قد يولد الإنسان أكثر من مرة؛ لكن بوسائل مختلفة، فالولادة الأولى حتى وإن كانت عسيرة أو قيصرية تبقى عضوية، ولا يمكن تكرارها؛ لأنها من أبوين محددي الجنس والهوية، وما يتكرر بعدها من ولادات ينجزه الإنسان بنفسه، ويكون معنوياً بالدرجة الأولى، وغالباً ما يكون إنجازاً ذاتياً؛ ولكي تستحق الولادة الثانية اسمها يجب أن تكون أقرب إلى عبقرية الإنجاز من مجرد تكرار طقوس الولادة.
وهناك من كتبوا مذكرات كان عنوانها تحفيزاً على العمل الخلّاق وهو عِشت لمرتين أو ولدت لمرتين؛ للتدليل على أن للإنسان طاقات آسرة إذا استثمرت بجدية بحيث يعطي أكثر مما يأخذ، فهو لا يستطيع كما يقول آسيوي أن يُطيل من مساحة عمره؛ لكنه يستطيع تعميقها بحيث لا تعود امتداداً أفقياً لسنوات العمر. وحين سئل فيلسوف عن عمره وكان قد اقترب من التسعين قال عشت ألف عام؛ لأن معيار القياس في مثل هذه الأحوال ليس تقليدياً أو مجرد سنوات تتساقط من حاسوب.
ومصطلح الولادة الثانية معناه الإضافة النوعية على العمر، وهناك من يطمحون إلى ولادة ثالثة تكون بمثابة كيمياء استثنائية لبشر تفوقوا على شرط الميلاد، وبالطبع لا تتغير جذرياً مع كل ولادة جديدة؛ لأنه مخزون متواصل وذاكرة لا تصاب بالقطيعة؛ بل تتراكم وتبتكر أنساقاً تليق بما تفردت في إنجازه.
والولادات المتعاقبة لا تفضي بالضرورة إلى ميتات متعاقبة أيضاً؛ لأن ثنائية الحياة والموت تبدل معناها وإيقاعاتها؛ بحيث يصبح الموت فائض حياة، ويسقط الفارق بين الصيحتين كما تحدث عنهما شاعر الفلاسفة المعري !
أكثر من ولادة
7 سبتمبر 2018 03:59 صباحًا
|
آخر تحديث:
7 سبتمبر 03:59 2018
شارك
خيري منصور