لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد حاكم عادل لأمة كبيرة في حجم الأمة الإسلامية، ولم يكن مجرد قائد عسكري شجاع له صولات وجولات في ميادين الجهاد ضد عتاة الكفر والإلحاد.. بل كان قاضيا فذا استطاع بعدله وحكمته أن يرسي القواعد الأساسية التي يبني عليها القضاء، وتحقيق العدل بين الخصوم، ورجوع القاضي إلى الحق، وطرق وإجراءات التداعي وسير المحاكمات، وهي قواعد تعمل بها الدول في عصرنا الحالي، وتستلهم منها أسس نزاهة القضاء وعلو منزلته على السلطة التنفيذية.
استحق رسولنا العظيم لقب«القاضي الأول في تاريخ أمة الإسلام» بل صنفه البعض على أنه القاضي الأول في تاريخ البشرية، ليس لأنه أول من مارس القضاء إلى جانب قيادة الدولة، بل لأنه أول من طبق مقاييس العدل بين الناس ولم يفرق في مجالس القضاء بين غني وفقير،ولا بين قريب وغريب،بل مواقفه كلها تؤكد تطبيقه لمقاييس العدالة والمساواة بين كل المتخاصمين،والتزامه بقول الحق سبحانه:«.وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين».لذلك كان شاغل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأول في كل أحكامه هو تطبيق العدل بين الناس.

إرساء دولة العدل

كان صلى الله عليه وسلم يدرك أن الظلم ظلمات يوم القيامة، ولذلك شن حملة كبيرة على الظلم والظالمين، ومن أقواله هنا: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة..» وقال في حديث آخر: «إن الله ليملي للظالم - أي يمهله - فإذا أخذه لم يفلته».
وفي كثير من صور قضائه العادل كان ينزل عليه وحي من السماء عندما يحاول الخصوم تضليله وإبعاده عن طريق الحق والعدل في قضائه.. ومن ذلك ما جاءت به كتب التفاسير، وأشار إليه د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق- رحمه الله- في تفسيره الوسيط فقد سرق رجل اسمه «طعمة بن أبيرق» درعا من جار له اسمه «قتادة بن النعمان» ثم خبأها عند رجل من اليهود اسمه «زيد بن السمين» فسأل قتادة طعمة عنها فأنكرها وزعم أنه لا علم له بها، فأخذ قتادة يبحث عنها حتى وجدها عند اليهودي وسأله فدفعها إلى «طعمة» ورفع الأمر إلى النبي فأحضر طعمه وسأله: أأنت سرقت هذه الدرع ووضعتها عند زيد بن السمين؟ فأنكر ذلك، وسأل زيد بن السمين:أعندك شهود على أن «طعمة» قد وضعها عندك؟ فقال له:لا،وجاء أقارب «طعمة»يدافعون عنه.

أمام هذه القضية الملتبسة نزل القرآن الكريم ليحق الحق ويبطل الباطل،فلا يجوز أن يقضى رسول الله بحكم فيه ظلم لأحد،حيث نزل قول الحق سبحانه:«إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً. واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً».

ثم أخذ القرآن في توبيخ الذين يستحون من الناس ولا يستحون من الله فقال الحق سبحانه:«يستحون من الناس ولا يستحون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضي من القول وكان الله بما يعملون محيطاً».ثم وبخ القرآن أيضا أهل طعمه الذين يدافعون عن غيرهم بالزور والباطل فقال:«ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً».

ثم فتح الله باب التوبة،وبين أن الأقوال السيئة يعود ضررها على صاحبها وحده، وأنذر الذين يرتكبون ما نهى الله عنه ثم يلصقونه بغيرهم بسوء العاقبة.
ثم بين الله جانباً من فضله على رسوله ومساندته له في بيان الحقائق حتى يحق الحق ويبطل الباطل في أحكامه وقضائه، فقال: «ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً».

خصائص القاضي المثالي

يقول د. محمد الشحات الجندي، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر: لقد تجمعت في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم كل خصائص القاضي المثالي، فكان يستمع إلى الخصوم جيداً ويدرك ببصيرته وحكمته الذين يرددون الأكاذيب ويستمع إلى الشهود ويطبق ما تطبقه الآن مؤسسات القضاء الشامخة من البحث عن الأدلة والبراهين وجمع التحريات قبل الحكم، لأنه كان يدرك أن القاضي يتصدى لإقامة الحق والعدل بين الناس،وهذا بدوره يؤدي إلى تثبيت نعمة الأمان في المجتمع،وكان صلوات الله وسلامه عليه يعلم علم اليقين أن الأمة التي ينتشر فيها العدل ويشعر كل إنسان فيها أنه يأخذ حقوقه تعيش في أمان وسلام.

ولذلك كان حريصا على أن يوجه قضاة الأمة الذين يأتون بعده إلى طريق الحق والعدل حتى ينجوا بأنفسهم من عقاب الله وينجوا بأمتهم من الهلاك ومن توجيهاته السديدة هنا قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان». ومن أشهر أقواله في تحذير القضاة من الظلم قوله في الحديث الصحيح:«القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به،ورجل عرف الحق فجارفي الحكم فهو في النار،ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار».

إعمال العقل

ورغم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يبذل كل جهده وطاقته ليحقق العدل بين الناس في قضائه وإعطاء صاحب الحق حقه، وعدم المحاباة والظلم في الأحكام وعدم التفرقة بين المتخاصمين.. إلا أنه كان يحذر من عواقب الجور في القضاء كما يحذر المتخاصمين من أخذ حقوق بعضهم البعض، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض - أي أبلغ وأفصح بحجته من غيره - فأقضى بما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار».

كان صلوات الله وسلامه عليه يدرك أن القاضي يجب أن يتميز بعلمه إلى الدرجة التي توصله إلى الرتبة القريبة من الاجتهاد المبني على الفهم السليم لأحكام الشريعة الإسلامية، ولذلك بين المنهج القويم الذي ينبغي أن يسلكه القاضي في قضائه، حين بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن فقال له: «يا معاذ بم تقضي؟ قال:بكتاب الله،فقال له صلى الله عليه وسلم: فإن لم تجد؟ فقال: فبسنة رسول الله، فقال له: فإن لم تجد؟ فقال اجتهد رأيي ولا آلو»،ولم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخطوات التي اتبعها معاذ وأقره على ما قال.

وهنا يقر صلى الله عليه وسلم أن للقاضي حق الاجتهاد وإعمال عقله وفكره وثقافته،خاصة إذا كان من أهل العلم والخبرة لكي يسعى إلى تحقيق الحق والعدل،وهو مطالب شرعا بأن يعمل عقله ويحكم ضميره ويوظف قدراته للوصول إلى الحق الذي ينشده، وإعطاء كل ذي حق حقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحث على ذلك فيقول في الحديث الصحيح:«إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران،وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» ومن الواجب على القاضي أن يبذل كل جهده لكي يعطي الحق لصاحبه،ولا يظلم بريئا.

على نهج الرسول

وقد سار السلف الصالح وخاصة الخلفاء الراشدين وحكام المسلمين الذين تولوا القضاء على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في القضاء فكانوا قمماً شامخة في العدالة،فهذا عمر بن الخطاب كان نموذجاً فريداً للقاضي العادل،وقد اهتم بالقضاء يقول في رسالة بليغة جامعة أرسلها إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري قاضيه وواليه على البصرة.. تحوي أسس تنظيم وإدارة شؤون القضاء والتقاضي،وتعد دستوراً قويماً ومختصراً للسلطة القضائية في أسلوب سلس وكلمات واضحة وقليلة شديدة البيان،وتضمن أعلى درجات النزاهة والتقوى والاستقلال للقضاء.

وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوصي الأشتر النخعي الذي ولاه على مصر بقوله: «أنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى على رعيتك، فإنك إن لم تفعل تكن ظالما، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه، ومن خاصمه الله أبطل حجته، وليس شيء أدعى إلى تغيير النعمة وتعجيل النقمة من الظلم، فإن الله تعالى يسمع دعوة المظلومين وهو للظالمين بالمرصاد».

إن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كقاض حكم بالعدل وأسس للقضاء العادل يضعه في مقدمة عظماء القضاة في العالم.. فما أحوجنا اليوم إلى عدل رسول الله ومنهج وأسلوب قضائه.