تحقيق: إيهاب عطا

يصادفنا يومياً آلاف الإعلانات التجارية، التي يتم الترويج لها بشكل منتظم عبر مختلف المواقع والصفحات على الإنترنت، منها ما استرعى انتباهنا ودفعنا لتقصي الحقيقة، وهو ما يروج له علانية عن بيع شهادات الأيلتس «IELTS» تحت مرأى ومسمع الجميع، ما يطعن في مصداقيتها ومصداقية الجهات التي تمنحها، بل وتطرح تساؤلات تحتاج إلى إجابة حول الغرض من تلك الشهادة، والتأكيد على ضرورة تقديمها لبعض الجهات كشرط للالتحاق بها، وما إذا كانت هناك ضمانات وإجراءات جادة وكافية لحماية تلك الشهادات من البيع أو حتى التزوير، وما حقيقة تلك المواقع التي تعلن عن عمليات البيع المشبوهة، كل هذا طرحناه في التحقيق الآتي:
ترى ما هي «IELTS» وشهادتها، وما أهميتها مما يجعل صفحات على الإنترنت، تعلن خصيصاً عن بيعها بطرق شتى، وتقدم عروضاً وخصومات لجذب الانتباه، فبحثنا في مصادر عدة، وعلمنا أنها شهادة تصدر من جهات معتمدة تقوم باختبار الناطقين بغير اللغة الإنجليزية، وتقيّم مستواهم.
والجهات التي تمنح «IELTS»، هي المجلس الثقافي البريطاني، آي دي بي آيلتس أستراليا، وهيئة تقييم اللغة الإنجليزية بجامعة كامبردج، وفروعها حول العالم، ولا يعتد بأي شهادات تصدر عن أي جهة أخرى غيرها.

أساليب جديدة

ولأهمية تلك الشهادة وصعوبة الحصول عليها، أسباب عديدة منها: عدم إتقان كثيرين حول العالم للغة الإنجليزية، أو الدرجات المرتفعة التي يشترط بعض الجهات الحصول عليها في ذلك الاختبار، فيما أزيد من معدل 6 درجات في مهارات اللغة الإنجليزية الأربع، ظهرت أساليب جديدة تحاول التسهيل على الراغبين في الحصول على الشهادة ومحاولة بيعها لهم.
ولا يسعى للحصول على الشهادة أو الاستفادة منها، إلاّ فئات معينة، ما بين طالب يسعى للالتحاق بأعرق الجامعات على مستوى العالم وتشترط الحصول على تلك الشهادة، أو خريج يبحث عن عمل في كبريات الشركات أو باحث عن وطن جديد في بلاد المهجر من الحالمين بالهجرة إلى أوروبا وأمريكا وكندا أو استراليا.
وأكد لنا عدد منهم، صعوبة الحصول على تلك الشهادة بتقديرات مرتفعة، في الوقت الذي يعد الحصول عليها بأي طريقة أخرى، مغامرة ومخاطرة تضع المشاركين فيها تحت طائلة القانون.

شكوك في المصداقية

قال محمد أحمد، خريج جامعي مقيم، إن الحصول على شهادة «آيلتس»، من أهم الشهادات التي يشترطها كثير من الشركات الكبرى في مختلف المجالات، بالإضافة إلى عدد من الجامعات داخل الإمارات وخارجها على مستوى العالم، خاصة إذا كانت الدراسة في كلية علمية أو باللغة الإنجليزية، كالصيدلة أو الاقتصاد وغيرها من التخصصات، مشيراً إلى أنه اضطر للحصول عليها منذ فترة، عند التقديم لعدد من الجهات، مبتعداً عن المصادر غير القانونية لها.

عواقب وخيمة

وفي السياق ذاته، أكدت ريهام مصطفى، صيدلانية عربية مقيمة، أنها اضطرت للحصول على آيلتس، عند تقديمها في إحدى الجامعات كشرط للقبول؛ حيث كانت تدرس في قسم علمي والدراسة فيه باللغة الإنجليزية، ووجدت صعوبة في الحصول عليها، إلاّ أنها اجتهدت كي لا تضطر للحصول على شهادة مزورة من تلك التي سمعت عنها من بعض أصدقائها، والتي حصل عليها البعض بمقابل مالي كبير، ثم اكتشفوا أنها مزورة وكانت عقبة في قبولهم في بعض الجامعات.

المزوّر أغلى

وأضافت سلام الدن، خريجة كلية إعلام من جامعة عجمان، أن صفحات الإنترنت تعج بإعلانات حول بيع شهادات الآيلتس، للتسهيل على من يرغب في الحصول عليها، لكنها طريقة غير مضمونة وأنها حصلت على الشهادة بعد اجتياز الاختبار وحصلت على مستوى 5,5 وكان أعلى مما تشترطه الجامعة للقبول، وكلفها الاختبار في حدود 1000 درهم، بينما تلك الشهادات المزورة ثمنها يزيد على ذلك بكثير.

حلم الهجرة

من جانبه أوضح محمود يس، مقيم من أصل عربي، أنه بحث عن مصادر سهلة للحصول على تلك الشهادة غير الاختبار الرسمي، ليقدمها في ملفّه بحثاً عن الهجرة إلى الخارج خاصة وأنهم يشترطون مستوى أعلى من 7 درجات، فلم يجد غير النصابين والمحتالين الذين يروجون لشهادات وهمية مزورة، رغم أنهم يجيدون تقليدها ويوهمونك بدقة التسجيل في الموقع الرسمي للمجلس البريطاني.
مؤمنة بهاء طالبة، أكدت أنها مرت باختبار الآيلتس لأنه أسهل طريقة لتقييم مستوى اللغة الإنجليزية.

شرط الدراسة

وتوضيحاً للظروف التي تجبر الطلاب على الحصول على IELTS، أفاد عمر العماري مسؤول وحدة الضمان والجودة والاعتماد بالجامعة القاسمية بالشارقة، بأن الجامعة فيها خمس كليات، اثنتان منها تشترط الحصول على شهادة الآيلتس، وهي كلية الإعلام وتطلب الحصول على مستوى 4- 4.5 درجة، وهناك أيضاً كلية الاقتصاد والإدارة، والدراسة فيها باللغة الإنجليزية، وتشترط «آيلتس» بمستوى 5 درجات، وباقي الكليات لا تشترط الآيلتس؛ لأن الدراسة فيها باللغة العربية، وأنه لا يمكن إعفاء أي طالب من تقديم الشهادة، طالما كان ضمن الشروط التي وضعتها وزارة التعليم العالي، لأن الجامعة ملتزمة بمعايير الجودة في القبول.
وأوضح أن الجامعة القاسمية تعطي منحاً دراسية، وعدد المتقدمين من خارج الدولة بالآلاف، فيكون أمام الجامعة مساحة كبيرة للاختيار بين أفضل الطلاب ذوي القدرات والمهارات العالية والمتميزين أكاديمياً.

اكتشاف التزوير

وأشار إلى أنه أحياناً يتم في مرحلة القبول، اكتشاف تزوير بعض الشهادات سواء الآيلتس أو غيرها من شهادات التقديم، لذلك عملية القبول في الجامعة معقدة وتمر بمراحل عديدة، على يد موظفين مختصين في إدارة التسجيل والقبول، لديهم من الخبرة ما تجعلهم قادرين على اكتشاف الشهادات المزورة؛ فهناك علامات أمان في شهادة الآيلتس على وجه الخصوص، تجعل عملية تزويرها صعبة ويسهل اكتشافها سواء من ملمسها أو الأكواد التي تسجل بها، على موقع الجهة المانحة لها، ويطّلعون على أحدث أساليب التزوير باستمرار.

مغامرة

ولمعرفة أسرار وكواليس عملية بيع تلك الشهادات، تواصلنا مع عدد من أصحاب تلك المواقع التي تعلن عن بيع شهادات الآيلتس، وقمنا بتسجيل المحادثات التي دارت بيننا كتابة أو بالصوت أحياناً، وكذلك مقطع فيديو اعتاد بعضهم بثه إلى ضحاياهم، دليلاً على صدقهم وصحة الشهادة، ففي البداية تحصلنا على أرقام هواتف متحركة من على صفحة الإنترنت وتواصلنا في معظم الحالات على تطبيق «واتساب»، على أرقام من دولة عربية تبدأ ب 00962، ويؤكد المحتال مقدرته في منحك شهادة سليمة من المركز الثقافي البريطاني تحديداً، أحد أهم الجهات المانحة للشهادة داخل الدولة وعلى مستوى العالم، وذلك عن طريق: إما أن يتقدم أحد الأشخاص ممن يجيدون الإنجليزية إلى الاختبار بدلاً منك، أو أن هذا المحتال الذي يعرّف نفسه على أنه «وسيط»، له علاقات بأحد العاملين في الجهة المانحة يسهّل له تسجيل البيانات الخاصة بالشخص الراغب في الحصول على الشهادة، وكذلك تسليم الشهادة عند صدورها، وفي إحدى المرات تواصلنا مع شخص ادّعى أنه أمريكي الجنسية ويعمل في المركز البريطاني في الكاميرون وكان يستخدم رقم محمول أمريكي.

1000 دولار وسوق سوداء

أول ما يسألك عنه «الوسيط»، هو الدرجة التي ترغب في الحصول عليها في الاختبار، وتصدر بها الشهادة والغرض من الحصول على الشهادة، ويطلب منك بعض المعلومات التي من المفترض أن تسجل على الموقع الرسمي للجهة المانحة، ليبدو كل شيء سليماً ودقيقاً، مع صورة من جواز السفر وصورة شخصية، وتحديد موعد التسليم الذي قد يكون في نفس اليوم بعد دفع المبلغ المتفق عليه أو بعدها بحوالي 13 يوماً كما في حالة الوسيط الأمريكي، والغريب في الأمر أن ثمن الشهادة يكون نحو 4000 درهم، وبعضهم يطلبه بالدولار نحو 1000 دولار، وهو ما يعني أن أصحاب تلك السوق، اتفقوا على سعر موحد للشهادة وكأن هناك تنسيقاً بينهم، أو كأنها سوق سوداء موازية للسوق الرسمية إذا جاز التعبير.

ضمانات

وعندما سألنا عن الضمانات، بعضهم أجاب أن كلمته تكفي والبعض الآخر قدم دليلاً عبارة عن إمكانية مشاهدتك لعملية التسجيل على موقع المركز الثقافي البريطاني «صوت وصورة» عبر أحد تطبيقات الشات، حتى ترى اسمك وبياناتك تتدفق على الموقع، ثم بعد ذلك تتأكد من النتيجة بنفسك برقم الكود الذي ستصدر به الشهادة، وبالفعل تم التواصل بيننا وبين صاحب الموقع المزعوم، وبث لنا فيديو يسجل خطوات أرشفة بياناتنا على موقع الجهة المانحة للشهادة، والذي اكتشفنا أن عملية التسجيل وهمية وتمت على موقع شبيه لموقع المركز الثقافي البريطاني، حيث يصمم المحتالون، مواقع مطابقة للموقع الأصلي في كل شيء ويتم إدخال البيانات عليها لحظة بلحظة، لإقناع الضحية أن اسمه وبياناته أصبحت في أرشيف الجهة المانحة.
يستغل المحتال في كثير من الحالات، غفلة الضحية ورغبتها في الحصول على الشهادة بأي ثمن، ويجبرها على دفع نصف المبلغ على الأقل مقدماً، إن لم يكن المبلغ كله، وعندما تكتشف الخدعة يكون قد فرّ بالمبلغ، حتى وإن وصلتك الشهادة بالبريد المسجل كما هو متفق عليه، فهي لن تعدو كونها شهادة مزورة، ستضيع عليك الفرصة التي تسعى إليها سواء كانت دراسة في جامعة أو وظيفة في شركة أو طلب للهجرة إلى الخارج، إن لم تضعك تحت طائلة القانون وتعرضك للسجن.

شهادة من ماليزيا

وفي خطوة مهمة، للتحقق من صدق تلك المواقع، توجهنا إلى مصدر شرطي، للوقوف على البلاغات والقضايا المشابهة ومدى التعاون مع الشرطة لإيقاف تلك الصفحات المشبوهة من ممارسة نشاطها غير القانوني، والتقينا مع النقيب محسن أحمد عبد الكريم، مدير فرع جرائم التقنية بإدارة التحريات والمباحث الجنائية بشرطة الشارقة، الذي أكد أنّه بالفعل وصلت إليهم بلاغات عدة خاصة في الفترة الأخيرة حول تلك المواقع وعمليات النصب التي تتم من خلالها، وإيهام الضحايا ببيع شهادات الآيلتس بطريقة سهلة ودون عناء دراسة اللغة الإنجليزية أو دخول الاختبار من الأساس، وكان أبرز البلاغات شخص تواصل مع أحد تلك المواقع وانتهى به المطاف، بعد أن التزم بتعليمات صاحب الموقع المحتال، أنه كان يتوجب عليه السفر إلى ماليزيا، للحصول على تلك الشهادة باعتبار الشهادة صادرة من جهة رسمية هناك.

جهة الاختصاص

بعد ذلك اتجهنا إلى المركز الثقافي البريطاني، لنعرف ماهي عوامل الأمان في شهادات الآيلتس التي يمنحونها وما علاقة المركز بتلك المواقع «المشبوهة»، وما إذا كانت هناك شكاوى وردتهم من عمليات بيع وهمية تمت باسمهم، وأجاب عن أسئلتنا، «ديب أزكاري» نائب مدير الامتحانات الإقليمية في منطقة الخليج في المركز الثقافي البريطاني، قائلاً إن اختبار الآيلتس يتم أمام مُراقِب، وتنطبق عليه كل التدابير الأمنية على كل امتحان IELTS، مثل فحص الهوية، للتأكد من وجود الشخص بنفسه، ويعدّ التحقق من هوية المرشح جزءًا لا يتجزأ من نظام الأمان لدينا، فنحن نتحقق من هوية المرشح من خلال القياسات الحيوية، ولا يسمح لأي شخص يفشل في هذا التحقق، بالدخول إلى الاختبار، ويتم تدريب موظفينا أيضاً في التعرف على المحتالين.

عوامل أمان

وفيما يخص الشهادة نفسها، وهل هي مؤمّنة بما يكفي ضد تزويرها وتقليدها، بيّن المدير الإقليمي، أنه مع أي امتحان كبير ومهم مثل «IELTS»، هناك دائماً ولسوء الحظ أناس غير صادقين، يحاولون الاحتيال ومع ذلك، فإننا نحذر المرشحين، من شراء شهادات مزيفة لأنهم لا يقدمون المال للنشاط الإجرامي غير القانوني فحسب؛ بل إن هذا الشراء لا طائل منه، لأن لدينا أيضًا نظامًا للتأكد من صحة الشهادة على الإنترنت؛ حيث يمكن لأصحاب العمل وسلطات الهجرة وغيرهم تسجيل الدخول والتحقق من سلامة وصلاحية شهادة IELTS، لكل مرشح باستخدام رقمه الكودي الفريد.

تحذير من الغش

وشدد «ديب» على أن هناك أشخاصاً يدّعون أن لديهم معاونين داخل المركز بفروعه، يساعدونهم في منح الشهادات دون أن يضطر الشخص للحضور إلى الاختبار بنفسه، وهذا محض كذب، لأنه يتم تصنيف امتحان IELTS من قبل كامبريدج، وتحجب النتائج إذا كان هناك اشتباه في الغش، بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن لأي شخص يعمل في المجلس الثقافي البريطاني، الدخول إلى جميع أنظمة الاختبارات لدينا، وذلك لضمان سلامة الامتحان.

توخي الحذر

وللحصول على إفادة من إحدى أهم الجهات التي تطلب شهادة الآيلتس للمتقدمين إلى برامج الهجرة، حاولنا التواصل مع السفارة الكندية في أبوظبي أو قنصليتها في دبي، لكن لم نتلقّ أي ردود حتى لحظة كتابة هذه السطور.

تزوير مواقع شبيهة بالجهة المانحة للشهادة

كشف مدير فرع الجرائم الإلكترونية بشرطة الشارقة، عن أن بعض المحتالين عندهم المقدرة لتصميم مواقع شبيهة أيضاً بالجهة المانحة للشهادة، ويوهمك بأنه قام بالتسجيل لك في الموقع ويبث لك فيديو مصوراً صوتاً وصورة، بينما في الحقيقة هو يدخل على موقع مزوّر ومشابه للموقع الأصلي، لكن من السهل اكتشاف ذلك من خلال رابط الموقع، فإذا كان لا يبدأ ب https:/‏/‏ فهذا معناه أنه موقع غير آمن ولابد أن تشكّ في هويته، خاصة إذا كان يطلب منك مبالغ مالية، مشدداً على ضرورة الإبلاغ عن تلك الوقائع حتى لا يفلت المحتال من العقاب، منبهاً إلى أنه أحياناً تتحول عملية النصب إلى ابتزاز بتهديد الضحية بفضحه أمام أهله وزملائه ومديريه في العمل، إذا لم يدفع مبلغاً من المال للمحتال الذي عرف معظم بياناته، مشيراً إلى أن كثيراً من الضحايا يخجلون من الإبلاغ حتى لا ينكشف أمرهم في الاستعانة بشهادات مزيفة.

عقوبات لمنتهكي القوانين

لتوضيح الخطورة في استخدام شهادات الآيلتس المزورة وعقوبة كل من يقوم بتزويرها، أو استعمالها مع العلم بتزويرها أوضح عبد العزيز الزعابي المحامي، أن المشرّع الإماراتي لم يتساهل في عقاب من يرتكب جريمة التزوير في المحررات الرسمية أو من يرتكب جريمة استعمال محررات رسمية مزوّرة مع علمه بالتزوير، فمجرد التزوير يؤدى إلى مساءلة الجاني عن جريمة التزوير، ولو لم يستعمل المحرّر المزوّر، وذهب المشرّع إلى معاقبة من يستعمل ورقة رسمية مزورة؛ حتى لو لم يقم أو يشترك في تزويرها أصلاً، ولكن بشرط توافر ركن الجريمة، فإذا كان الشخص يعلم بأن الورقة الرسمية التي في حوزته مزورة، وقام باستعمالها، يتوفر ركن الجريمة، فإن أثبت بأنه لا يعلم بأنها مزورة، فلا جريمة في حقّه.