درهم لزفات الأعراس ،أما القصائد الخاصة والأمسيات فتتحدد أسعارها حسب المكان والجمهور، وتبدأ من

10 آلاف درهم فأكثر . الغريب أن أصحاب هذه المواقع أعلنوا استعدادهم لتوصيل الأشعار إلى المنازل، وبالرغم من وجود مجموعة كثيرة من الأغنيات التي تحمل معظم أسماء الفتيات على مواقع الكترونية، ويستطيع أي شخص تحميلها وتسجيلها من دون تكلفة مادية إلا أن البعض يصر على اتفاق مع أحد الشعراء لإعداد كلمات خاصة بزفافه تتغزل في عروسه وتلحينها لتصبح أغنية العرس، في وقت يطالب فيه البعض بترشيد نفقات الأعراس .

في هذا التحقيق نستعرض آراء عدة لمناقشة الظاهرة:

منذ 8 أعوام أطلق الشاعر الإماراتي محمد الملا مشروعه، وهو تأليف قصائد وبيعها للعرائس أو ما يعرف بزفاف العرائس، ويقول إنه كان يتناقش يومها مع زميله وصديقه الإعلامي عبدالله راشد بو قصيف حول واقع الشاعر وحقه المهضوم كونه الأقل استفادة من بين الفنانين أو الممثلين، فطرح عليه فكرة بيع قصائده ولكنه لم يكن يعرف لمن يبيعها . وأشار عليه الأخير بتخصيصها للمناسبات السعيدة وبعدها تم وضع إعلان في إذاعة الرابعة، ولقيت التجرية قبولاً من جمهور المستمعين في وقت هوجمت من بعض الشعراء .

ويقول الملا: بما أنني أجيد العزف على العود والبيانو وألحن، كنت أكتب الشعر وألحنه خاصة أن بعض الزبائن كانوا يطلبون قصائد شعرية أحياناً وأغنيات أحياناً أخرى .

ويشير إلى أنه كتب حتى الآن 380 قصيدة لعرائس تركز جميعها على دخلة العروس، خاصة أنه لا يعرف العروس فتكون أبياته تحوم حول زفة العروس، واهتم بمعرفة لون بشرتها فقط، بالإضافة إلى اسمها لأن كل عروس جميلة في نظره .

كما يرفض الملا أن تكون قصائده مكررة فهو يرفض التكرار، مشيراً إلى أنه في مواقف كثيرة يعمد ال دي جي إلى نسخ الأغنية أثناء العرس ووضعها على المواقع الالكترونية فتنتشر هنا وهناك من دون محاسبة، لذا فإن مسؤوليته عن خصوصية الزفة تكون إلى وقت تسليمها للعروس .

ويضيف الملا زفة العروس تعد اليوم من أهم عناصر العرس، لذا نجد أن هذه الظاهرة قد انتشرت وانتقلت من عروس إلى أخرى باختلاف المستوى أو القيمة المادية، مشيراً إلى أن سعر الأغنية يتراوح بين 35 و200 ألف درهم .

الفنان الإماراتي عدنان القحطاني صاحب مؤسسة قصائد لخدمات الأفراح والتي تعنى بكل ما يلزم الأعراس، أطلق مشروعه منذ أربعة أعوام بالتعاون مع اخيه الشاعر خليفة القحطاني، يقول: خدمة زفة العروس تقوي علاقتي بالناس وتكسبني شعبية أكثر، إضافة إلى أنني أحب الفن غناء وعزفاً وأجيد التلحين، وعندما انتشرت ظاهرة زفة العروس وجدت بنفسي القدرة على التأليف والغناء، وأضفت هذه الخدمة ضمن خدمات الشركة .

ويرفض القحطاني رفع أسعار قصائده الخاصة بالأعراس، كما يحدث مع البعض مشيراً إلى أن سعر القصيدة مع الموسيقا حوالي 4 آلاف درهم . في حين يبلغ سعر القصيدة المغناة 15 ألف درهم .

كما يرفض القحطاني أن يأخذ الزفات الموجودة على المواقع الالكترونية ويعيد تسجيلها أو سرقة كلماتها، مشيراً إلى أن هناك الكثير ممن يفعلون ذلك . ويضيف: معظم الطلبات تكون من الأم أو الأخ لأهدائها للعروس وليس من العريس، وبعضهم يطلبون أفكاراً خيالية ونحاول أن نلبي طلباتهم قدر المستطاع .

أما عن سبب رواج هذه الظاهرة فيعود بحسب رأيه إلى حب التقليد بين الناس، وخاصة العائلات لأن مجتمع الإمارات معتاد على التقليد فكل تقليعة جديدة نراها متداولة لدى الجميع .

شهرزاد الأنصاري موظفة بقسم العلاقات العامة بالمجلس الأعلى لشؤون الأسرة ترى أن زفة العروس أو أغنية العرس عادة دخيلة على المجتمع الإماراتي ولا تحبذها مطلقاً، كما أنها لا تجد لها مبرراً مقنعاً .

وتعود بذاكرتها إلى الماضي الجميل حيث كانت الأعراس بسيطة ولا تعتمد على البذخ والإسراف، بل تعتمد على محبة الناس لبعضهم بعضاً وتواصلهم في الأفراح كما في الاتراح .

وتضيف: أعراسنا كانت عبارة عن زينة بسيطة للمنزل فقط، ليعلم أهل الفريج أن البيت في معرس خاصة أنه لم تكن هناك بطاقات للدعوات في حين أن العروس كانت تبقى في غرفتها لا تغادرها إلى أن يأتيها عريسها، الزفة الوحيدة كانت فرقة المعلايا الشعبية وهي رقصة شعبية قديمة يؤديها الرجال .

وتشير الأنصاري إلى أن الظاهرة بدأت بالانتشار منذ أواخر التسعينات وسببها المباهاة والتقليد، لافتة إلى أن هناك عائلات لا تتبع هذا النهج وترفضه، كذلك ليست كل عروس ترغب بأن يكون لها قصيدة شعرية أو أغنية خاصة بها، وهناك بدائل متوفرة على المواقع الالكترونية التي تقدم الزفات وباسماء الفتيات ومن دون أن تدفع فلساً واحداً . وتضيف: مجتمعنا ينادي اليوم بتقليل تكاليف الزواج وليس بزيادتها عن طريق تكليف شاعر بكتابة قصيدة للعروس تكلفه مئات الآلاف، في حين أرى أن من في استطاعته دفع هذا المبلغ من الأفضل له أن يتكفل بمساعدة الشباب العاجزين عن تحمل أعباء الزواج .

الشاعرة صالحة غابش تشير إلى أن هذه الظاهرة موجودة منذ القدم حيث تذكر في أيام الدراسة أن صديقاتها كن يطلبن منها كتابة بعض الأبيات أو الكلمات الشعرية لأمهاتهن مثلاً في عيد الأم أو المناسبات الأخرى، وكانت سعيدة جداً بهذا التكليف . ولكنها لم تكن تتقاضى أجراً مقابل ذلك، بل هدفها كان الكتابة وإسعاد صديقاتها .

وتضيف: قصيدة المناسبة معروفة منذ القدم ولا تعتبر خطأ إذ إنها توثق ذكريات المناسبة التي قيلت فيها .

وترى أن انتشار هذه الظاهرة يعود إلى أن معظم الأمور الحياتية أصبحت تتم من منظور تجاري حتى الأعراس، والدليل أنه عندما تطالع الجرائد ترى إعلانات كثيرة لشعراء يعرضون زفاف الأعراس بأسماء العريس والعروس، ولكن لا يمكن اعتبار ما يكتب شعراً ولا أضعه أيضاً في نطاق القصيدة التي تحمل فكراً ومشاعر حقيقية في الشاعر والتي ينشرها ويضعها في ديوان شعر .

وتختم بالقول: هي ظاهرة خارجة عن المشهد الأدبي وهي نظم للمناسبات ولا تعتني بالجوانب الفنية للقصيدة .

أحمد الشيراوي إعلامي بالقناة الرياضية في أبوظبي يشير إلى وجود ظواهر جديدة في عالم الأعراس، وليس فقط أغنية العروس أو القصيدة الخاصة بها فعلى سبيل المثال هناك بعض الشباب يدخلون إلى قاعة الزفاف وهم يحملون المايكروفون ويغنون للعروس، والسبب في رواج وانتشار هذه الظواهر برأيه يعود إلى التنافس بين الشباب والمباهاة والتفاخر .

مريم اليماحي مدرسة معاقين ترفض الظاهرة وترى ضرورة منعها أو الحد منها في مجتمعاتنا العربية، من خلال التثقيف والبرامج التوعوية التي يقوم بها صندوق الزواج أو غيره من المؤسسات ذات البعد الإنساني والاجتماعي لأن الإسراف يؤدي بالزواج إلى العديد من السلبيات منها إرهاق الحالة المادية والذي بدوره يؤدي إلى الطلاق .

وترى أن سبب وجود ظاهرة أغنية الزفة هو الشوفة باللهجة المحلية أو حب التقليد المنتشر نوعاً ما بين بعض العائلات بجانب قلة الثقافة، لأن من أراد تأسيس أسرة يسعى إلى تأسيسها على المبادئ والقيم وليس بالشكليات والمظاهر .

وتضيف قديماً كان حضور الأعراس يتضمن أشخاصاً معروفين بفصاحتهم الأدبية والشعرية، وهؤلاء كانوا يرتجلون الأبيات الشعرية خاصة الشعر النبطي، وكانت كلماتهم تحمل معاني الثناء والمديح للعريس وأسرته ولأسرة العروس، من دون مقابل مادي، بل كمشاركة وجدانية إنسانية لأهل العرس .