كلباء موطن التراث والبحر، أم القلاع وعطر الماضي والأبنية التي تعانق التاريخ بجمالها وزخرفتها الأصيلة. وصفها «ابن بطوطة» بالمدينة المهمة في التاريخ، واعتبرها من أجمل الموانئ على الساحل التي ترتبط مع الخطوط البحرية التجارية في الخليج والبحر. جبالها العتيدة التي تحتضنها من كل صوب وحدب، جعلت منها وجهة مثالية ومقصداً من أهم المقاصد السياحية الصديقة للبيئة، والأكثر جذباً لمحبي السياحة البيئية في العالم.
تكوينها على شكل «حرف الباء» على الساحل فسُميت «كلباء»، التي أصبحت تحتضن أهم مشاريع للسياحة البيئية في الدولة، لتقدم لزائريها تجربة فريدة ومختلفة ومميزة من المتعة والترفيه المتنوع بين اكتشاف عالم غني من النباتات والحيوانات النادرة، ومراقبة الحياة البرية المهددة بالانقراض، وتسلّق الجبال، والتخييم على شواطئ البحر، وممارسة أنواع الرياضات المائية كافة.
رحلة خاصة انفردت بها «الخليج» إلى محمية كلباء ننقلها عبر السطور المقبلة.
السيارة تشق بنا الطريق المحفوف بالجبال الصلدة التي لا تملك أمام سحر جمالها سوى التأمل والصمت، وربما تسمع صدى صوتها يناديك من بعيد مهللاً بالترحاب. ها هي جبال كلباء تطل علينا من بعيد وقد انتظمت بين جنباتها كحبات من اللؤلؤ، أتأمل ذرات الرمال التي تكلّست عبر سنوات طويلة بفعل الرطوبة والحرارة، لأجد القلم يعجز عن وصف ذاك المشهد الخلاب لصخور تنافس الحُليّ في إبداعها، عندما تتأمل تلك الجبال لا محالة ينتابك إحساس بأن شموخها وقوتها جعلا منها شاهداً على حكمة الصحراء التي لا تنتهي.
الحجر والقرم
وصلت إلى نقطة انطلاق الرحلة عبر قمم جبال كلباء. مرافقي من مشروع كلباء للسياحة البيئية الذي تتولى الإشراف عليه هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق» بالتعاون مع هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، يستقبلني بابتسامة هادئة ارتسمت على ملامحه ليبدأ الحديث قائلاً: «هذا المشروع يُعد الأكبر من نوعه في منطقة الخليج العربي؛ حيث يضم مجموعة من المحميات الطبيعية والمرافق السياحية والتجارية المتنوعة، ويشمل المناطق العلوية الشمالية من سلسلة جبال الحجر، والسهول الواسعة، وتشمل أشجار القرم، والشاطئ، وتمتد إلى ميل بحري واحد عبر البحر، كل ذلك ضمن مساحة تقدر بثمانية كيلومترات مربعة».
يضيف: «نجح مشروع كلباء في أن يوفر تجربة فريدة من نوعها للاستمتاع بمجموعة واسعة من الأنشطة والوجهات السياحية في محميات الحفية والقُرم الطبيعية، التي تُعد واحدة من أكبر غابات أشجار القرم على الساحل الشرقي، إضافة إلى أنه يضم أنواعاً مختلفة ونادرة من الطيور والسلاحف والأسماك، فضلاً عن قطعان الغزلان المحمية».
مياه البحيرة المواجهة لمحمية القرم كان كفيلاً بأن يخطف حواسنا جميعها ليجعلنا نتأمل صفحات مياهها المتهادية، ونسمات الهواء الرقيقة التي تلاطف وجوهنا، لحظات وتدفقت الحافلات التي تجمع تلك الوفود الزائرة، التي سوف تقوم بالتخييم بين أعالي جبال كلباء التي تحتضن مخيمها الترفيهي، تلك الرحلة التي نظمتها إحدى الجهات الحكومية للشارقة لشبابها من أجل خوض تجربة مختلفة ومميزة من الترفيه.
ما يقرب من 30 شاباً بدأوا في تغيير ملابسهم في الأماكن المخصصة لهم تمهيداً لخوضهم تجربة السباحة في مياه البحيرة على قوارب بلاستيكية صغيرة، قسمهم مجموعة من المدربين والمتخصصين إلى فرق مختلفة، ليبدأوا لحظات من المتعة يصاحبها تدريب حاسم، ولم يخل الأمر من الضحكات والمداعبات ما بين الشباب، فمنهم من يفقد السيطرة على قاربه الصغير الذي ينقلب في المياه، وهناك آخرون لا تتيح لهم قدرات أجسادهم بالتجديف وهم يقفون على ظهور القوارب، لحظات من المتعة يصاحبها إصرار وتحدٍ من الشباب على خوض تجربة التوازن عبر التجديف.
إشارة المدربين كانت كفيلة بأن تجعل الشباب يعرفون أنه حان الوقت للخروج من المياه استعداداً للجزء الآخر من الرحلة الذي سيشوبه كثير من المشقة والمغامرة ولا يخلو من المتعة.
مدقات
انطلقت سيارتنا وراء حافلاتهم لتشق بنا «المدقات» بين الجبال الوعرة، رحلة سريعة لم تستغرق أكثر من ربع ساعة من أجل الوصول إلى مكان المخيم، انتظرت حتى جلس الشباب من الزائرين حول مناضد المخيم انتظاراً لتناول وجبة الغداء، كانت ملامح وجوههم تنطق بالسعادة التي يشوبها قليل من الإجهاد وراح الشاب أمجد يوسف المتطوع من أجل الإشراف على الشباب في الحديث معهم موجهاً لهم الكثير من النصائح للاستعداد للنشاطات الرياضية الشاقة التي سيخوضونها.
سياحة
انتظرت حتى انتهى من حديثه إليهم لأسأله عن سبب اختيارهم لهذا المكان تحديداً لتنظيم رحلة لشبابهم فأجابني بلا تردد: «رحلة جديدة ومميزة، والحقيقة أن المخيم لا يقدم الخدمة الترفيهية فقط، بل أيضاً يقوم بتعليم الشباب رياضات مفيدة للغاية مثل الرماية التي تدربهم على التركيز، وتسلق الجبال، ولقد قمت بتلك الرحلة كثيراً مع وفود شبابية من جميع الجنسيات العربية والأجنبية، والحقيقة أن هذا المشروع المبني على فكرة التخييم والسفاري ناجح للغاية وجاذب للسياحة في كلباء».
مغامرات
عبد الله علي (18 عاماً) يقول: الحقيقة أن تلك الرحلة لا تُنسى، قمت برحلات عديدة مع المدرسة لكني لأول مرة أخوض مثل هذه النوعية من الرحلات التي تتسم بالمغامرة، وأعجبني الجزء الخاص بالتجديف واستفدت كثيراً من مدربي لدرجة أنني أفكر جدياً في أن أتعلم تلك الرياضة المفيدة للجسم، التي تساهم في تقوية العضلات، وأنتظر بلهفة شديدة ما تبقى من المغامرات في الرحلة».
«كلباء بالنسبة لنا تعني الكثير»، هكذا جاءني صوت خالد عبد الله (17 عاماً). يضيف: «هي مدينة تسرد تاريخنا، ولأنني أهوى كل ما هو تراثي وقديم فسعدت للغاية بفكرة القيام برحلة إلى كلباء، لكن الحقيقة فوجئت أن الرحلة ليست للقلاع والحصون الأثرية، لكنها إلى نوع آخر، وأفصح أنني في البداية لم أرحب بالفكرة، لكن أثارني الفضول ودفعني للقيام بها، والحقيقة فاقت كل التوقعات، فهي رحلة أغرب من الخيال، شعرت من خلالها بأنني انتقلت للعيش في الزمن البدائي القديم ويالها من متعة».
كاد مايد علي (15 عاماً) أن يتحدث عن انطباعاته عن الرحلة لولا إشارات مدربي المخيم التي كانت أشبه بالاستدعاء الرسمي لتناول وجبة الغداء ليبدأ الجزء الثاني من الرحلة وهو رياضة المغامرات كما يطلقون عليها، انتظرت حتى انتهى الشباب من غدائهم وانطلقوا في مجموعتين الأولى وقفت أمام مدرب الرماية والثانية أصابها الصمت أمام تلك الحبال الطويلة التي عُلقت بين جبال كلباء، التي سيتسلقونها بعد فترة وجيزة مع مدربهم.
لحظات صعبة عندما يتأملها الزائر من بعيد ويعرف أنه سوف يخوضها بعد ثواني ينتابه كثير من الرهبة هكذا بدأ مايد حديثه عقب انتهائه من مغامرة تسلق الجبال قائلاً: صعبة ومختلفة وساحرة وممتعة، في البداية شعرت بالخوف، وانتابني إحساس بأنني لن أنجح في اجتيازها، وكدت أقع على الِشباك التي نصبها المدرب، التي تعد نوعاً من التأمين لنا، ولكن سرعان ما توازنت وأحسست بالمتعة، رحلة أتمنى أن تتكرر.
الأصالة
طارق زياد (14 عاماً)، يتحدث بعد أن حاز على نصيب الأسد من التحية وكلمات الدعم عقب نجاحه في الرماية، قائلاً: «أحببت المكان لأسباب عديدة أولها أنه يضم محمية طبيعية تنتشر فيها جميع أنواع الحيوانات والطيور النادرة التي نحافظ عليها من الانقراض، وأنه أصبح من أهم عوامل الجذب للسياحة الداخلية والخارجية في كلباء التي أحبها وأعتبرها مدينة القدم والأصالة، والحقيقة أنني سعدت برياضة الرماية التي مارستها لأول مرة في حياتي، لكنني تفوقت فيها وحققت رقماً قياسياً في التصويب ناحية الهدف، ولقد توقع لي المدرب نجاحاً باهراً في ممارستها».
مشقة
محمود بسام، يصف تجربته في المخيم بالأسطورية. يقول: لم أكن أتصور أنني سأخوض يوماً تلك النوعية من الرحلات، فهي لها مذاق خاص، ولا يمكن أن نتجاهل أنها تتسم بالتعب، لكنني من خلال تجربة التجديف، ورياضة تسلق الجبال أرى أنها تساهم في تعليمنا الصبر والإرادة وكل أنواع التحدي وأعتقد أنها من الرحلات القليلة التي ستظل محفورة في ذاكراتنا».
مفتوح للجميع
جون ريثين مدير مخيم كلباء السياحي، بريطاني الجنسية، يقول: «نقدم من خلال مخيمنا تجربة جديدة من الترفيه تنقسم إلى العديد من الأجزاء، فزائرنا يمكن له أن يرى التنوع البيولوجي في المنطقة، خصوصاً أنها تعتبر موطنًا للأحياء البحرية والبرية النادرة، مثل الطيور والأسماك والسلاحف الخضراء النادرة، وموطنًا للطيور المهاجرة، مثل الرفراف والوروار أزرق الخد، كما نوفر لزائرينا المشاركة في مجموعة من الأنشطة التي ننظمها في الهواء الطلق، مثل التجديف في البحيرة المقابلة لمحمية القرم، والتخييم وسط جبال كلباء».
وعن الجنسيات المختلفة التي تخيم بين جبال كلباء قال ريثين: «مختلفة ومتنوعة من دول أوروبا، وأمريكا، وأستراليا، واليابان والفلبين، إضافة إلى وفود كثيرة من الرحلات المدرسية».
ويضيف: «بعد انتهاء وفودنا من التخييم، يزورون أيضاً منتزه الحفية الذي يجاور مخيم كلباء، الذي يُعد جزءاً من مشروع السياحة البيئية، وأحد أهم مناطق النزهات العائلية».