الشارقة - محمد أبو عرب:
ليس للنخلة في الحياة الإماراتية حكاية واحدة، يرويها التراث ويكتفي بسرد تفاصيلها، فلا يمكنه التوقف عند سيرة النخلة التي عاشها الإماراتي في عتمة وسقوف بيته وحسب، إذ للنخيل حكايات كثيرة ربما يصعب حصرها، فالنخلة ربة البيت، وقوت اليوم، وأساس العريش، وعماد القارب، ورافعة الشراع، وهي جفير التمر، وسرود الطعام وغيرها الكثير .
أكثر الحكايات تفرداً تلك التي يرويها التراث الإماراتي حول "القحفية" التي بالضرورة لا يعرفها جيل اليوم، فهي قبعة مصنوعة من خوص النخيل، تؤكد في صناعتها إلى أي مدى شكّل المجتمع الإماراتي علاقة مع النخيل، وبات يدخل في أشكال الحياة، حتى في اللباس .
وهي بما تبدو عليه من دقة في الصنعة وحرفة في النسج، تشير إلى دور المرأة الإماراتية في المجتمع، فالذي يقوم بصناعتها عادة هن النساء، وهي تعد واحدة من الحرف اليدوية التي تعرفها النسوة في المجتمعات التقليدية في العالم .
فكما تعرف بعض المجتمعات الغربية والعربية نسج الملابس الصوفية، وتتسلى ربات البيوت في حياكتها، جعلت المرأة الإماراتية من خوص النخيل الدقيق (الرفيع) خيوطاً لينة تنسج منها قبعات أطفالها .
وتعد "القحفية" قبعة يلبسها الصبية في أيام الحر لتقيهم حرارة الشمس المرتفعة، ولا تختلف في وظيفتها عن القبعة التقليدية، إلا أن خوص النخيل الذي صنعت منه يكسبها تمييزاً وفرادة تختلف فيها عن سائر القبعات، فالخوص يتميز بكونه طبيعياً، ويمتاز بطول عمره، وجمال نسجه حين يحاك .
ربما تكون القبعة التقليدية في الخليج العربي تعود في أصلها إلى "القحفية"، فاليوم تصنع من القماش الأبيض، وبأشكال وزخارف عديدة، إذ تتماثل قبعة اليوم في شكلها مع القحفية من حيث استدارتها وشكل الزخارف فيها، وخفة وزنها، وتركها مسامات في قمتها تسمح بدخول الهواء إلى الشعر .
وتمثل "القحفية" في التراث الإماراتي، واحدة من الهدايا التي تقدمها الأمهات لأبنائهن في الأعياد والمناسبات، حيث يفرح الصبية، ويبتهجون باعتلائها رؤوسهم، ويفتخر كل منهم بشكل وزخرفة "القحفية" بين أقرانه .
وتشكل صناعة "القحفية" امتداداً لصناعات النخيل التي عرفها وطوّرها المجتمع الإماراتي، فهي في طريقة نسجها، وحياكتها تشترك مع صناعات الكثير من مستلزمات البيت الإماراتي المصنوعة من خوص النخيل، أي تشترك في نسجها مع "الجفير"؛ وهو الإناء الذي يحمل به التمر، و"السرود" الذي يحمل عليه الطعام، وكذلك "المكب" الذي يغطى به الأكل .
وتصنع "القحفية" من الخوص بعد تقطيعه بالسكين إلى شرائح دقيقة "تفسيله"، ثم يُجدل الخوص في جديلة "سُفَّة" دقيقة، وتشبك ليبدو إطارها ملوناً تبعاً للألوان المستخدمة في صبغ الخوص قبل جدله، وتُدقّق المرأة، بل تُبدع، في صنع الجزء العلوي من القحفية لتبدو فيه دوائر منقوشة تُسمى "سياسة" .
وتفتح صناعة "القحفية" الباب على ما وظفه المجتمع الإماراتي لخوص النخيل تحديداً، من دون غيره من أجزاء النخلة، فساق النخلة ظلت استخداماته واضحة ومعروفة كأي استخدام ساق شجر متين، وكذلك السعف، أما الخوص فتعددت استخداماته ليدخل في صناعة عشرات المستلزمات والأواني التراثية، من أصغرها؛ "القحفية" و"المهفة"، وحتى المكب والجفير، ويشير ذلك إلى أن المرأة الإماراتية استعاضت في كثير من الأحيان عن الخيوط بالخوص .
هذا التوظيف أو الاستعاضة، تؤكد تعلق البيت الإماراتي بالنخلة، بكل ما تمثله، سواء من مصدر رزق أو طعام، أو حتى وجدانياً، وهذا يفسر إلى أي مدى انتقلت النخلة في ذاكرة المجتمع الإماراتي إلى مساحة الهوية، وباتت الرمز الذي تعلن عن نفسها به، وتؤكد تاريخ هويتها عبرها .
اليوم بالضرورة لم يعد "للقحفية حضور"، خصوصاً مع التطور الذي شهده المجتمع الإماراتي والعالم بأسره، والذي صارت فيه الآلات الضخمة تصنع في الدقيقة مئات القبعات، وتدفع بها إلى الأسواق لتباع بأثمان زهيدة، فما عادت المرأة الإماراتية تحمي ابنها من شمس الظهيرة "بالقحفية"، وأصبحت قبعة القطن والبوليستر تسد مكانها .
رغم ذلك التغير الذي طرأ على مجمل التراث في العالم، وليس على المجتمع الإماراتي وحسب، بقي المجتمع الإماراتي مرتبطاً بتراثه، ويعود إليه ويقدّمه بفخر واعتزاز بوصفه الحياة التي بنى منها ما هو عليه اليوم من تحضر ومدنية .
وفي الوقت الذي نجحت أشكال الحياة الجديدة في طمس الكثير من مفردات التراث في الثقافات العالمية، بدءاً بأوروبا وانتهاءً بشرق آسيا، وقفت المؤسسات والجمعيات الرسمية والأهلية في دولة الإمارات في وجه زوال التراث وجندت قائمين ومسؤولين يقومون بإحيائه .
وانطلاقاً من ذلك ظهرت العديد من مراكز حماية التراث، والعديد من المؤسسات الأهلية، إضافة إلى تنظيم مهرجانات دورية يحتفل فيها المجتمع الإماراتي بذاكرته الشعبية، ويقدم فنونه وحرفه التراثية كما كانت، ليؤكد بذلك مقولة صانع الاتحاد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: "لقد ترك لنا الأسلاف من أجدادنا الكثير من التراث الشعبي الذي يحق لنا أن نفخر به ونحافظ عليه ونطوره ليبقى ذخراً لهذا الوطن وللأجيال القادمة" .